الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
القول الثالث:
من ملك خمسين درهمًا أو قيمتها من الذهب، فلا يجوز له الأخذ من الزكاة ولو كان محتاجًا، وهو المذهب عند الحنابلة (1).
أدلة الأقوال:
أدلة القول الأول:
1 -
أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لقبيصة بن مخارق رضي الله عنه (2): "إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة. . . " وذكر منهم: "ورجل أصابته فاقة حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجا من قومه: لقد أصابت فلانًا فاقةٌ، فحلتْ له المسألة حتى يصيبَ قِوامًا من عيش" أو قال: "سِدادًا من عيش (3) "(4).
(1) ينظر: الإنصاف مع الشرح الكبير 7/ 216، وقد قال في الإنصاف:"هذه الرواية عليها جماهير الأصحاب، وهي المذهب عندهم، قال الزركشي: هذا المذهب عند الأصحاب، حتى إن عامة متقدميهم لم يحكوا خلافا. . . إلى قوله: وممن اختار هذه الرواية: الخرقي، وابن أبي موسى، والقاضي، وابن عقيل، فقطعوا بذلك، ونصره في المغني، وقال: هذا الظاهر من مذهبه. قال في الهادي: هذا المشهور من الروايتين، وهي من المفردات، وقدمه في الخلاصة، والرعايتين، والحاويين، وابن رزين، وغيرهم، ونقلها الجماعة عن أحمد، قلت: نقلها الأثرم، وابن منصور، وإسحاق بن إبراهيم. ." 3/ 222. خلافا لمن نسب القول الأول للمذهب.
(2)
هو الصحابي الجليل قبيصة بن المخارق بن عبد الله بن شداد بن معاوية الهلالي، أبو بشر، روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث، وسكن البصرة. [ينظر: الإصابة في تمييز الصحابة (5/ 227)، وتقريب التهذيب (ص 453)].
(3)
قال النووي في شرح مسلم 7/ 139: "القوام والسداد بكسر القاف والسين وهما بمعنى واحد: وهو ما يُغْنِي من الشيء وما تسد به الحاجة، وكل شيء سددت به شيئًا فهو سداد بالكسر، ومنه سِداد الثغر والقارورة، وقولهم سداد من عِوَز".
(4)
رواه مسلم، كتاب الزكاة، باب من تحل له المسألة برقم:(1044)، وأبو داود، كتاب الزكاة، باب من تجوز فيه المسألة برقم:(1640)، والنسائي، كتاب الزكاة، باب الصدقة لمن تحمل بحمالة برقم:(2591، 2580).
وجه الدلالة: أنه أباح المسألة إلى وجود إصابة القوام أو السداد، ومعناه أن مَن أصاب الكفاية لا تحل له المسألة.
ونوقش: بأن الحديث لم يتعرض للحد المانع من أخذ الزكاة، وإنما ذكر حد تحريم المسألة، وقد تحرم المسألة ولا يحرم أخذ الصدقة إذا جاءته من غير المسألة (1).
ويجاب: بأن تحريم المسألة إنما يكون لوجود الغنى من السائل.
2 -
لأن الحاجة هي الفقر، والغنى ضدها، فمن كان محتاجًا فهو فقير يدخل في عموم النص، ومن استغنى دخل في عموم النصوص المحرمة، سواء ملك نصابًا أو لم يملك.
دليل القول الثاني:
ما جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ رضي الله عنه حين بعثه لليمن: "وأَعْلِمْهُمْ أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم"(2).
وجه الدلالة: أن الرسول صلى الله عليه وسلم قسم الناس قسمين: الأغنياء والفقراء، فجعل الأغنياء يؤخذ منهم، والفقراء يُرَد فيهم، فكل مَن لم يؤخذ منه يكون مردودًا فيه، فيجوز إعطاؤه من الزكاة (3).
(1) ينظر: المغني 4/ 120.
