الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفجر. وَالْمَحْرُومِ: هو الذي حرم المال، والظاهر أنه هنا المتعفف الذي لا يسأل الناس
…
وهؤلاء هم المتقون المؤمنون، وهذا جزاؤهم بعد الكلام على الكفار والمجرمين، مع ذكر حقائق أخرى تتعلق بالاستدلال على قدرة الله ووحدانيته، وبالمن على الناس بأن رزقهم من الله ويأتى من السماء.
المعنى:
إن المتقين الموصوفين بالصفات الآتية في جنات وبساتين يتمتعون بكل ما فيها ولهم فيها عيون فوارة بالماء الزلال تجرى خلال الجنة، فلا يرون فيها عطشا، كما أنهم لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا، إنهم في جنات وعيون حالة كونهم آخذين ما آتاهم ربهم من نعيم وقابلين لكل ما أعطاهم بقبول حسن، وقد كانوا في الدنيا يتقبلون أوامر الله التي تأتيهم على ألسنة الرسل بصدور رحبة، ونفوس مطمئنة، وكأن سائلا سأل وقال: هل فعلوا ما يستحقون عليه هذا الجزاء؟ فأجيب: إنهم كانوا قبل ذلك في الدنيا محسنين لأعمالهم، آتين بها على ما ينبغي، عابدين الله عبادة خالصة لوجهه كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ «1» أى: كانوا يهجعون زمانا قليلا من الليل، ولا شك أن هذا وصف للمتقين بأنهم عاملون مخلصون، فالليل وإن كان وقت راحة ونوم، فهم لا يهجعون فيه إلا قليلا، ويكابدون العبادة في أوقات الراحة والبعد عن الناس، وعند سكون النفس وعدم اشتغالها بالدنيا وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً «2» وهم مع ذلك كله يستغفرون الله في الأسحار، كأنهم أجرموا في الليل أو عصوا الله في النهار، أليس هذا هو وصف المؤمن التقى دائما يخشى الله ويعمل له، ويحاسب نفسه ثم يستغفر الله بالأسحار بعد ذلك؟
وهم دائما في خشية من عذاب الله، ومع ذلك ففي أموالهم حق ثابت معلوم، للسائل والمحروم، الذي يتعفف عن السؤال، ويحسبه الجاهل غنيّا، وهو في أشد حالات الفقر.
عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ليس المسكين الّذى تردّه التّمرة والتّمرتان
(1) - هذه الجملة بيان للجملة التي قبلها ولذلك فصلت.
(2)
- سورة الإسراء آية 78.
والأكلة والأكلتان، قيل: فمن هو المسكين؟ قال: الّذى ليس له ما يغنيه ولا يعلم مكانه فيتصدّق عليه فذلك المحروم» .
وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ. وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ وهذا دليل على قدرة الله في الأرض وفي الناس سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ «1» وَمِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ «2» نعم في الأرض وما أقلت من سهول وجبال، وأنهار ووديان، وما عليها من زروع وثمار، وحدائق ونبات وما في جوفها من ماء عذب فرات، وماء كالملح الأجاج، وما فيها من زيوت ومعادن، وغازات وأبخرة، في الأرض وحركاتها، ودوراتها ورياحها، وحرها وبردها، آيات ودلائل ولكن للمتقين.
وفي أنفسكم آيات كذلك للمتقين، أليس في نفسك وما فيها من علوم ومعارف وغرائز وميول واتجاهات للخير تارة وللشر أخرى آيات للمتقين؟ أليس في نفسك التي بين جنبيك وما فيها من حواس السمع والبصر والإحساس واللمس والذوق وما فيها من دورة الدم، وأجهزة التنفس والبول والهضم والإفراز كل ذلك آيات لمن يعقلها، ولا يعقلها حقيقة ويدرك سرها الخفى ودلالتها على الإله القوى القادر الحكيم الخبير إلا المؤمنون المتقون الله، أما غيرهم فقد يدرك حقائقها المادية فقط!!، وفي أنفسكم أفلا تبصرون ذلك بقلوبكم لا بأبصاركم! وتفقهون أن هذا كله لخالق قادر على البعث وإعادة الحياة.
واعلموا أن في السماء تقدير رزقكم، وتحديده وأسبابه، فليس الرزق موقوفا على شيء يتعلق بالكون الأرضى فقط، بل الأمر كله لله، والله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، أى: في السماء رزقكم وما توعدون من خير أو شر، فعلى المسلم إذا طلب أمرا من مخلوق فليطلبه بعزة مع العمل فإن الأمور تجرى بالمقادير وبعضهم فسر السماء في الآية بالمطر، فورب السماء والأرض إن تقدير الرزق وتحديده في السماء لحق لا شك فيه، ويجوز أن يراد هذا وغيره من كل وعد سابق في هذه السورة، إنه لحق مثل «3» نطقكم فكما أنكم لا تشكون في نطقكم فكذلك هذا.
(1) - سورة فصلت آية 53.
(2)
- سورة فصلت آية 39.
(3)
- مثل حال من الضمير المستكن في قوله: الحق.