الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المطلبْ الثاني زكاة مكافأة نهاية الخدمة
تقدم تكييف المكافأة بكونها حقًّا ماليًّا أوجبه ولي الأمر على أرباب العمل لصالح عمالهم؛ لذا فإنه لا بد لإيجاب الزكاة فيها من تحديد وقت استحقاق العامل لها وتملكها إياها، والذي يظهر أن تملك مكافأة نهاية الخدمة إنما يثبت بعد انتهاء خدمة العامل (الموظف)، وصرفها له، لما يلي:
1 -
أن الحقوق المالية التي ينشؤها ولي الأمر يثبت وقت استحقاقها بتحديد المصدر لها، وقد حدد المصدر لتلك المكافأة وقت استحقاقها بانتهاء الخدمة.
2 -
أن قوانين تلك المكافأة دالة على عدم تملك العامل لها ما دام على رأس العمل، حيث منعته من جميع أنواع التصرف بها قبل انتهاء خدمته.
كما قصرت توزيعها في حال وفاة العامل على من يعولهم قبل وفاته، ولم تلتزم قواعد الإرث الشرعي، مما يؤكد أن تلك المكافأة لم تدخل في ملك العامل قبل ذلك، وإنما عند حصول موجب الاستحقاق من تقاعد أو استقالة أو وفاة (1).
3 -
أننا لو سلمنا بملك العامل لها قبل انتهاء الخدمة لا سيما على تكييفها بأنها
(1) ينظر: حكم زكاة مكافأة نهاية الخدمة والراتب التقاعدي 1/ 25، من أبحاث فقهية في قضايا الزكاة المعاصرة.
جزء من أجر العامل، فإن هذا الملك غير مستقر؛ لأن احتمال عدم استحقاق العامل لها قائم ما دام على رأس العمل، لربط الاستحقاق بشروط تختلف باختلاف الأنظمة، فمنها ما يتعلق بسبب انتهاء الخدمة، أو بمدتها، أو بسلوك العامل، وهي مع اختلافها في تعليق سبب الاستحقاق إلا أنها متفقة في كون استحقاق المكافأة معلقًا بأسباب قد تتحقق وقد تتخلف، مما يبين عدم استقرار ملك العامل لها (1).
إذا تبين هذا فإن الزكاة لا تجب في مكافأة نهاية الخدمة قبل استحقاقها بنهاية الخدمة، وصدور قرار صرفها للموظف العامل (2)، حيث لم يتحقق فيها شرط الزكاة وهو ملك العامل للمال واستقراره، وإنما كانت قبل صدور قرار الاستحقاق مملوكة للجهة التي صدرت منها، سواء كانت الدولة، أو المؤسسات والشّركات الأهلية، ولا يتم ملكها بصدور قرار الاستحقاق فقط، بل لا بد من قبض المستحق لها، لما قد يعترضها من تأخير أو إلغاء، وقد اختلفوا بعد ذلك، هل تجب زكاتها بعد قبضها بضمها لماله من جنسها حولًا ونصابًا، أم لا بد من حولان حول عليها بعد القبض؟ قولان:
القول الأول: وجوب زكاتها بضمها لماله من جنسها حولا ونصابا، وهو فتوى الندوة الخامسة لقضايا الزكاة المعاصرة (3).
(1) المرجع السابق 1/ 25.
(2)
ولا أعلم من قال بوجوب الزكاة في مكافأة نهاية الخدمة قبل قبضها إلا ما أشار إليه القرضاوي في فقه الزكاة 1/ 158 في معرض حديثه عن مكافآت الموظفين حيث قال: "إن كانت حقًّا للموظف لا تملك الدولة أو المؤسسة أن تلغيه، ويستطيع أن يصرفها إذا أراد فالذي أرجحه أن ملكه في هذه الحال ملك تام، وهي كالدين المرجو، فحينئذ تجب فيها الزكاة في كل حول، إذا بلغت نصابًا وتوفرت الشروط الأخرى من السلامة من الدين ونحوه". قلت: ومن المعلوم أن الوظف لا يستطيع صرفها إلا وفق تحقق الشروط والأنظمة المتعلقة بها، فلا يستقيم قياسها على الدين المرجو.
(3)
فتاوى وتوصيات ندوات قضايا الزكاة المعاصرة (ص 84)، ونص المقصود منه: "هذه الاستحقاقات إذا صدر القرار بتحديدها وتسليمها للموظف أو العامل دفعة واحدة أو على =
القول الثاني: عدم وجوب الزكاة في مكافأة نهاية الخدمة إلا بعد حولان حول على قبض المستحق لها. وهو رأي اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (1).
أَدلة القولين:
دليل القول الأول: أن مكافأة نهاية الخدمة تعتبر مالًا مستفادًا، وحكمه أنه يضم لجنسه من المال في الحول والنصاب.
ويناقش: بعدم التسليم بضم المال المستفاد إلى جنسه من ماله إذا لم يكن من ماله، بل الراجح فيه أن له حولًا ونصابًا مستقلين (2).
