الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تَابِع
(3)
بَابُ التَّشَبُّه بِالصَّالَحِيْنَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالى عَنْهُم وأجْمَعِيْنَ
*
فائِدَةٌ سادِسَةٌ:
روى الإمام أحمد في "الزهد" عن وهب بن منبه قال: في كتب الحواريين: إذا سلك بك سبيل أهل البلاء، فاعلم أنه سلك بك سبيل الأنبياء والصالحين، وإذا سلك بك سبيل أهل الرخاء، فاعلم أنه سلك بك سبيلاً غير سبيلهم، وخلف بك عن طريقهم (1).
وروى الدينوري عن عبد الواحد بن زيد - رحمه الله تعالى - قال: أوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام: يا موسى! إذا رأيت الغنى مقبلاً فقل: ذنب عجلت عقوبته، وإذا رأيت الفقر مقبلاً فقل: مرحباً بشعار الصالحين (2).
وكان الشيخ أحمد بن الرفاعي رحمه الله تعالى يقول: الفقراء أشرف الناس لأن الفقر لباس المرسلين، وجلباب الصالحين، وتاج المتقين،
(1) رواه الإمام أحمد في "الزهد"(ص: 54).
(2)
رواه الدينوري في "المجالسة وجواهر العلم"(ص: 288).
وغنيمة العارفين، ومُنية المريدين، ورضى رب العالمين، وكرامة لأهل ولايته.
وروى الإمام عبد الله بن المبارك في كتاب "الزهد والرقائق" عن وهب بن منبه قال: إني وجدت في كتاب الله المنزل - أو: قرأت في كتاب الله المنزل - في ذكر الصالحين أنهم إذا طالت بهم العافية حزنوا لذلك، ووجدوا في أنفسهم، وإذا أصابهم الشيء من البلاء فرحوا به واستبشروا، وقالوا: الآن عاتبكم ربكم فأَعتِبوه (1)؛ أي: أزيلوا عتابه.
ولهذا شواهد من الأحاديث الصحيحة المرفوعة:
-منها: ما رواه الإمام أحمد، وابن حبان في "صحيحه"، والحاكم -وصححه- والبيهقي في "شعبه" عن عائشة رضي الله تعالى عنها، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إِنَّ الصَّالِحِينَ لَيُشَدَّدُ عَلَيْهِمْ، وَإِنَّهُ لا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ نَكْبَةٌ مِنْ شَوْكَةٍ فَما فَوْقَ ذَلِكَ إِلَاّ حُطَّتْ عَنْهُ بِها خَطِيئَةٌ، وَرُفِعَتْ لَهُ بِها دَرَجَةٌ"(2).
وروى الإمام أحمد، والبخاري، والترمذي، وابن ماجه عن سعد ابن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أَشَدُّ النَّاسِ بَلاءً الأَنْبِياءُ، ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ، يُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلى حَسبِ دِينهِ؛ فَإِنْ
(1) رواه ابن المبارك في "الزهد"(2/ 26).
(2)
رواه الإمام أحمد في "المسند"(6/ 159)، وابن حبان في "صحيحه"(2919)، والبيهقي في "شعب الإيمان"(9781).
كانَ فِي دِينِهِ صُلْباً اشْتَدَّ بَلاؤُهُ، وإِنْ كانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ على قَدْرِ دِينِهِ، فَما يَبْرَحُ البَلاءُ بِالعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي على الأَرْضِ وَما عَلَيْهِ مِنْ خَطِيئَةٍ" (1).
وروى الطبراني في "الكبير" - بإسناد حسن - عن أخت حذيفة رضي الله تعالى عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أَشَدُّ النَّاسِ بَلاءً الأَنْبِياءُ، ثُمَّ الصَّالِحُونَ، ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ"(2).
