الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المطلب الثاني زكاة المال العام
تبين من تعريف المال العام بأنه غير مملوك لمعين، مما يستلزم بيان حكم اشتراط ملك المال التام بالنسبة للمزكي، حيث اتفق الفقهاء على أن الملك (1) التام للمال شرط لإيجاب الزكاة على مالكه (2)، واختلفت أقوالهم في المراد بهذا الشرط، إلا أنه يمكن إجمالها وصياغتها في قولين (3):
القول الأول: ملك الرقبة واليد، وذلك بأن يتمكن من التصرف فيما يملك بحسب اختياره، وهو قول الجمهور من الحنفية (4). . . . . . . . . . . . . . .
(1) وقد عرف القرافي الملك بأنّه: "إباحة شرعية في عين أو منفعة، تقتضي تمكن صاحبها من الانتفاع بتلك العين أو المنفعة، وأخذ العوض عنها من حيث هي كذلك". اهـ. الفروق 3/ 216.
(2)
ينظر: فتح القدير 2/ 155، العناية شرح الهداية 2/ 153، شرح مختصر خليل للخرشي 2/ 179، الفواكه الدواني 1/ 326، التنبيه 1/ 55، المجموع 5/ 312، الفروع 2/ 328، كشاف القناع 2/ 170.
(3)
لم ينص الفقهاء المتقدمون على الخلاف في هذه المسألة فيما وقفت عليه، وإنما أشار إليها بعض المتأخرين، وهي تفهم من بعض نصوص الفقهاء، وتطبيقاتهم الفقهية في شرط تمام الملك، كما سيأتي بيانه.
(4)
ينظر: بدائع الصنائع 8/ 2 حيث قال: ". . . ومنه الملك المطلق، وهو أن يكون مملوكا له يَدًا ورقبةً" وقد نص في رد المحتار 2/ 263 على الملك التام في قوله: "وقد مر أن الملك التام: المملوك رقبة ويدا".
والمالكية (1) وقول عند الشافعية (2)، والمذهب عند الحنابلة (3).
القول الثاني: ملك الرقبة فقط، وهو المذهب عند الشافعية (4) الحنابلة (5).
الأدلة:
أدلة القول الأول:
1 -
قول علي رضي الله عنه: "لا زكاة في مال الضمار".
وجه الدلالة: أن المال الضمار لا يقدر صاحبه على الانتفاع به، فلا يتحقق فيه الملك (6).
(1) التاج والإكليل 3/ 82، وقد نقل عن ابن شاس قوله:"شرط الزكاة: كمال الملك، وأسباب الضعف ثلاثة: امتناع التصرف كمن غصبت ماشيته، أو تسلط غيره على ملكه كأموال العبيد، أو عدم قراره كالغنيمة". وانظر بلغة السالك 1/ 581.
(2)
ينظر: المجموع 5/ 312.
(3)
ينظر: شرح منتهى الإرادات 1/ 392، حيث قال:(ومعنى تمام الملك: ألا يتعلق به حق غيره، بحيث يكون له التصرف فيه على حسب اختياره، وفوائده عائدة عليه)، وذكر نحوه في كشاف القناع 2/ 171.
(4)
ينظر: التنبيه 1/ 55، حيث قال:"وما لم يتم ملكه عليه كالدين الذي على المكاتب لا تجب فيه الزكاة، وفي الأجرة قبل استيفاء المنفعة قولان أصحهما: أنه تجب فيها الزكاة، وفي المال المغصوب والضال والدين على مماطل قولان: أصحهما أنه تجب فيها الزكاة". وعلل الماوردي ذلك بقوله: "ولأن ملكه فيما ضل أو غصب باق على حكم الأصل فوجب أن تلزمه الزكاة على حكم الأصل؛ ولأن جنس المال إذا كان ناميًا وجبت فيه الزكاة وإن كان النماء مفقودًا". الحاوي 3/ 130.
(5)
ينظر: المغني 1/ 271.
