الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بالعمل الصالح مَقالِيدُ: جمع مقليد أو مقلد أو مقلاد: وهو المفتاح لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ الإحباط: الإبطال والإفساد بِيَمِينِهِ اليمين: تطلق على الجارحة، أو على القدرة والملك، أو القوة لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ وعليه قول الشاعر:
إذا ما راية رفعت لمجد
…
تلقاها عرابة باليمين
المعنى:
في هذه الآيات الكريمة بيان جزاء الكافرين والمؤمنين يوم القيامة بالإجمال وبيان دلائل التوحيد والألوهية وموقف النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك.. ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة، والخطاب هنا للنبي صلى الله عليه وسلم ولكل من تتأتى منه الرؤية، ولا شك أن المشركين كذبوا على الله حيث وصفوه بغير صفاته، وأثبتوا له الشريك والولد، وهؤلاء الكذابون، تراهم يوم القيامة قد اسودت وجوههم، وعليها غبرة ترهقها قترة، أولئك هم الكفرة الفجرة الذين كذبوا على الله وعلى رسوله، لما رأوا ما أعد لهم ظهرت عليهم علائم الخوف والاضطراب.
أليس في جهنم مثوى لأولئك الكذابين الذين جاءتهم آيات الله فكذبوا بها واستكبروا عنها؟ وهذا تقرير لرؤيتهم يوم القيامة سود الوجوه، وأما المؤمنون الصادقون فأولئك لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وقد نجاهم ربك لأنهم اتقوا ما أعد للكفار حالة كونهم متلبسين ومقترنين بفلاحهم وظفرهم بطلبهم وهي الجنة قد أعدت لهم، لا يمسهم فيها سوء، ولا هم يحزنون.
لا غرابة في هذا، فالله خالق كل شيء، وهو على كل شيء وكيل يتصرف فيه كيفما شاء، والكل محتاج إليه «1» ، له مقاليد السموات والأرض وهذه كناية عن قدرته- تعالى- وحفظه لها بمعنى أنه لا يملك التصرف في خزائن السموات والأرض- وهي ما أودع فيها من منافع- غيره تعالى.
وأخرج البيهقي عن ابن عمر أن عثمان بن عفان- رضى الله عنه- سأل رسول الله:
صلى الله عليه وسلم عن تفسير قوله تعالى: لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فقال رسول الله
(1) الفصل بين الجملتين لأن الثانية بمنزلة التوكيد للأولى، وقيل: هي تعليل لقوله: (وهو على كل شيء وكيل) أو بمنزلة عطف البيان، ويرجح بعضهم أنها مستأنفة.
صلّى الله عليه وسلّم: ما سألنى عنها أحد: لا إله إلا الله والله أكبر. وسبحان الله وبحمده. أستغفر الله. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم، هو الأول والآخر والظاهر والباطن، يحيى ويميت، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير.
والمراد أنه يعطى أجرا على ذلك كبيرا، ويحرس من كل شر كما ورد في بعض الروايات، فكأن هذا الدعاء إذا ذكرته صباحا ومساء وكررته تفتح لك خزائن السموات والأرض ولا حرج على فضل الله.
روى أن المشركين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: أسلم ببعض آلهتنا ونحن نؤمن بإلهك، فقيل للنبي: قل لهم: أفغير الله الذي اتصف بأنه خالق كل شيء والمتصرف في كل شيء، وله وحده التصرف الكامل في هذا الكون أرضه وسمائه! أفغير الله الموصوف بهذا أعبد، ما هو غير الله؟ أصنام وأحجار، وتماثيل وأوثان، وجمادات مخلوقة لا تسمع ولا تبصر، ولا تغنى شيئا، بل هي الضرر كل الضرر، أعبد غير الله الواحد القهار؟
أتأمروني أيها الجاهلون بعبادة غير الله بعد ما وضح الحق وظهر الصبح؟ إن أمركم لعجيب، وتالله لقد أوحى إليك بالتوحيد وأوحى إلى الذين من قبلك كذلك: لئن أشركت يا محمد ليحبطن عملك وليفسدن، ولتكونن من الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأضلوا أعمالهم، وهذا كلام على سبيل الفرض، أى: لو فرض منك ذلك لكان كذلك، ولقد سيق لإقناط الكفرة من ترك محمد لرسالته، وليعلم الكل فظاعة الشرك وقبحه، فلقد نهى عنه من لا يستطيع الإلمام به، فكيف بمن يأتيه؟!! بل الله وحده فاعبد يا محمد أنت وكل من آمن بك، وكن من الشاكرين على هذا التوفيق فالحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
وما قدروا الله حق قدره أبدا حيث عبدوا معه شركاء لا تسمع، ولا تنفع، والحال أن الأرض في قبضته، والسموات مطويات بيمينه، له الأمر كله وإليه ترجعون، وسبحان الله وتعالى عما يشركون.
وهذا الكلام وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ عند بعضهم تمثيل لحال عظمته- تعالى- وكمال تصرفه ونفاذ قدرته بحال من يكون له قبضة فيها الأرض كلها، وله يمين تطوى السموات طيا. ويرى بعضهم أن الكلام على حقيقته.