(2)
رواه البخاري كتاب الزكاة، باب أخذ الصدقة من الأغنياء وترد في الفقراء حيث كانوا، برقم:(1425)، ومسلم، كتاب الإيمان باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام برقم:(29).
(3)
ينظر: بدائع الصنائع 2/ 48.
دليل القول الثالث:
ما رُوِي عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مَن سأل وله ما يغنيه جاءت مسألته يوم القيامة خموشًا (1)، أو خدوشًا (2)، أو كدوحًا (3) في وجهه". فقيل: يا رسول الله، ما الغنى؟ قال:"خمسون درهما، أو قيمتها من الذهب"(4).
(1) قال في المصباح المنير (165): (خ م ش): خمشت المرأة وجهها بظفرها خمشًا -من باب ضرب- جرحت ظاهر البشرة، ثم أطلق الخمش على الأثر، وجمع على خموش مثل: فلس وفلوس.
(2)
قال في المصباح (181): (خ د ش): خدشته خدشًا -من باب ضرب- جرحته في ظاهر الجلد، وسواء دمي الجلد أو لا، ثم استعمل المصدر اسما وجمع على خدوش.
(3)
قال في المُغرِب (402): (الكاف مع الدال المهملة)(ك د ح): "الكدح كل أثر من خدش أو عض، والجمع كدوح، وقيل: هو فوق الخدش كدد".
(4)
رواه أبو داود، كتاب الزكاة، باب من يعطى من الصدقة وحد الغنى برقم:(1626)، والترمذي، كتاب الزكاة، باب ما جاء فيمن تحل له الزكاة برقم:(650)، والنسائي، كتاب الزكاة، باب حد الغنى برقم:(2592)، وابن ماجه، كتاب الزكاة، باب مَن سأل عن ظهر غنى برقم:(1883). ومدار الحديث على حكيم بن جبير، قال الترمذي:"حديث ابن مسعود حديث حسن، وقد تكلم شعبة في حكيم بن جبير من أجل هذا الحديث". وللحديث شاهد عند أحمد، لكنه ضعيف لوجود نصر بن باب، وقد صحح الحديث بعض العلماء كالألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (1/ 899) برقم:(499) فقد صححه بناء على قول لسفيان بأن حكيم قد توبع من زبيد بن الحارث، وقد نقل هذا القول ابن ماجه والترمذي، ولذا قال الخطابي:"وأما ما رواه سفيان فليس فيه بيان أنه أسنده"، وقال المباركفوري صاحب تحفة الأحوذي (3/ 254):"وسُئل يحيى بن معين: يرويه أحد غير حكيم؟ فقال يحيى: نعم، يرويه يحيى بن آدم عن زبيد، ولا أعلم أحدًا يرويه إلا يحيى بن آدم، وهذا وهم، لو كان كذا لحدث به الناس جميعًا عن سفيان، لكنه حديث منكر". ونقل ابن الجوزي عن عبد الله بن عثمان صاحبِ شعبة: ليس في هذا حجة؛ فإن سفيان ما أسنده، إنما قال: حدثنا زبيد عن محمد بن عبد الرحمن، فحسب، ولم يرفعها. قال ابن الجوزي:"روى هذا الحديث عبد الله بن سلمة بن أسلم عن عبد الرحمن"، قال الدارقطني: "ابن أسلم ضعيف. ورواه بكر بن خنيس عن أبي شيبة عبد الرحمن بن إسحاق. به، =
ونوقش: بأنه على التسليم بصحة الحديث، فإنه محمول على أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله في وقت كانت الكفاية الغالبة فيه خمسين درهمًا (1).
الترجيح:
يترجح قول الجمهور لقوة ما استدلوا به من المنقول والمعقول، فالغنى المانع من أخذ الزكاة هو ما تحصل به الكفاية، فمن وجد من المال ما يكفيه ويكفي من يمونه فهو غني، لا تحل له الزكاة، ومن لم يجد ذلك حلت له الزكاة ولو كان يملك نصابًا، وأما تحديد الكفاية المعتبرة فإنه يرجع للعرف؛ لإطلاق الشرع له، وكل ما أطلقه الشرع ولا ضابط له، فضابطه العرف (2).