(6)
ينظر: بدائع الصنائع 2/ 9، وقد تقدم ذكر الأثر (ص 205).
2 -
أن المال الذي لا يمكن صاحبه الانتفاع به، لا يتحقق به الغنى الموجب للزكاة (1).
3 -
أن المال الذي لا يمكن صاحبه الانتفاع به، لا يتحقق فيه معنى النماء، فيأخذ حكم أموال القنية التي لا تجب فيها الزكاة (2).
أدلة القول الثاني:
1 -
أن الملك فيما ضل أو غصب مما لا يقدر على الانتفاع به، باق على حكم الأصل، فوجب أن تلزمه الزكاة على حكم الأصل (3).
ويناقش: بعدم التسليم ببقائه على حكم الأصل؛ لأن المقصود من الملك هو القدرة على الانتفاع، وهو غير متحقق هنا، لعدم استقرار الملك، لاحتمال فقده، لا سيما مع غيابه.
2 -
لأن جنس المال إذا كان ناميًا وجبت فيه الزكاة وإن كان النماء مفقودًا، قياسًا على ما لو حبس ماله عن طلب النماء فعدم الدَّرّ والنسل، ولم تربح تجارته، فإنها تجب زكاته (4).
ويناقش: بأن النماء المقصود هو النماء الحقيقي أو الحكمي، فإن كان المال مقدورًا على الانتفاع به، والتصرف فيه، ولم يكن من أموال القنية والحاجة الأصلية، فإنه يعتبر ناميًا، لقابليته للنماء، بخلاف المال الضال والمغصوب ونحوهما مما لا يقدر على الانتفاع بها، فليست نامية، حقيقة ولا حكمًا، فالقياس مع الفارق.
(1) ينظر: بدائع الصنائع 2/ 9.
(2)
ينظر: المبسوط 2/ 168.
(3)
ينظر: الحاوي 3/ 130.
(4)
ينظر: المرجع السابق.
الترجيح:
يترجح القول بتفسير تمام الملك بأنه القدرة على التصرف بالمملوك، إلا أن ذلك لا يلزم منه إمكان التصرف فيه حالًا، وإنما يقصد منه استقرار الملك وثباته، بإمكان التصرف حالًا أو مآلًا من مالك معين، وذلك لما يلي:
1 -
قوة ما استدل به القول الأول، مع الإجابة عن أدلة القول الثاني.
2 -
أن تطبيقات الفقهاء القائلين باشتراط ملك اليد والرقبة تؤكد ذلك، وأن المقصود هو استقرار الملك، وإمكان التصرف حالًا أو مآلًا، فقد أوجبوا الزكاة في الدين المؤجل (1)، وفي المال الذي نسي مكانه سنين ثم وجده (2)، فيزكيه لما مضى من السنين، مع عدم! مكان التصرف حالًا في المال المذكور، إضافة إلى موافقة ذلك المعنى لما استدل به أصحاب القول الأول.
3 -
كما أن مقتضى تمام الملك أن يكون المالك معينًا، وهذا ما تؤكده نصوص الفقهاء، حيث لم يوجبوا الزكاة فيما أوقف أو أوصي به على غير معين (3)، ونص
(1) ينظر: (ص 207). وإن كان لا يلزم من هذا التفسير القول بزكاة الدين المؤجل مطلقًا.
(2)
ينظر: فتح القدير 2/ 256، التاج والإكليل 3/ 147، الإنصاف 3/ 21.