وروى ابن ماجه، وأبو يعلى، والحاكم -وصححه- عن أبي سعيد رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أَشَدُّ النَّاسِ بَلاءً الأَنْبِياءُ ثُمَّ الصَّالِحُونَ، لَقَدْ كانَ أَحَدُهُمْ يُبْتَلَى بِالفَقْرِ حَتَّى ما يَجِدَ إِلَاّ العَباءَةَ (3) يُحوِّيها فَيَلْبَسُها، وُيبْتَلى بِالقملِ حَتَّى يَقْتُلَهُ، وَلأَحَدُهُمْ كانَ أَشَدَّ فَرحاً بِالبَلاءِ مِنْ أَحَدِكُمْ بِالعَطاءِ"(4).
وروى ابن أبي حاتم الرازي عن يزيد بن أبي ميسرة رحمه الله تعالى قال: أجد فيما أنزل الله تعالى على موسى عليه السلام: أيفرح عبدي
(1) رواه الإمام أحمد في "المسند"(1/ 172)، والترمذي (2398)، وابن ماجه (4023).
(2)
رواه الطبراني في "المعجم الكبير"(24/ 245)، وكذا الحاكم في "المستدرك"(8231).
(3)
في "ت" و"أ": "العباء".
(4)
رواه ابن ماجه (4042)، وأبو يعلى في "المسند"(1045)، والحاكم في "المستدرك"(119).
المؤمن أن أبسط له الدنيا وهو أبعد له مني؟ أو يجزع عبدي المؤمن أن أقبض عنه الدنيا وهو أقرب إليه مني؟
ثم تلا: {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (55) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ} [المؤمنون: 55 - 56](1).
وروى هو وغيره عن قتادة: أنه قرأ هذه الآية فقال: مكر والله بالقوم في أموالهم وأولادهم؛ فلا تعتبروا الناس بأموالهم وأولادهم، ولكن اعتبروهم بالإيمان والعمل الصالح (2).
وروى الترمذي عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ اللهَ إِذا أَحَبَّ قَوماً ابْتَلاهُمْ؛ فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السُّخْطُ"(3).
وروى البيهقي في "البعث" عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِذا أَحَبَّ اللهُ عَبداً ابْتلاهُ لِيَسْمَعَ تَضُرُّعَهُ"(4).
وفي "مسند الإمام أحمد"، و"صحيح البخاري" من حديثه عن
(1) انظر: "الدر المنثور" للسيوطي (6/ 104)، ورواه ابن أبي الدنيا في "الزهد"(1/ 217).
(2)
انظر: "تفسير ابن كثير"(3/ 248)، و"الدر المنثور" للسيوطي (6/ 104).
(3)
رواه الترمذي (2396) وحسنه، وكذا ابن ماجه (4031).
(4)
رواه البيهقي في "شعب الإيمان"(9788)، وكذا هناد بن السري في "الزهد" (1/ 239). قال ابن طاهر المقدسي في "معرفة التذكرة" (ص: 107): فيه يحيى بن عبيد الله بن وهب ليس بشيء في الحديث.
النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيراً يُصِبْ مِنْهُ"(1).
وروى الترمذي، والحاكم -وصححه- عن قتادة بن النعمان رضي الله تعالى عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إِذا أَحَبَّ اللهُ عَبداً حَماهُ الدُّنْيا، كَما يَحْمِي أَحَدُكُمْ سَقِيمَهُ الْماءَ"(2).
وروى الإمام أحمد عن محمود بن لَبيد رضي الله عنه، والحاكم وصححه، عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ اللهَ تَعالَى يَحْمِي عَبْدَهُ الْمُؤْمِنَ مِنَ الدُّنْيا وَهُوَ يُحِبُّهُ، كَما تَحْمُونَ مَرِيضَكُمُ الطَّعامَ وَالشَّرابَ تَخافُونَ عَلَيْهِ"(3).
وروى البيهقي في "الشعب"، وابن عساكر في "تاريخه" عن حذيفة رضي الله تعالى عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إِنَّ اللهَ تَعالَى لَيَتَعاهَدُ عَبْدَهُ الْمُؤْمِنَ بِالبَلاءِ كَما يَتَعاهَدُ الوالِدُ وَلَدَهُ بِالْخَيْرِ، وَإِنَّ اللهَ لَيَحْمِى عَبْدَهُ الْمُؤْمِنَ مِنَ الدُّنْيا كَما يَحْمِي الْمَرِيضَ أَهْلُهُ الطَعامَ"(4).
