الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وهذه الأمور تتم بالبَرِّ، بل هي به أتم، وإنما يفرق بينهما بالنية؛ فالفاجر ينوي بذلك صيانة إمرته، وقيام حرمته، ورغبة الناس في ولايته، فيُصلِح اللهُ به الناسَ وإن لم يُرِد صلاحَهم، والبَرُّ ينوي بذلك سكونَ خواطر المسلمين، ونُصحَهم، وحمايتَهم، وإقامةَ الدِّين، وإعلاءَ كلمة الله تعالى.
وقد يكون سببَ أمْنِ الطُّرُق شِدَّةُ ظلم الأمير وحَيْفِه، فيحصُل الأمنُ اتِّقاءَ ظُلمه، ويكون في ذلك نفعٌ للمسلمين، وعلى الأمراء وزرُهم.
وأما ما سبق أن الأمراء والعلماء إذا صلحوا صلح بصلاحهم سائر الناس، فذلك صلاح يعود ثوابه على الأمراء والعلماء، وصلاح الناس بالأمراء الفجرة لا يعود منه على الأمراء ثواب.
وكان سهل بن عبد الله رضي الله عنه يقول: يعود عليهم بسبب أمن الناس على أنفسهم وعيالهم وأموالهم، وفي طرقهم ومنازلهم ثوابٌ وخير.
والذي يظهر أنه لا ثواب لهم في شيء من ذلك إلا إذا حصل عن نية منهم صالحة، وقصد صحيح - وان كانوا فجاراً في غير ذلك - لأن العمل بالنية؛ {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ} [الزلزلة: 7].
*
فائِدَةٌ هِيَ تَمامُ أَرْبَعينَ فائِدَةً:
روى الإمام أحمد، وأبو يعلى، وابن السني، وابن حبان في "صحيحه"، والحاكم - وصححه - والبيهقي في "الشعب "، وغيرهم عن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه أنه قال: يا رسول الله! كيف الصلاح
بعد هذه الآية: {لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ} [النساء: 123]، وكل سوء جزينا به؟
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " غَفَرَ الله لَكَ يا أَبا بَكْرٍ! أَلَسْتَ تَمْرَضُ؟ أَلَسْتَ تَنْصَبُ؟ أَلَسْتَ تَحْزَنُ؟ أَلَسْتَ يُصِيبُكَ اللأْواءُ؟ "
قال: بلى.
قال: " فَهُوَ ما تُجْزَوْنَ بِهِ"(1).
قوله: كيف الصلاح؛ أي: كيف صلاح الحال واستقرار النفس بعد نزول هذه الآية: فإن ظاهرها أن الله تعالى يجازي يوم القيامة على كل عمل سوء، فأخبره صلى الله عليه وسلم أن المؤمن يجازى بما يعمله في الدنيا بما يصيبه من مرض أو تعب، أو حزن، أو غير ذلك.
وقد روى الإمام أحمد، والبزار عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: سمعت أبا بكر يقول (2)، والحاكم (3) عنه: أنه سمع الزبير رضي الله تعالى عنه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ فِي الدُّنْيا ".
(1) رواه الإمام أحمد في "المسند"(1/ 11)، وأبو يعلى في " المسند "(98)، وابن السني في " عمل اليوم والليلة " (ص: 350)، وابن حبان في "صحيحه"(2910)، والحاكم في " المستدرك "(4450)، والبيهقي في " شعب الإيمان "(9805).
(2)
رواه الإمام أحمد في "المسند"(1/ 6)، والبزار في "مسنده"(21).
(3)
رواه الحاكم في " المستدرك"(6340).