(3)
ينظر: رد المحتار 2/ 259، بداية المجتهد 1/ 180، وقال فيه ابن رشد:"ولا معنى لمن أوجبها على المساكين لأنه يجتمع في ذلك شيئان اثنان: أحدهما أنها ملك ناقص والثانية أنها على قوم غير معينين من الصنف الذين تصرف إليهم الصدقة لا من الذين تجب عليهم". التاج والإكليل 3/ 149، المجموع 5/ 312، 482، وقال النووي فيه:"ثمار البستان وغلة الأرض الموقوفين، إن كانت على جهة عامة كالمساجد والقناطر والمدارس والربط والفقراء والمجاهدين والغرباء واليتامى والأرامل وغير ذلك، فلا زكاة فيها، هذا هو الصحيح المشهور من نصوص الشافعي رضي الله عنه وبه قطع الأصحاب"، وانظر كشاف القناع 2/ 170، مطالب أولي النهى 2/ 16: حيث قال: "ولا زكاة في موقوف على غير معين كعلى الفقراء، أو موقوف على مسجد أو مدرسة أو رباط ونحوه، لعدم تعين المالك".
الشافعية على اشتراط تعيين المالك لإيجاب الزكاة (1) مع كونهم لا يشترطون إمكان التصرف لوجوب الزكاة كما تقدم، مما يؤكد اتفاق الفقهاء على ذلك.
ومما يدل على اشتراط تمام الملك للمال، وكونه مملوكا لمعين، لإيجاب الزكاة فيه، ما يلي:
1 -
قوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (2).
وجه الدلالة: أنه أضاف الأموال إليهم، في قوله:{أَمْوَالِهِمْ} . مما يدل على ملكهم إياها، واختصاصهم بالتصرف والانتفاع بها، وقد أمر بأخذ الزكاة منها، مما يدل على أن محل الزكاة هو ما يملكون من الأموال، كما أن الخطاب في هذه الآية موجه للرسول صلى الله عليه وسلم؛ ليأخذ الزكاة من مُلّاك الأموال المعينين؛ ولذا أضافها إليهم، ولو كانت أموالا لغير معينين، لما أضافها إليهم، وأمره بأخذ الزكاة منهم.
2 -
قول النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل رضي الله عنه حين بعثه إلى اليمن: "أَعْلِمْهم أنْ الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم"(3).
وجه الدلالة: أن قوله: "من أغنيائهم". دال على ملكهم التام للمال، إذ الغنى لا يحصل إلا بذلك، كما أن وصفهم بالغنى المقتضي لأخذ الزكاة منهم دال على تعيينهم.
3 -
أن الزكاة تمليك للمستحقين، والتّمليك فرع عن الملك لمعين؛ فغير المالك المعين لا يمكنه التصرف والتّمليك المطلق للغير (4).
(1) ينظر: مغني المحتاج 2/ 121، شرح التحرير وحاشية الشرقاوي عليه 1/ 332.
(2)
التوبة (103).
(3)
تقدم تخريجه (ص 44).
(4)
ينظر: فقه الزكاة 1/ 130.
4 -
أن الملك التام المقتضي لتعيين المالك، القادر على التصرف المطلق في المال والانتفاع به، هو الذي تحصل به النعمة، التي تستوجب الشكر بأداء الزكاة (1).
فبناء على ما تقدم لا بد من تحقق ثلاثة شروط لتأثير سبب الملك في وجوب الزكاة، واعتباره ملكًا تاما، وهي: استقرار الملك، والقدرة على التصرف المطلق في المال المملوك، وكون المالك معينًا.
وقد تعرض الفقهاء لمسألة زكاة مال بيت المال، وهو مال المسلمين العام، وقرروا عدم وجوب زكاتها؛ لعدم تعين مالكها، ولكونها تصرف في مصالح المسلمين (2).
كما أن بعض نصوصهم الفقهية الدالة على عدم وجوب الزكاة في أموال الغنائم قبل قسمتها (3)، تفيد القول بعدم وجوب زكاة المال العام أيضا؛ لكون مال الغنائم من الأموال العامة، مما يجعلنا نقول باتفاقهم على ذلك (4).
وقد اتفق المعاصرون على ذلك أيضا (5)، وإنما وقع الخلاف لديهم في زكاة المال العام إذا استثمر، وذلك على قولين:
(1) ينظر: كشاف القناع 2/ 170.
(2)
ينظر: قواعد الأحكام 2/ 145، حاشية الشرقاوي على تحفة الطلاب 1/ 348، مطالب أولي النهى 2/ 16.
