الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فَصْلٌ في أحكام تتعلق بالأولياء رضي الله عنهم
-
الإجماع على أن الأولياء لا يبلغون درجات الأنبياء من حيث النبوة (1).
وقال النصرآبادي، وغيره: نهايات الأولياء بدايات الأنبياء عليهم السلام (2).
ثم النبي أفضل من الولي باتفاق أهل الحق، وغلط من قال: إن الولاية أفضل من النبوة بعد تسليمه أن النبي أفضل من الولي، والمختار أن الأنبياء عليهم السلام هم خواص الأولياء والصالحين بنص القرآن.
(1) قال الحافظ ابن حجر في "الزهر النضر في أخبار الخضر"(ص: 24 - 27): ويلاحظ أن كثيرًا منهم -يعني: الصوفية- يفضلون الولي -في زعمهم- إما مطلقا، وإما من بعض الوجوه على النبي، زاعمين أن في قصة الخضر مع موسى عليه السلام الواردة في سورة الكهف، حجة لهم.
وممن يفضل بعض الأولياء، أمثال الخضر عليه السلام، على الأنبياء: الحكيم الترمذي في كتاب "ختم الأولياء".
(2)
تقدم تخريجه.
قال الله تعالى: {إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ} [الأعراف: 196].
وقال تعالى: {وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ} [الأنبياء: 86].
وقال تعالى: {نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ} [الصافات: 112].
ثم إن الأنبياء عليهم السلام معصومون؛ أي: لا تقع منهم معصية أصلًا، ولا صغيرة في حال النبوة، وما سمي مما وقع منهم خطيئة أو معصية بالنسبة إلى علو مقامهم، وإنما الواقع منهم كان خلاف الأولى بهم، فأطلق عليه المعصية لأن مقامه منزه وحاله شريف، والأولياء رضي الله تعالى عنهم محفوظون؛ أي: لا يصرون على الذنب كما قال الله تعالى: {وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران: 135].
ولكن المختار أن الولي لا يقع منه الذنب على وجه المخالفة والعناد، ولكن على وجه الزلة والخطأ من غير اقتصاد، ولو شاء الله لعصم أولياءه كما عصم أنبياءه، ولكن أراد أن يظهر مزية الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ليعرف الأولياء وغيرهم حقوقهم فلا يتعدى أحد طَوره، وأن يكون أولياؤه تحت قهره تجري عليهم أقضيته، وهم مُطرقون بين يدي قدرته، ولتنكسر قلوبهم بالزلة فينخفض جناحهم، ويلين جانبهم بين يديه، فيرفعهم حينئذ ويقربهم، ويخلع عليهم خلع التوبة والقبول، فلا يشمخون ولا يعجبون، ويستكينون إليه، ويذلون بين يديه.
وقد قيل لأبي القاسم الجنيد رحمه الله تعالى: أيزني العارف؟
فأطرق مليًا، ثم قال:{وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا} [الأحزاب: 38]. نقله القشيري في "الرسالة"(1).
وأنشد في "عيون الأجوبة": [من الطويل]
وَما كُنْتُ أَخْشَى أَنْ تَرى لِيَ زَلَّةً
…
وَلَكِنْ قَضاءُ اللهِ ما مِنْهُ مَهْرَبُ (2)
وسئل محمَّد بن موسى -وكان من قدماء العارفين-: ما معنى إجراء الخطيئة على أولياء الله تعالى؟
فقال: أراد أن يحفظ عليهم مواضع فضله بما أجرى عليهم من عدله.
وقال الشيخ عبد القادر الكيلاني رحمه الله تعالى في كتاب "جلاء الخاطر": وليس من شرط البدلية والولاية العصمة، ليس بعد الأنبياء معصوم، العصمة من جملة خصائصهم.
قال: ويحكى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إِذا عَصى وَلِيٌّ مِنْ أَوْلِياءِ اللهِ تَعالَى ضَحِكَتِ الْمَلائِكَةُ، وَقالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: انْظُرُوا إِلَى وَلِيِّ اللهِ كَيفَ يَعْصِي"، انتهى.