دليل القول الثاني: أن مكافأة نهاية الخدمة مال مستفاد ليس من نماء ماله الذي عنده (3)، بل هو نشأ بسبب مستقل وهو الخدمة التي توفرت شروط استحقاق صاحبها للمكافأة (4).
= فترات دورية أصبح ملكه لها تاما ويزكي ما قبضه منها زكاة المال المستفاد، وقد سبق البيان في مؤتمر الزكاة الأول أن المال المستفاد يضمه المزكي إلى ما عنده من الأموال نصابًا وحولًا". وبنحوه صدر قرار مجمع الفقه الإسلامي رقم 143 (1/ 16) بتاريخ: 30/ 2 / 1426 هـ.
(1)
فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في المملكة العربية السعودية 9/ 283. حيث جاء في الفتوى رقم (7472). السؤال التالي: "أحيط سعادتكم بأن الشّركة التي أعمل بها تعطي الموظف مرتب 15 يومًا مكافأة عن كل سنة خدمة، ولكن تصرف هذه المكافأة بعد نهاية الخدمة، فأطلب من سماحتكم الإفتاء: هل بعد انتهاء الخدمة ومنحي هذه المكافأة عن سنين الخدمة التي قضيتها زكاة أم لا؟ ". فكان الجواب: "إذا كان الواقع ما ذكر فلا زكاة عليك في تلك المكافأة حتى تتسلمها، ويحول عليها الحول من تاريخ تسلمها. وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم".
(2)
سيأتي ذكر المسألة بعدها.
(3)
ومثال ما كان من نماء ماله ما نشأ من ربح تجارة أو نتاج سائمة.
(4)
ينظر: مكافأة نهاية الخدمة للدكتور نعيم ياسين 1/ 288، من أبحاث فقهية في قضايا الزكاة المعاصرة.
الترجيح:
يتوقف الترجيح هنا على الترجيح في مسألة وقت وجوب زكاة المال المستفاد، ولذا فإني أعرضها مختصرًا كما يلي:
اختلف الفقهاء في المال المستفاد إذا كان من جنس نصاب عنده وليس من نمائه (1) على قولين:
القول الأول: لا يضم إلى حول نصابه، بل يستأنف له حول جديد وهو قول الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة والظاهرية، واستثنى المالكية السائمة فإنها تضم إلى حول سائمته (2).
القول الثاني: يضم المال المستفاد إلى حول ماله البالغ نصابًا وهو قول الحنفية (3).
(1) أما إذا كان المال المستفاد من غير جنس نصاب عنده فإنَّ جماهير أهل العلم على اشتراط الحول لعموم أدلة اشتراط الحول، وقول ثان: وهو رواية عن أحمد أنه يزكيه حين يستفيده لما رُوي عن ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهما، وقد تأول ذلك أبو عبيد قائلًا:"فقد تأول الناس -أو من تأوله منهم- أن ابن عباس أراد الذهب والفضة لا أحسبه أنا أراد ذلك، وكان عندي أفقه من أن يقول هذا، لأن ذلك خارج عن قول الأمة، ولكني أراه أراد زكاة ما يخرج من الأرض، فإن أهل المدينة يسمون الأرضين أموالًا. . . فإن لم يكن ابن عباس أراد هذا فلا أدري ما وجه حديثه؟ ".
قلت: وسواء سلمنا بهذا التأويل أو لم نسلم، فإنه اجتهاد من صحابي لا يقابل به النص، كيف وقد عورض بأقوال صحابة آخرين كالخلفاء الأربعة وابن عمر وعائشة وغيرهم رضي الله عنهم أجمعين، ولذا فإنَّ الراجح هو قول الجمهور وقد اختصرت المسألة لاختلافها عن نازلتنا فمن أراد الاستزادة فلينظر في الكتب التالية: الأموال لأبي عبيد (418)، بدائع الصنائع 2/ 13، المدونة 1/ 235، المجموع 5/ 332، المغني 4/ 74، المحلى 4/ 685.
(2)
ينظر: المدونة 1/ 32، المنتقى شرح الموطأ 2/ 134، الأم 2/ 12، المجموع 5/ 331، الفروع 2/ 391، الإنصاف 3/ 77، المحلى 4/ 197.
(3)
ينظر: المبسوط 2/ 164، فتح القدير 2/ 195.
أدلة القولين:
أدلة القول الأول:
1 -
ما روي عن علي مرفوعًا: "لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول"(1).
وجه الاستدلال: أن عموم الحديث يشمل اشتراط الحول للمال المستفاد وغيره.
ونوقش: بأنه على فرض صحته فإن الحديث عام يُخَصُّ منه المال المستفاد كما خصصنا النتاج والأرباح من عموم المال المستفاد لأنها من جنس الأصل وتبع له (2).
ويجاب: بعدم التسليم، فالحديث على عمومه، ولم يخص منه إلا ما دل الدليل على تخصيصه، ومن ذلك الأرباح والنتاج فقد اتفقوا على ضمها لأنها تبع الأصل متولدة عنه، بخلاف المال المستفاد فهو مستقل عن الأصل ومتولد عن غيره، فالقياس مع الفارق (3).