(3)
ينظر: المبسوط 3/ 52، الأم 2/ 67، أسنى المطالب 1/ 356، الغرر البهية شرح البهجة الوردية 2/ 158. الشرح الكبير لابن قدامة 6/ 328.
(4)
ينظر: زكاة المال العام للزحيلي (ص 18).
(5)
ينظر: المرجع السابق (ص 25)، بحوث فقهية معاصرة للدكتور الشريف (ص 356)، وزكاة المال العام للدكتور البوطي (ص 393)، من أبحاث الندوة الثامنة لقضايا الزكاة المعاصرة.
القول الأول: وجوب زكاته، وهو قول محمد بن الحسن الحنفي (1)(2)، واختاره لدكتور محمد نعيم يا سين (3)، والدكتور رفيق المصري (4)، والدكتور عبد الحميد لبعلي (5)، والدكتور حسن البيلي (6)، وهو ما أخذ به قانون الزكاة السوداني (7).
القول الثاني: عدم وجوب زكاته، ويتخرج عليه اتفاق الفقهاء المتقدم في زكاة المال العام (8)، وهو قول جماهيرهم فيما يستثمر من هذا المال (9)، واختاره أكثر المعاصرين، (10) وبه أفتت الندوة الثالثة عشرة لقضايا الزكاة المعاصرة بالأكثرية (11).
(1) محمد بن الحسن: هو محمد بن الحسن بن فرقد الشيباني، فقيه العراق، وصاحب أبي حنيفة، أخذ عنه بعض الفقه، وتممه على أبي يوسف، ولد سنة 132 هـ صنف مصنفات مفيدة عليها مدار فقه الحنفية، توفي سنة 189 هـ[ينظر: سير أعلام النبلاء (9/ 134)، الجواهر المضية (3/ 122)، الفوائد البهية (ص 163)].
(2)
ينظر: المبسوط 3/ 52 حيث نقل عنه قوله: "فإن اشترى بمال الخراج غنما سائمة للتجارة، وحال عليها الحول فعليه فيها الزكاة، وهذا بخلاف ما إذا اجتمعت الغنم المأخوذة في الزكاة في يد الإمام، وهي سائمة فحال عليها الحول؛ لأن هناك لا فائدة في إيجاب الزكاة، فإن مصرف الواجب والموجب فيه واحد، وهنا في إيجاب الزكاة فائدة، فإن مصرف الموجب فيه المقاتلة ومصرف الواجب الفقراء، فكان الإيجاب مفيدا؛ فلهذا تجب الزكاة".
(3)
ينظر: أبحاث الندوة الثامنة لقضايا الزكاة المعاصرة (ص 420).
(4)
ينظر: بحوث في الزكاة (ص 81).
(5)
ينظر: أبحاث الندوة الثالثة عشرة لقضايا الزكاة المعاصرة (ص 308).
(6)
ينظر: أبحاث الندوة الثالثة عشرة لقضايا الزكاة المعاصرة (ص 317).
(7)
وذلك في المادة 37 من القانون.
(8)
ينظر: الصفحة السابقة.
(9)
ينظر: المبسوط 3/ 52، حاشية الدسوقي 1/ 487، مطالب أولي النهى 2/ 16.
(10)
ينظر: زكاة المال العام (ص 28)، زكاة المال العام للبوطي (ص 398) من أبحاث الندوة الثالثة عشرة لقضايا الزكاة المعاصرة، وانظر فيها (ص 417، 432).
(11)
ينظر: أبحاث الندوة الثالثة عشرة لقضايا الزكاة المعاصرة (ص 414)، ونص المقصود من الفتوى: "المال العام الذي يستثمر ليدر ربحا عن طريق مؤسسات مملوكة بالكامل للدولة، =
أدلة القولين:
أدلة القول الأول:
1 -
أن مصرف المال العام مختلف عن مصرف الزكاة، مما يوجب الزكاة فيه (1).
