الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وفي حديث "الصحيحين" من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: "وَإِذا أَبْغَضَ اللهُ عَبْداً نادَىْ جِبْرِيْلَ عليه السلام إِنِّي قَدْ أَبْغَضْتُ فُلانًا، فَيُنادِيْ فِيْ أَهْلِ السَّماءِ، ثُمَّ تَنْزِلُ لَهُ البَغضَاءُ فِيْ أَهْلِ الأَرْضِ"(1).
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنْتُمْ شُهَدَاءُ الله فيْ الأَرْضِ، وَالملائِكةُ شُهَدَاءُ الله فِيْ السمَاء". رواه الطبراني، وغيره من حديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنه (2).
والخطاب في قوله: "أنتم" للمؤمنين.
*
فائِدَةٌ لَطِيْفَةٌ:
روى أبو نعيم عن علي بن الحسين رضي الله عنه قال: قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: إذا كان يوم القيامة أتت الدنيا بأحسن زينتها، ثم قالت: يا رب! هبني لبعض أوليائك، فيقول الله تعالى لها: يا لا شيء! اذهبي فأنتِ لا شيء، أنتِ أهون من أن أهبك لبعض أوليائي، فتطوى كما يطوى الثوب الْخَلِقُ، فتلقى في النار (3).
وإنما لم تكن الدنيا صالحة في الآخرة لأن يثاب بها أحد من أولياء
(1) رواه البخاري (3037)، ومسلم (2637) واللفظ له.
(2)
رواه الطبراني في "المعجم الكبير"(6259). قال الهيثمي في "مجمع الزوائد"(3/ 5): عبد الغفار بن القاسم أبو مريم، وهو ضعيف.
قلت: وهو عند النسائي (1933) من حديث أبي هريرة.
(3)
رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء"(1/ 72).
الله تعالى؛ لأنها ضد الآخرة وضَرَّتُها، فلا تجتمع معها، ولأن الله تعالى كتب على الدنيا الفناء، والآخرة دار البقاء، ولأنها لئيمة، والآخرة دار الكرامة للمؤمنين، والإهانة للكافرين، فاجتمعت هي وأتباعها اللؤماء في دار الإهانة، ولأن الدنيا سجن المؤمن وسنته، فكيف تصلح أن تكون دار الولي وسنته.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الدُّنْيَا سِجْنُ المُؤْمِن وَسَنَتُه"(1)؛ فَإِذا خَرَجَ مِنَ الدُّنْيَا فَارَقَ السِّجْنَ والسَّنَةَ". رواه الإِمام أحمد، والحاكم وصححه، عن ابن عمرو رضي الله عنهما (2).
وروى ابن أبي الدنيا في "ذمها"، والبيهقي في "الشعب" عن عطاء ابن يسار رحمه الله مرسلاً: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "إِنَّ اللهَ -جَلَّ ثَنَاؤُهُ - لَمْ يَخْلُقْ خَلقًا أَبْغَضَ إِليْهِ مِنَ الدُّنْيَا، وإنَّهُ مُنْذُ خَلَقَهَا لَمْ يَنْظُرْ إِلَيْهَا"(3).
وإذا كانت أبغض خلقه إليه، فكيف يرضاها ثوابًا لبعض أوليائه؟
وقال صلى الله عليه وسلم: "الدُّنْيَا مَلْعُوْنة، مَلْعُونٌ مَا فِيْهَا إِلَاّ مَا كَانَ مِنْهَا للهِ عز وجل".
وفي لفظ: "إِلَاّ مَا أُرِيْدَ بِهِ وَجْهُ اللهِ".
(1) السنة: الجدب.
(2)
رواه الإِمام أحمد في "المسند"(2/ 197)، والحاكم في "المستدرك"(7882).
(3)
رواه ابن أبي الدنيا في "ذم الدنيا"(ص: 29)، والبيهقي في "شعب الإيمان"(10500).
وفي لفظ آخر: "إلا ذِكْرُ الله وَمَا وَالاهُ، وَعَالِمًا وَمُتَعَلمًا".
وفي آخر: "إِلَّا أَمْرًا بِمَعْرُوفِ، أَوْ نَهْيًا عَنْ مُنْكَرِ، أَو ذِكرَ الله".
رواه باللفظ الأول أبو نعيم، والضياء المقدسي في "الأحاديث المختارة" عن جابر رضي الله عنه (1).
وباللفظ الثاني في الطبراني في "الكبير" عن أبي الدرداء (2).
ووقفه الإِمام أحمد في "الزهد" عليه بلفظ: "إِلَّا ذِكْرُ الله، وَمَا آوَى إِلى ذِكْرِ الله"(3)، وهو قريب من اللفظ الثالث.
وهو عند الترمذي، وابن ماجه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، والطبراني في "الأوسط" من حديث ابن مسعود رضي الله عنه (4).
ورواه باللفظ الرابع البزار عن ابن مسعود رضي الله عنه أيضًا (5).
وإذا كانت الدنيا ملعونة - واللعنة: البعد عن الله تعالى - فلا تليق أن
(1) رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء"(7/ 90).
(2)
كذا عزاه الهيثمي في "مجمع الزوائد"(10/ 222) إلى الطبراني في "المعجم الكبير" عن أبي الدرداء. ورواه الإِمام أحمد في "الزهد"(ص: 137) موقوفًا.
(3)
رواه الترمذي (2322) وحسنه، وابن ماجه (4112) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، والطبراني في "المعجم الأوسط"(4072) من حديث ابن مسعود.
(4)
رواه الطبراني في "المعجم الأوسط"(4072).
(5)
انظر: "مجمع الزوائد" للهيثمي (7/ 264).
تكون دارًا لأحد من الأولياء؛ لأنهم أهل القرب.
روى الإِمام أحمد، والبيهقي عن عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الدُّنْيَا دَارُ مَنْ لا دارَ لَهُ، وَمَالُ مَنْ لا مَالَ لَهُ، وَلهَا يَجْمَعُ مَنْ لا عَقْلَ لَه"(1).
وكل أحد من أولياء الله تعالى له دار ومال مخصوصان به في الآخرة، فلا تصلح أن تكون الدنيا دارًا له أصلًا.
وكأن التقدير في الحديث: دار من لا دار له في الآخرة، أو في الجنة.
وحقيقة الدار: ما يحوط المرء، ويلم شعثه، ويسكن قلبه، بحيث يأمن ويطمئن ويأنس، ولا تصلح الدار إلا إذا كانت دار مقامة واستقرار، وذلك غير وصف الدنيا حقيقة لأن كل عبد مزعج منها مخرج منها، وإن الدار الآخرة هي دار القرار وهي دار المقامة، ومن ثم يقول أهل الجنة:{الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (34) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ} [فاطر: 34، 35].
فحقيقة الدار ما كانت هكذا دار مقامة وسرور وراحة، من غير إعياء ولا سآمة ولا ملل، ولا كذا دار الدنيا، ولا دار أعداء الله في الآخرة؛
(1) رواه الإِمام أحمد في "المسند"(6/ 71)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (10638). قال المنذري في "الترغيب والترهيب" (4/ 86): إسنادهما جيد.
فإنها - وإن كانت دار مقامة وقرار - فإن مقامها بئس المقام، وقرارها بئس القرار، كما قال الله تعالى:{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ} [إبراهيم: 28 - 29].
***