الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثاني
تكاليف استثمار أموال الزكاة
المبحث الثاني تكاليف استثمار أموال الزكاة
إن أبرز ما يندرج تحت هذا العنوان هو نفقات القائمين على استثمار أموال الزكاة، وإن كان المشروع الاستثماري لا يخلو من مصاريف ونفقات لا تتعلق بالقائمين على الاستثمار، وإنَّما تتصل باستئجار المواقع الاستثمارية أو الأجهزة والخدمات ونحوها، إلا أن تلك التكاليف تُحسم من الأرباح لكونها من متطلبات العمل الاستثماري (1).
أما محل البحث هنا فهو في حكم إعطاء القائمين على استثمار أموال الزكاة رواتب ومكافآت من الزكاة لقاءَ قيامهم باستثمار الأموال الزكوية، ومقدار ذلك إن جاز، وذلك ينبني على تحديد صفة هؤلاء المستثمرين لتلك الأموال، وقد تقدم اعتبارهم من العاملين على الزكاة (2)، وذلك لما يلي:
(1) نص بعض الفقهاء على أن مؤنة كَيْل الزكاة ووَزْنها وما يحتاج إليه من النفقات عليها، داخلة في سهم العاملين عليها، وهكذا فيمن احتيج إليه لمصلحتها كما قال ابن قدامة:"وكلُّ من احتيج إليه فيها، فإنه يُعْطَى أجرته منها؛ لأن ذلك من مُؤْنَتِها، فهو كعلفها" المغني 9/ 312، فيمكن دخول النفقات المذكورة أعلاه في سهم العاملين عليها قياسًا على ما قرره الفقهاء. ينظر: روضة الطالبين 2/ 313، وكشاف القناع 2/ 100، ورسالة استثمار أموال الزكاة للفوزان (ص 205).
(2)
ينظر: (ص 382) من هذا البحث.
1 -
أن عموم دلالة لفظ العاملين على الزكاة الذي يشمل كلّ من احتيج إليه فيها يصدق على القائمين بالاستثمار؛ لكونه عملا في مصلحة تنمية مال الزكاة، كما يمكن الاستدلال على أخذهم بقياسهم على المنصوص عليه لدى الفقهاء، كالساعي على الزكاة، بجامع العمل في الزكاة من كل منهما.
2 -
أن منفعة استثمار الزكاة وتنميتها لا تقل عما يذكره الفقهاء من وظائف تندرج تحت وصف العاملين عليها، إذا تحققت فيها الشروط اللازمة من أمن المخاطرة بتلك الأموال، وعدم وجود الحاجة الماسة إليها التي تحول دون استثمارها، بل ربما كان في استثمار أموال الزكاة من المحافظة عليها وتنميتها لإفادة أكبر عدد من المستحقين ما لا يكون في غيرها من وظائف العاملين على الزكاة.
فيتبين مما تقدم مشروعية الصرف من سهم العاملين على الزكاة للقائمين على استثمار أموال الزكاة، وذلك مشروطٌ بِعَدَمِ أخذهم من بيت المال راتبا دوريًّا، وكونهم من المعنيِّين باستثمار أموال الزكاة لا غيرها من الأوقاف أو الصدقات (1).
فإن استحقوا الأخذ فإن مقدار ذلك الأجر يكون بقدر عملهم، كما هو الحال في حق العاملين عليها المنصوص عليهم عند عامة الفقهاء، (2) فيفرض لهم ولي الأمر
(1) وقد تقدم بيان ذلك بتفصيل في المسألة الأولى من المطلب الثاني من المبحث الثاني من هذا الفصل.
(2)
قال ابن رشد في بداية المجتهد 1/ 203: "أما العامل عليها فلا خلاف عند الفقهاء أنه دائما يأخذ بقدر عمله". وقال الجصاص في أحكام القرآن 3/ 181: "ولا نعلم خلافا بين الفقهاء أن العاملين على الزكاة لا يعطون الثمن، وأنهم يستحقون منها بقدر عملهم"، إلا أن القول بإعطائهم الثُّمن مروي عن مجاهد والشافعي وابن حزم وغيرهم، ويظهر أن مراد الشافعي أنه يستحق نصيبه من الثمن في حال وجود باقي الأصناف، فلا يزيد على ذلك، فقد قال كما في الأم 2/ 86:"ويُعطى أعوان إدارة والي الصدقة بقدر معوناتهم عليها ومنفعتهم فيها"، وقال في موضع آخر 2/ 94: "ويأخذ العاملون عليها بقدر أجورهم في مثل كفايتهم وقيامهم =
ما يراه أجرًا مناسبًا للعمل الذي قاموا به، مراعيا في ذلك الجهد المبذول، والمبالغ المستثمرة، والمكانة التجارية للمستثمرين ونحو ذلك مما يؤثر إيجابًا في الاستثمار.
وفي تأصيل ذلك يقول الإمام مالك رحمه الله: "الأمر عندنا في قَسْم الصدقات أن ذلك لا يكون إلا على وجه الاجتهاد من الوالي، فأيُّ الأصناف كانت فيه الحاجة والعدد أُوْثِر ذلك الصنف بقدر ما يرى الوالي، وعسى أن ينتقل ذلك إلى الصنف الآخر بعد عام أو عامين أو أعوام، فيؤثر أهل الحاجة والعدد حيث ما كان ذلك، وعلى هذا أدركت من أرضى من أهل العلم، وليس للعامل على الصدقات فريضة مسمَّاة إلا على قدر ما يرى الإمام "(1).
* * *
= وأمانتهم والمؤنة عليهم"، ولعل هذا مراد غيره ممن نقل عنه مثل ذلك؛ إذ يبعد أن يكون مقصودهم إعطاء العامل الثُمنَ كُلَّه ولو كان كثيرا وكان العاملون قلة، وإنما ألا يزيد على ذلك؛ لأن الله قسم الزكاة بين ثمانية أصناف، ولذا فقد قال الشافعي في الأم أيضا 2/ 83: "فإذا لم تكن رقاب ولا مؤلفة ولا غارمون ابتدأ القسُم على خمسة أسهم، وهكذا كل صنف منهم لا يوجد". وإن كان الأظهر أن نصيبهم لا يتحدد بالثمن، بل يعطون بقدر عملهم، ولو جاوز الثمن كما هو مذهب الجمهور لإطلاق النصوص، وعدم الدليل على التحديد، وأما الاستدلال بقوله تعالى:{إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ. . .} فلا يسلم؛ لأنها لبيان مصارف الزكاة، لا للتسوية بينها. يُنظر: الراجع التقدمة للمذاهب الفقهية، والإنصاف للحنابلة 3/ 224، مصرف العاملين عليها، للأشقر 2/ 742 من قضايا الزكاة المعاصرة. وفتاوى وتوصيات الندوة الرابعة لقضايا الزكاة العاصرة (ص 66).
(1)
الموطأ 1/ 276.
المبحث الثالث
زكاة مال الزكاة المستثمر