(1) انظر: "الرسالة القشيرية"(ص: 381).
(2)
تقدم تخريجه.
وروى ابن جهضم عن إبراهيم بن أدهم رحمه الله تعالى قال: طفت ذات ليلة بالبيت الحرام، وكانت ليلة مطيرة شديدة الظلمة، وقد خلا الطواف، فوقفت عند الملتزم أدعو، وقلت: اللهم اعصمني حتى لا أعصيك.
فهتف بي هاتف: يا إبراهيم! أنت تسألني أن أعصمك وكل عبادي يسألوني العصمة، فإذا عصمتهم فعلى من أتفضل، ولمن أغفر؟ (1)
قال إبراهيم: فبقيت ليلتي إلى الصباح مستغفراً الله، مستحىً منه تبارك وتعالى.
وروى الديلمي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لَوْلا أَنَّ الْمُؤْمِنَ يُعْجَبُ بِعَمَلِهِ لَعُصِمَ مِنَ الذَّنْبِ حَتَّى لا يَهِمَّ بِهِ، وَلَكِنَّ الذَّنْبَ خَيْر لَهُ مِنَ العُجْبِ"(2).
ومن فوائد جواز الزلة على الولي أن لا يَأْمَنَ مكر الله، فيكون ملازماً للخوف.
وقد قال السَّري السَّقَطي رحمه الله تعالى: لو أن رجلًا دخل بستاناً فيه أشجار كثيرة، على كل شجرة طير يقول بلسان فصيح: السلام عليك يا ولي الله، فلو لم يخف أنه مكر لكان ممكوراً به، كذا نقله القشيري (3).
(1) انظر: "قوت القلوب" لأبي طالب المكي (2/ 102).
(2)
رواه الديلمي في "مسند الفردوس"(5069).
(3)
انظر: "الرسالة القشيرية"(ص: 381).
وروى أبو الحسن بن جهضم، وأبو نعيم عنه أنه قال: لو أن رجلًا دخل إلى بستان فيه من جميع ما خلق الله تعالى من الأشجار، عليها من جميع ما خلق الله تعالى من الأطيار، فخاطبه كل طائر منها بلغته، وقال: السلام عليك يا ولي الله، فسكنت نفسه إلى ذلك، كان في يديها أسيرًا (1).
أي: فلا ينبغي له أن يكون وليا لأن الولي لا يسكن إلى الكرامة خوفًا من أن يكون بها محجوبًا أو مستدرجًا.
واختلف المشايخ هل يجوز لولي أن يعلم بولايته؟
فقال الإِمام أبو بكر بن فُورك: لا يجوز؛ لأنه يسلبه الخوف، ويوجب له الأمن.
وقال الأستاذ أبو علي الدقاق، والأستاذ أبو القاسم القشيري، وعامة المشايخ: يجوز، وليس ذلك بواجب في جميع الأولياء، فيجوز في حق بعضهم أن يعلم أنه ولي، ويجوز في حق بعضهم أنه لا يعلم ذلك من نفسه، ولا يعلمه منه غيره أيضًا.
وإذا علم بعضهم أنه ولي، كانت معرفته تلك كرامة له انفرد بها، وليس كل كرامة لولي يجب أن تكون تلك بعينها لجميع الأولياء، ولو لم يكن للولي كرامة ظاهرة عليه في الدنيا لم يقدح عدمها في كونه
(1) رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء"(10/ 118).
وليًّا بخلاف الأنبياء (1).
وما قيل: إن علم الولي بولايته أو كرامته يسلبه الخوف، ويوجب له الأمن؛ هذا ليس بمطرد، ولو كان هذا كذلك للزم مثله في حق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ولفاتهم مقام الخوف.
وقد قال الله تعالى فيهم: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا} [الأنبياء: 90].
وكان النبي صلى الله عليه وسلم أخشى الناس لله وأخوفهم منه، وهذا أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة بن الجراح، وسعيد بن زيد رضي الله تعالى عنهم؛ صح خبر النبي صلى الله عليه وسلم أنهم في الجنة، وما يحكى عنهم في الخوف والرهبة لا يكاد يحصى كثرة.