2 -
ما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعًا: "من استفاد مالًا فلا زكاة عليه حتى يحول عليه الحول عند ربه"(4).
(1) تقدم تخريجه (ص 79).
(2)
ينظر: بدائع الصنائع 2/ 14.
(3)
ينظر: المجموع 5/ 335، الفروق 2/ 200، المغني 4/ 78.
(4)
رواه الترمذي في كتاب الزكاة باب ما جاء لا زكاة على المال المستفاد حتى يحول عليه الحول برقم (572) عن زيد بن أسلم عن أبيه عن ابن عمر، والبيهقي في كتاب الزكاة باب لا يعد عليهم بما استفاده من غير نتاجها حتى يحول عليها الحول 4/ 103، ورواه الترمذي موقوفا على ابن عمر برقم (537) وقال:"وهذا أصح من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وروى أيوب وعبيد الله بن عبد الله بن عمر وغير واحد عن نافع عن ابن عمر موقوفًا، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ضعيف الحديث، وضعفه أحمد بن حنبل وعلي بن المديني وغيرهما من أهل الحديث وهو كثير الغلط".
ونوقش: بأن الحديث ضعيف فلا يُسلَّم الاستدلال به (1).
3 -
ولأنه مالٌ مملوك أصلًا فيعتبر فيه الحول شرطًا كالمستفاد من غير الجنس (2).
4 -
واستدل المالكية على إيجاب ضم السائمة المستفادة إلى نصاب سائمته بأنها موكولة للساعي، فلو لم تضم لزم منه خروج الساعي أكثر من مرة خلال السنة الواحدة (3).
ويناقش: بعدم التسليم، فلا يلزم الساعي الخروج إلا مرة واحدة، فما حال عليه الحول وجب على المزكي دفع زكاته للساعي، وما لم يَحُل حوله لا يجب عليه زكاته، والقول قوله: فإن قبل المزكي بتعجيلها أخذها الساعي منه، وإن امتنع، ورأى الساعي توكيل من يأخذها منه عند حولها فعل، أو أوكل إخراجها للمزكي إن وثق به، كما يخرج زكاة سائر ماله (4).
أدلة القول الثاني:
1 -
أنَّ المال المستفاد يضم إلى جنسه في النصاب، فوجب ضمُّه إليه في الحول؛ لأنه إذا ضم في النصاب وهو سبب، فَضَمُّهُ إليه في الحول وهو شرط أولى (5).
ونوقش: بأنّ مقصود النصاب أن يبلغ المال حدًّا يدل على الغنى ويحتمل
(1) ينظر: نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية 2/ 388.
(2)
ينظر: المغني 4/ 77.
(3)
ينظر: المدونة 1/ 324.
(4)
ينظر: الأم 2/ 12، المجموع 6/ 148، والمحلى 4/ 144.
(5)
ينظر: المبسوط 2/ 164، فتح القدير 2/ 196.
المواساة، بخلاف الحول، فإن مقصوده إرفاق الملك واستنماء المال، فلذا يجب الضم في النصاب، ولم يكن في الحول في مسألتنا هذه (1).
كما أن عموم النص يدل على اشتراط الحول في هذه الصورة، ولا يمنع من ضم مال لآخر من جنس لإكمال نصاب زكوي.
2 -
ولأنَّ إفراد المال المستفاد بالحول يفضي إلى حرج كبير ومشقة بالغة في ضبط أوقات وجوب إخراج الزكاة لتفويت إخراج بعض مقاديرها الواجبة، ولذا ضم النتاج والأرباح إلى ما كان حنسه دفعًا لهذه المفسدة (2).
ونوقش: بأن ضم النتاج والأرباح إلى أصلها، لأنها تبع لها ومتولدة عنها، ولو سُلِّم بأنَّ عِلَّة ضمِّها ما ذكر؛ فإنه لا يُسلَّم بتحقُّقِه في مسألتنا؛ لأن الأرباح والنتاج تكثر وتتكرر ويشق ضبطها، بخلاف الأسباب المستقلة كالميراث والهبات، فيمكن ضبطها لقلة تكررها، فإن وجدت مشقة فهي دون المشقة في الأرباح والنتاج، فيمتنع القياس عليها، واليسر فيما ذكرنا أكثر، لأن الإنسان يتخيَّر بين التأجيل والتعجيل، والقول بوجوب الضم يتعين فيه التعجيل، ولا شك أن التخيير بين شيئين أيسر من تعيين أحدهما (3).
الترجيح: يتبين مما تقدم رجحان القول الأول وهو اشتراط حول للمال المستفاد لقوة أدلته، والإجابة عن أدلة القول الثاني.
(1) ينظر: المجموع 5/ 335، المغني 4/ 78.
(2)
ينظر: العناية شرح الهداية 2/ 169.
(3)
ينظر: المغني 4/ 78.
إذا تقرر هذا فإن الراجح في مسألة وقت زكاة مكافأة نهاية الخدمة هو القول الثاني وهو بعد حولان حول من قبضها من مستحقها.