ويناقش: بأن اختلاف المصرف لا يلزم منه إيجاب الزكاة في المال العام، فتلك عبادة لا بد لإيجابها من دليل، كما أن لكل نوع من المال مصرفه المقصود شرعا، مع اتفاق تلك الأموال في بعض المصارف (2).
2 -
أن سبب وجوب الزكاة في المال كونه ناميًا، فإذا اتخذ المال للاستثمار فقد تحقق فيه هذا السبب، فوجبت زكاته (3).
ويناقش: بأن نماء المال وحده لا يكفي لإيجاب الزكاة، فلا بد من تحقق سبب الوجوب الآخر وهو الملك.
3 -
أن المال العام أنواع؛ فمنه ما يكون مخصصا للمصالح العامة كالتعليم والصحة والمواصلات ونحوها، فلا تجب عندئذ زكاته، ومنه ما يكون مملوكا ملكية
= يراد لها أن تعمل على أسس تجارية، وأن تحقق أرباحا، وهذا النوع غير خاضع للزكاة في رأي الأكثرية، مع وجود رأي آخر يرى أن هذا المال يخضع للزكاة، وهذا ما ذهب إليه محمد بن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة".
(1)
ينظر: المبسوط 3/ 52.
(2)
ينظر: المرجع السابق، حيث أجاب السرخسي عن كلام محمد بن الحسن بقوله:"وفي هذا الفصل نظر؛ فإن الزكاة لا تجب إلا باعتبار الملك والمالك، ولهذا لا تجب في سوائم الوقف، ولا في سوائم المكاتب، ويعتبر في إيجابها صفة الغنى للمالك، وذلك لا يوجد هنا إذا اشتراها الإمام بمال الخراج للمقاتلة، فلا يجب فيها الزكاة إلا أن يكون مراده أنه اشتراها لنفسه، فحينئذ تجب عليه الزكاة باعتبار وجود المالك وصفة الغنى له".
(3)
بحوث في الزكاة (ص 81).
خاصة للدولة بجهاتها التنظيمية والتنفيذية، كالمال العام المستثمر، فتجب عندئذ زكاته؛ لكون ملكيته تامة (1).
ونوقش: بأنه لا يسلم هذا التقسيم، فالمال العام ليست ملكيته خاصة، لا للدولة ولا للناس، وإنما هو ملك للمسلمين عمومًا، بلا تعيين، ويصرفه الإمام بالنيابة عنهم في مصالحهم، سواء كان ذلك مما يصرف مباشرة في مصالحهم، أو مما يستبقى أو يستثمر، فتصرفات الدولة إنما هي باعتبار كونها نائبة عن المسلمين لا مالكة؛ ولذا فيجب عليها مراعاة المصلحة في التصرف في المال العام (2).
4 -
أن الزكاة أصبحت لا تفي بحاجات المسلمين الضرورية، لا سيما مع تقاعس كثير من الأغنياء عن إخراجها، إضافة لعدم تخصيص كثير من الدول نصيبا للفقراء يسد حاجاتهم من الأموال العامة، مما يؤكد القول بوجوب زكاة الأموال العامة، لا سيما المخصصة للاستثمار (3).
ونوقش: بأن فاقة المسلمين، وعدم تخصيص الحكام ما يكفي للفقراء من المال العام، لا يسوّغ إيجاب الزكاة في مال لم يستكمل أسباب الوجوب؛ فالزكاة عبادة، يقتصر في إيجابها على ما ورد به النص، وأمَّا حاجة المسلمين فتستدفع بأسباب أخرى كالوقف والصدقة (4).
(1) تعقيب الدكتور البعلي (ص 309)، والدكتور حسن البيلي (ص 317)، من أبحاث الندوة الثالثة عشرة لقضايا الزكاة المعاصرة.
(2)
ينظر: حكم الزكاة في أموال منشآت القطاع العام الهادفة للربح للدكتور شبير (ص 264)، تعقيب الدكتور الضرير (ص 330)، ورد الدكتور الزحيلي (ص 342)، من أبحاث الندوة الثالثة عشرة لقضايا الزكاة المعاصرة.