إلا أن الفقهاء اختلفوا في استحقاق الفقير للزكاة إن كان قويًّا مكتسبًا على قولين:
= ورواه بكر بن خنيس عن أبي شيبة عبد الرحمن بن إسحاق. . . به، وبكر وأبو شيبة ضعيفان بمرة، ثم ليس في الحديث أن من ملك خمسين درهمًا لم تحل له الصدقة، وإنما فيه أنه كره له المسألة فقط، والمسألة إنما تكون مع الضرورة، ولا ضرورة لمن يجد ما يكفيه من وقته". انظر: التحقيق في أحاديث الخلاف. (2/ 62). وبناء على ما سبق يظهر بأن الحديث متكلم فيه، والمتابعات لا تصل إلى درجة التقوية، ولذا قال الترمذي في المرجع السابق بعد ذكره للحديث:"ولم يذهب بعض أهل العلم إلى حديث حكيم بن جبير، ووسعوا في هذا وقالوا: إذا كان عنده خمسون درهمًا أو أكثر وهو محتاج له أن يأخذ من الزكاة. وهو قول الشافعي وغيره من أهل الفقه والعلم".
(1)
كشاف القناع 2/ 273، قال الكاساني في بدائع الصنائع 2/ 48:"ما رواه مالك محمول على حرمة السؤال، معناه لا يحل سؤال الصدقة لمن له خمسون درهمًا أو عوضهما من الذهب، أو يحمل ذلك على كراهة الأخذ؛ لأن من له سداد من العيش فالتعفف أولى؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من استغنى أغناه الله ومن استعف أعفه الله" رواه النسائي، كتاب الزكاة، باب من الملحف، برقم:(2595) وأحمد (3/ 9) وإسناد الحديث قوي.
(2)
ينظر: شرح الكوكب المنير (62)، والأشباه والنظائر للسيوطي (94 - 98).
القول الأول: استحقاق الفقير الزكاة ولو كان قادرًا على الكسب، وهو مذهب الحنفية (1) والمالكية (2).
القول الثاني: عدم استحقاق الفقير للزكاة إن كان قادرًا على الكسب، وهو مذهب الشافعية (3) ورواية عند الحنابلة (4).
أدلة القول الأول:
1 -
أن الذي يملك أقل من نصاب يعد فقيرًا، سواء كان قادرًا على الكسب أو لم يقدر (5).
ويناقش: بأنه إن كان قادرا على كسبٍ يدفع حاجته فلا يعد فقيرًا، بل هو غني حكمًا؛ لأن دفع الحاجة نفي للفقر.
2 -
حديث عبيد الله بن عدي رضي الله عنه وفيه: أن رجلين أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقسم الصدقة، فسألاه منها، فرفع فيهما البصر وخفضه، فرآهما جَلْدَيْن، فقال:"إن شئتما أعطيتكما، ولا حَظّ فيها لغني ولا لقوي مكتسب"(6).
ووجه الدلالة منه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن شئتما أعطيتكما". مما يدل على جواز الأخذ والإعطاء (7).
(1) ينظر: بدائع الصنائع 2/ 47، رد المحتار 2/ 355.
(2)
ينظر: الإشراف على نكت مسائل الخلاف 2/ 420، حاشية الدسوقي 1/ 494.
(3)
ينظر: المجموع 6/ 222، مغني المحتاج 4/ 173.
(4)
ينظر: الشرح الكبير 6/ 209. كشاف القناع 2/ 286.
(5)
ينظر: البحر الرائق 2/ 269.
(6)
تقدم تخريجه (ص 346).
(7)
ينظر: بدائع الصنائع 2/ 48.