فلا يلزم من علم الولي لولايته أن يسلب الخوف أصلاً وإن أمن الأولياء من تغير العواقب لما يجدون في قلوبهم من الهيبة والتعظيم والإجلال ما يزيد على غيرهم (2).
وهل يجوز أن يكون الولي وليًّا في الحال ثم يتغير أو لا؟
اختلفوا في ذلك؛ فمن جعل من شرط الولاية حسن الخاتمة يقول: إن ذلك غير جائز، واختاره القشيري، والصدر ينشرح إليه، وإلا
(1) انظر: "بستان العارفين" للإمام النووي (ص: 139).
(2)
انظر: "بستان العارفين" للإمام النووي (ص: 140).
لصدق على من كان مؤمنا ثم ارتد أنه كان وليا ثم صار عدوًا، وإنما العبرة بالخواتيم.
ولكن نقول: إن من كان على الخير ثم عاد إلى الكفر أو الفسق أنه كان في صورة الأولياء، وهو في علم الله بخلاف ذلك، ومثاله: بلعام بن باعورا كان قد آتاه الله من آياته وعلمه الاسم الأعظم، وكان مجاب الدعوة، فانسلخ من آيات الله تعالى؛ قال الله تعالى:{وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ} [الأعراف: 176]؛ أي: بمشيئة الله تعالى، فبلعام لم يكن من أولياء الله تعالى قط، وإنما كان في صورة ولي وهو عند الله شقي.
ويجوز أن يقال: كان صالحا ثم تغير لأن الصلاح أمر مشهور، وهو صفة العبد بخلاف الولي؛ فإنه لا يكون وليا إلا إذا تولاه الله، ثم تولى هو طاعته كما سبق، فمن شرط الولي حسن العاقبة بخلاف الصالح، وبذلك يلوح الفرق بين الولي والصالح؛ فإن العبد يمكنه أن يظهر أعمالًا كأعمال الصالحين وقلبه على خلاف قلوبهم، وأمر القلب خفي عنَّا.
قال محمَّد بن واسع رحمه الله تعالى: كان لقمان يقول لابنه: يا بني! اتق الله ولا تُرِ الناس أنك تخشى الله ليكرموك [بذلك] وقلبك فاجر. رواه ابن أبي شيبة، والإمام أحمد في "الزهد"(1).
ومن هنا يعلم أنه يجوز للعبد أن يشهد للعبد بالصلاح والعدالة،
(1) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف"(34293)، والامام أحمد في "الزهد" (ص: 49).
وليس له أن يشهد له بالولاية كما ليس له أن يشهد عليه بالنفاق، ويجوز له أن يشهد عليه بالفسق لظهوره وخفاء النفاق.
نعم؛ يجوز لمن أعطي مقام الكشف أن يشهد بالولاية لمن كوشف بها فيه، وليس له أن يشهد عليه بالنفاق لأن حسن الظن أوسع من سوء الظن، وإنما كان حذيفة رضي الله تعالى عنه يشهد على المنافقين بما أعلمه به النبي فيه صلى الله عليه وسلم.
نعم؛ يجوز أن يقال عمن كوشف بالنفاق فيه: هذا يحتمل أنه منافق، أو يخطر لي أنه منافق، وأنا أستغفر الله تعالى، وليخش أن يشهد عليه بشيء من ذلك رأيًا وهوى، وهو يشهد أنه كشف؛ فإن الغلط في ذلك كثير.
ومما يتعرف به الرأي والهوى من الكشف أن يلتمس حال قلبه؛ هل يكره المشهود عليه لغرض نفساني، أو لا كأن يشاركه في فضيلة، أو يزيد عليه فيها، ويرى للناس إقبالًا على المشهود عليه بسبب تلك الفضيلة أعظم من إقبالهم عليه، أو يشاركه في فضيلة ثم يراها أنتجت للمشهود عليه مالًا أو حالًا أو جاهًا لم ينتجه لنفسه، أو يشتغل هو بظاهر العبادات ويتعلق بها، ثم لا يرى الولاية والطريق إلا ما هو عليه، فينكر أحوال العارفين بالله؟
قال أبو العباس الطوسي: حدثني بعض مشايخي من الثقاة النبَّل قال: قال لي الخضر عليه السلام: مررت بعابد مجتهد شديد الاجتهاد، فذكرت له شيئًا من كرامات الله تعالى فجحدها، فقلت له: أنا الخضر.