(3)
تعقيب الدكتور رفيق المصري (ص 315)، والدكتور عبد القادر أحمد (ص 337)، من أبحاث الندوة الثالثة عشرة لقضايا الزكاة المعاصرة.
(4)
ينظر: حكم الزكاة في أموال منشآت القطاع العام الهادفة للربح (ص 264)، تعقيب الدكتور الزحيلي (ص 342).
أدلة القول الثاني:
1 -
أن الزكاة لا تجب في المال إلا إذا تحقق سبب وجوبها، وهو الملك التام، فلما لم يتحقق ذلك في المال العام، لم تجب فيه الزكاة (1).
ونوقش: بأن ذلك لا يصدق على جميع الأموال العامة، وذلك أن المقصود من تمام الملك هو القدرة على التصرف في المال من المالك أو نائبه، وهذا متحقق في المال العام الذي يتمكن الإمام من تنميته باستثماره بالنيابة عن المسلمين المستحقين؛ فتجب زكاته عندئذ (2).
وأجيب: بعدم التسليم؛ لأن تمام الملك لا يتحقق بمجرد إمكان تصرف الإمام في المال، وذلك لأن تصرفه مقيد بمصلحة المسلمين، وليس مطلقا، كما أن المنوب عنهم، لا يستطيعون التصرف في المال المذكور، لكونهم غير معينين، مما يتبين معه نقصان الملك (3).
2 -
أن الزكاة لا تجب في المال إلا باعتبار الغنى، وملك المسلمين للأموال العامة لا يحقق لهم الغنى، فلا تجب فيها الزكاة (4).
3 -
القياس على المال العام غير المستثمر، في عدم وجوب زكاته، بجامع عدم تمام الملك في كل منهما، فلا تجب فيهما الزكاة (5).
(1) ينظر: حكم الزكاة في أموال منشآت القطاع العام الهادفة للربح (ص 372) من أبحاث الندوة الثالثة عشرة لقضايا الزكاة المعاصرة.
(2)
تعقيب الدكتور محمد نعيم ياسين (ص 420)، من أبحاث الندوة الثامنة لقضايا الزكاة المعاصرة، وتعقيب الدكتور البعلي (ص 309) من أبحاث الندوة الثالثة عشرة لقضايا الزكاة المعاصرة.
(3)
رد الدكتور محمد الشريف (ص 432) من أبحاث الندوة الثامنة لقضايا الزكاة المعاصرة.
(4)
ينظر: حكم الزكاة في أموال منشآت القطاع العام الهادفة للربح (ص 372).
(5)
تعقيب الدكتور الضرير (ص 330) من أبحاث الندوة الثالثة عشرة لقضايا الزكاة المعاصرة.
الترجيح:
يترجح لي القول الثاني، وهو عدم إيجاب الزكاة في المال العام المستثمر؛ لكونه غير مملوك ملكا تاما، لا سيما مع اتفاقهم على عدم وجوب زكاة المال العام غير المستثمر، فيكون حكمهما واحدا؛ لتحقق العلة المتقدمة فيهما، ولكون الناتج من الاستثمار تابعًا للأصل في الحكم، والتابع تابع ولا يفرد بحكم (1)، فضلا عن أن يكون ناقلا لحكم الأصل.
مع كون الزكاة عبادة، لا بد لها من نية، ولا يمكن هذا مع عدم تعين المالك.
وهذا لا يعني عدم جواز الصرف من المال العام في مصارف الزكاة عند الحاجة لذلك، بل يجب على الإمام الاجتهاد في سد حاجة المحتاجين، وتحقيق المصلحة العامة للمسلمين، إلا أن تقصيره في ذلك ليس مبررا لإيجاب الزكاة في مال لا تجب فيه.
* * *
(1) ينظر: الأشباه والنظائر للسيوطي (ص 117).