(1) رواه الإمام أحمد في "المسند"(2/ 237)، والبخاري (5321).
(2)
رواه الترمذي (2036) وقال: حسن غريب، والحاكم في "المستدرك"(7464).
(3)
رواه الإمام أحمد في "المسند"(5/ 428) عن محمود بن لبيد رضي الله عنه.
والحاكم في "المستدرك"(7465) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
(4)
رواه البيهقي في "شعب الإيمان"(7/ 231)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق"(12/ 288).
وروى الحاكم في "الكنى" عن أبي فاطمة الضمري رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إِن اللهَ لَيَبْتَلِي الْمُؤْمِنَ وَما يَبْتَلِيهِ إِلَاّ لِكَرامَتِهِ عَلَيْهِ"(1).
وفي كتاب الله تعالى: {فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (16) كَلَّا} [الفجر: 15 - 17].
قال الحسن: أكذبتهما جميعاً.
ثم قال: ما بِالغِنَى أكرمك، ولا بالفقر أهانك. رواه ابن أبي حاتم (2).
وقلت: [من السريع]
كَرامَةُ الصَّالِحِ أَنْ يُبْتَلَى
…
فِي أَكْثَرِ الأَحْوالِ كَيْ يَضْرَعا
وَيُمْنَعَ الدُّنْيا وَلَذَّاتِها
…
خَشْيَةَ أَنْ يَمْرَحَ أَوْ يَرْتَعا
تَعاهَدَ اللهُ تَعالَى لِمَنْ
…
يُحِبُّهُ يُوْجِبُ أَنْ يُرْفَعا
فَإِنْ تَجِدْ [أَنَّ بلاءً نزلْ](3)
…
فِيكَ فَلا تَسْخَطْ وَلا تَجْزَعا
وَاخْشَعْ لِمَوْلاكَ إِذْ مَسَّكَ الضُّـ
…
ـرُّ فَإِنَّ القَصْدَ أَنْ تَخْشَعا
(1) ورواه ابن سعد في "الطبقات الكبرى"(7/ 507)، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني"(2/ 220).
(2)
رواه ابن أبي حاتم في "التفسير"(10/ 3428).
(3)
ما بين معكوفتين غير واضح في "أ" و"ت".
وروى البيهقي في "الشعب" عن عكرمة بن خالد قال: كان رجل يتعبد، فجاءه شيطان يفتنه، فازداد عبادة، فتمثل له برجل، فقال له: أصحبك؟
فقال: نعم.
فصحبه، فكان العابد يتخلف عنه ويطيف، فأنزل الله تعالى ملكاً، فلما رآه الشيطان عرفه ولم يعرفه الإنسان، فكان إذا مشى تخلف الشيطان، فمدَّ الملك يده نحو الشيطان فقتله، فقال الرجل: ما رأيت كاليوم! قتلته وهو من حاله ومن حاله؟
ثم انطلقا حتى نزلا قرية، فأنزلوهما وضيفوهما، فأخذ الملك منهم إناء من فضة، ثم انطلقا فنزلا في قرية أخرى، فزجروهما ولم يضيفوهما، فأعطاهم الملك الإناء.
فقال له: أما من أضافنا فأخذت إناءهم، ومن لم يضفنا أعطيته الإناء؟ فلن تصحبني!
قال: أما الذي قتلت فإنه شيطان أراد أن يفتنك، وأما الذي أخذت منهم الإناء فإنهم قوم صالحون فلم يكن ينبغي لهم، وكان هؤلاء قوماً فاسقين فكانوا أحق به.
ثم عرج إلى السماء والرجل ينظر إليه (1).
(1) رواه البيهقي في "شعب الإيمان"(10453).