فقال: اتق الله؛ فإني أخاف أن تكون شيطاناً.
قال: فشققت الهواء لأريه آية، فجعل يقول: باطل، {وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأعراف: 139]، أو كما {مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ} [يونس: 81].
فقلت: إن الله لا يريده لذلك.
وقلت: لو أعطى الله أحدًا بالجد والاجتهاد -يعني: من غير معونة وتوفيق- لأعطى هذا (1). رواه أبو الحسن بن جهضم.
فتأمل كيف حجب هذا المسكين رأيه وحسن ظنه برأيه عن التماس بركة الخضر عليه السلام، بل حمله على سوء الظن فيه وجره إلى الحرمان!
وكثير من المتعبدين يحجبون عن أسرار أولياء الله تعالى ومكاشفات العارفين لاشتغالهم بالعبادة وتعلقهم بها.
قال سهل بن عبد الله رحمه الله تعالى: إن الله تعالى يطلع على أهل
(1) قال الألوسي في "روح المعاني"(15/ 321): فارق الخضر موسى بن عمران كليم الرحمن ولم يصاحبه وقال: {هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ} [الكهف: 78] فكيف يرضى لنفسه بمفارقة مثل موسى عليه السلام، ثم يجتمع بجهلة العباد الخارجين عن الشريعة الذين لا يحضرون جمعة ولا جماعة ولا مجلس علم وكل منهم يقول: قال لي الخضر، جاءني الخضر، أوصاني الخضر، فيا عجباً له يفارق الكليم ويدور على صحبة جاهل! لا يصحبه إلا شيطان رجيم، سبحانك هذا بهتان عظيم.
قرية أو أهل بلد فيريد أن يقسم لهم من نفسه قسماً فلا يجد في قلوب العلماء ولا في قلوب الزهاد موضعًا لتلك القسمة من نفسه، فيمن عليهم أن يشغلهم بالتعبد عن نفسه. رواه ابن جهضم، ومن طريقه أبو نعيم (1).
وقوله: فيريد أن يقسم لهم من نفسه؛ أي: من معرفة نفسه، أو من عند نفسه قسمًا من أقسام عطائه كما قال الله تعالى:{آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا} [الكهف: 65].
وكما قال الله تعالى: {ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} [آل عمران: 195].
وكذلك تقول: قسمت لك نفسي قسمًا من عطائي؛ أي: على وجه التفضل والابتداء بالعطاء من غير تحمل منك.
وقول سهل: فيمن عليهم أن يشغلهم بالتعبد عن نفسه؛ أي: عن طلب معرفته، ومناجاته ومواصلته كما قال أبو يزيد البسطامي رحمه الله تعالى: إن الله أطلع على قلوب أوليائه؛ فمنهم من لم يكن يصلح لحمل المعرفة صرفا فشغلهم بالعبادة. رواه أبو نعيم (2).
ومن كان فاسقا في الحال وهو في علم الله تعالى ولي فهل يجوز لمن أطلعه الله تعالى على عاقبته بطريق الكشف أن يقول: إنه ولي؟
فيه احتمال، والظاهر الجواز، ولكن الأولى أن يقيد ذلك بما
(1) رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء"(10/ 205).
(2)
رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء"(10/ 39).
سيحصل حذراً من إيهام من يخبره بذلك، وإيقاعه في الحيرة والتكذيب (1).
