الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المفردات:
الْآزِفَةِ المراد: يوم القيامة سميت بذلك لقربها إذ كل ما هو آت قريب، ويقال: أزف الرحيل يأزف أزفا: إذا قرب كاظِمِينَ: ممتلئين غما الْحَناجِرِ: جمع حنجرة وهي الحلقوم حَمِيمٍ: قريب نافع خائِنَةَ الْأَعْيُنِ:
المراد الأعين الخائنة وهي التي تختلس النظر إلى المحرم وتسارقه واقٍ: حافظ يدفع عنهم السوء.
وهذا وصف آخر لأهوال يوم القيامة حتى يرتاع الكفار وتمتلئ قلوبهم روعة ورهبة.
المعنى:
وأنذر الناس وخاصة الذين يجادلون في آيات الله بالباطل، أنذرهم يوم القيامة اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ «1» ، والقيامة وإن بعد زمانها إلا أنها آتية لا شك فيها، وكل آت قريب أَزِفَتِ الْآزِفَةُ لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ «2» إذ «3» القلوب لدى الحناجر كاظمين، والمراد تخويفهم وترويعهم من ذلك اليوم وقت أن تكون القلوب لدى الحناجر، وهذه العبارة كناية عن شدة الخوف والوجل إلى درجة أن تخلع القلوب من أماكنها حتى تصل إلى الحلقوم فَلَوْلا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ «4» حالة كون أصحاب القلوب كاظمين، أى: مكروبين وساكتين مع امتلائهم غما وحزنا.
ومن هنا فهمنا أن الكفار يوم القيامة يخافون خوفا شديدا يجعل قلوبهم لدى حلقومهم وأنهم من شدة الهم والخوف ساكتون فلا يستطيعون الكلام، ليس للظالمين- وهم أو لهم- حميم يدافع عنهم من صديق أو قريب، وليس لهم شفيع يشفع لهم ويجادل عنهم، وكانوا يعبدون الأصنام على أنها شفعاء عند الله.
(1) - سورة القمر آية 1.
(2)
- سورة النجم الآيتان 57، 58.
(3)
- (إذ) بدل من (يوم الآزفة) و (لدى الحناجر) خبر، و (كاظمين) حال من القلوب، على معنى قلوبهم.
(4)
- سورة الواقعة الآيتان 83، 84.
وهذا الذي يحاسبهم يوم القيامة يعلم الأعين الخائنة التي تسرق النظر إلى المحرم وتختلسه اختلاسا حتى لا يشعر بها أحد من الجالسين، ويعلم ما تخفيه الصدور من الرغبات والحاجات والنوايا، والإنسان يصدر عنه عمل نفسي قلبي أو عمل بالجوارح، فإذا كان الله يعلم أدق شيء عن جوارح الإنسان وهو النظر خلسة فمن باب أولى أن يعلم اليد التي تبطش والرجل التي تسير واللسان الذي يتكلم، ويعلم كذلك خطرات القلوب وما تخفيه الصدور وهو يعلم السر وأخفى، ويا ويلنا إذا كان يحاسبنا وهو من يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور!! والله يقضى بالحق، لا ظلم اليوم، فلا تظلم نفس شيئا، وإن كان مثقال حبة من خردل أتى بها الله وكفى به خير الحاسبين.
والذين يدعونهم من دونه لا يقضون بشيء، وكيف يقضون، وهم لا يعلمون شيئا، إن الله هو السميع لكل قول، والعليم بكل فعل، وسيجازى على ذلك كله.
نرى أن القرآن ملأ قلوبهم خوفا ورعبا من ذلك اليوم لو كانوا يعقلون، فذرك أنه قريب، وأن القلوب تنخلع فيه لهول ما ترى، وأن المجرمين لا يستطيعون الكلام مع امتلاء قلوبهم غيظا، وليس لهم صديق ولا حميم ولا شفيع يطاع، والحاكم يومئذ عالم بكل شيء لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض، وهو يقضى بالحق فلا محاباة عنده، وهؤلاء الأصنام لا تنفع عنده بشيء، وهو وحده السميع البصير.
ولما بالغ الحق- تبارك وتعالى في تخويفهم من يوم القيامة أردفه بإنذارهم وتخويفهم في الدنيا، وبيان ما عمله الله مع من كفر وعذب الرسل السابقين لعلهم يتعظون فقال ما معناه:
أغفلوا ولم يسيروا «1» في الأرض التي هي حولهم وفي طريقهم فينظروا نظرة اعتبار وموعظة ما حل بالأمم السابقة لما كذبت رسلهم كعاد وثمود وغيرهما، وهؤلاء السابقون كانوا أشد منهم قوة وأكثر أموالا وأولادا، وقد مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم، وقد أثاروا الأرض وزرعوها، وأصبحت لهم مدن وحضارة، وزراعة وصناعة ولكنهم
(1) الاستفهام إنكارى، و (كيف) خبر مقدم لكان، و (عاقبة) اسمها، والجملة من كان واسمها وخبرها في محل نصب على المفعول لينظروا، وقوله تعالى:(كانوا هم أشد منهم قوة) جواب (كيف) .
كذبوا وكفروا فأخذهم ربك أخذ عزيز مقتدر بسبب ذنوبهم، وما كان عند ذلك من واق يقيهم العذاب.
ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالآيات البينات والحجج الواضحات فكفروا بها، فأخذهم الله بسيئات أعمالهم، إنه قوى شديد العقاب.
يا أهل الشرك، ويا أصحاب الفسق: احذروا هذا اليوم وخافوه واتعظوا بمن سبقكم، فالعاقل من اتعظ بغيره، وتلك سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلا.
وهذه قصة موسى مع فرعون وملئه، ذكر معها موقف رجل آمن من آل فرعون وكتم إيمانه، وقد تخللها حكم ومواعظ، وعبر وآيات، وإنما يتذكر بهذا وأمثاله أولو الألباب، وهي في جملتها بيان لعاقبة بعض الأمم التي سبقتهم، وكانت أشد منهم قوة وأكثر أموالا وأولادا.. وتتلخص القصة في:
1-
موقف فرعون من دعوة موسى وما رد به عليه قولا وفعلا.
2-
مارد به موسى على تهديد فرعون.
3-
دفاع الرجل المؤمن عن موسى.
4-
تحذير لآل فرعون من عاقبة فعلهم في الدنيا والآخرة وتذكيرهم بما حل بقوم نوح وعاد وثمود.
5-
تذكيرهم بما حصل أيام يوسف- عليه السلام.
6-
إنكار فرعون وجود إله واحد كما يقول موسى بدليل حسى.
7-
وعظ الرجل المؤمن لقومه وبيانه حقيقة الدنيا والآخرة.
8-
نجاة موسى منهم ونهاية أمره وأمرهم.
تلك هي عناصر القصة التي سيقت هنا، وسنذكرها بالتفصيل، والله هو الهادي إلى سواء السبيل.