الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قال: فجلسنا ننتظر حضور الطعام وحضور الأمير، فلحقتني نعسة لطول الجلوس، فرأيت في المنام كان قائلًا يقول:[من الكامل]
فَدَعِ الْمِراءَ لِمُفْسِدٍ أَوْ مُصْلِحِ
…
مَنْ ذاقَ طَعْمَ طَعامِهِمْ لَمْ يُفْلِحِ
والمعنى: دع المماراة مع من يريد لك الإصلاح، ومن يريد الإفساد إذا نادياك في أن طعام الأمراء لا يضرك فإنه يضرك، ومن ذاق طعامهم لم يفلح، فكيف بمن يلازم على أكله ويتردد إليه؟
وروى أبو نعيم عن سفيان الثوري رحمه الله تعالى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لسلمان: "إِن طَعامَ أُمَرائِي بَعْدِي مِثْلُ طَعامِ الدَّجَّالِ؛ إِذا أكلَهُ الرَّجُلُ انْقَلَبَ قَلْبُهُ"(1).
وعنه قال: إن الرجل ليستعير من السلاطين الدابة أو السرج أو اللجام؛ فيتغير قلبه لهم (2).
*
فائِدٌ ثالِثةٌ وتسعونَ:
قال ابن جهضم: حدثني محمَّد بن الحسين قال: بلغني أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب قال في أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهما: [من البسيط]
(1) رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء"(7/ 69).
(2)
رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء"(7/ 41).
يا مَنْ تَشَرَّفَ بِالدُّنْيا وَزِينَتِها
…
لَيْسَ التَّشَرُّفُ رَفْعَ اللَّبْنِ بِالطِّينِ
إِذا رَأَيْتَ شَريفَ النَّاسِ كُلِّهِمُ
…
فَانْظُرْ إِلَى مَلِكٍ في زِيِّ مِسْكِينِ
ذاكَ الَّذِي عَظُمَتْ في النَّاسِ رَأْفتهُ
…
وَذاكَ يَصْلُحُ لِلدُّنْيا وَلِلدِّينِ
ما أَحْسَنَ الدِّينَ وَالدُّنْيا إِذا اجْتَمعا
…
وَأَكْرَمَ العِزَّ وَالإِسْلامَ في لِينِ (1)
في قوله: وذاك يصلح للدنيا وللدين؛ أي: يصلح لدنيا رعيته ولدينهم، وإلا فإنه صلح في نفسه لأنه ملك الأمة باستخلافه، فلم يستفزه الملك عن زي المساكين واستكانتهم، فقد اصطفاه الله تعالى في الدنيا وفي الآخرة لأن مشرب قلبه من مشرب قلب إبراهيم عليه السلام، وقد أثنى الله تعالى عليه بقوله:{وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ} [البقرة: 130].
فأبو بكر رضي الله تعالى عنه لما رغب في ملة إبراهيم فكان أول
(1) عزاها ابن عساكر في "تاريخ دمشق"(18/ 127) لأبي بكر الصديق رضي الله عنه.
وعزاها الجاحظ في "المحاسن والأضداد"(ص: 117)، وابن عبد ربه في "العقد الفريد"(2/ 189) لأبي العتاهية.