واعلم أن الإيمان بكرامات الأولياء واجب، وأنها حق، والإيمان بها إيمان بقدرة الله تعالى، وهي الخوارق التي تظهر عليهم، ويفرق بينها وبين معجزات الأنبياء عليهم السلام: بأن المعجزة تكون مع التحدي ودعوى النبوة بخلاف الكرامة، وبأن المعجزة يتعين أن يظهرها النبي، والكرامة يخفيها الولي إلا إذا كان في إظهارها فائدة وأمنت الفتنة الإظهار كما روى القشيري، وغيره عن جابر الرحبي رحمه الله تعالى قال: أكثر أهل الرحبة على الإنكار في باب كرامات الأولياء، فركبت السبع يومًا ودخلت الرحبة، وقلت: أين الذين يكذبون أولياء الله؟ قال: فكفوا بعد ذلك عني (2).
وروى أبو نعيم عن أبي العباس بن مسروق، وأبي محمَّد الحريري، وأبي أحمد المغازلي، وغيرهم قالوا: جاء إبراهيم الآجري يهودي يقتضيه شيئًا من ثمن قصب، فكلمه فقال له: أرني شيئًا أعرف به شرف الإِسلام وفضله على ديني حتى أسلم.
قال: فقال له: وتفعل؟
(1) وأصح منه بلا شك أبدًا قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [لقمان: 34].
(2)
انظر: "تفسير القشيري"(ص: 394).
قال: نعم.
فقال له: هات رداءك.
قالوا: فأخذه، فجعله في رداء نفسه، ولف رداءه عليه، ورمى به في النار نار أتون الآجر، ودخل في أثره، وأخذ الرداء وخرج به من الباب الآخر، ففتح رداء نفسه وهو صحيح، وأخرج رداء اليهودي حراقاً أسود من جوف رداء نفسه، فأسلم اليهودي (1).
وبالغ بعضهم في كتم الكرامة حتى أوجبه.
قال أبو عمرو الدمشقي -وهو من أجل مشايخ الشام-: فرض الله تعالى على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إظهار الآيات والمعجزات، كذلك فرض على الأولياء كتمانها حتى لا يعتني الخلق بها. رواه السلمي (2).
ويؤخذ من كلامه أن اعتناء الخلق بالكرامة لا ينبغي؛ أما صاحب الكرامة فلئلا يقف عندها فيحجب عن مواهب الله تعالى وعن الوصول إلى رضاه، وأما غيره فلئلا يعتقدوا من ظهرت عليه الكرامة وينتقدوا من لم تظهر عليه، فربما نفوا عن الأولياء كثيرًا بسبب ذلك.
وليس معنى وجوب كتمان الكرامة ألا تظهر أصلًا؛ إذ يلزم من
(1) رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء"(10/ 223).
(2)
رواه السلمي في "طبقات الصوفية"(ص: 215).
ذلك إبطال الكرامات ونفيها، بل معناه ألا يتعمد الولي إظهارها، وإن ظهرت فلا يسكن إليها.
قال القشيري: واعلم أنه ليس للولي مساكنة إلى الكرامة التي تظهر عليه، ولا له ملاحظة، وربما يكون لهم في ظهور جنسها قوة يقين وزيادة بصيرة لتحققهم لأن ذلك فعل الله، فيستدلون بها على صحة ما هم عليه من العقائد في الجملة، فالقول بجواز إظهارها على الأولياء واجب، وعليه جمهور أهل المعرفة (1).
وذكر عن ابن عطاء قال: سمعت أبا الحسن النوري يقول: كان في نفسي شيء من هذه الكرامات، فأخذت قصبة من الصبيان وقمت بين زورقين، وقلت: وعزتك لئن لم تخرج لي (2) سمكة فيها ثلاثة أرطال لأغرقن نفسي.
قال: فأخرج لي سمكة فيها ثلاثة أرطال، فبلغ ذلك الجنيد، فقال: حكمه أن يخرج له أفعى تلدغه (3).
وإنما أنكر الجنيد عليه مساكنته إلى الكرامة وتوقفه عندها.
وأبو الحسن لم يسأل الله تعالى هذا الأمر الخارق إلا ليزول عنه ما كان في نفسه من التوقف في أمر الكرامة.
(1) انظر: "الرسالة القشيرية"(ص: 380).
(2)
"لي" ليست في "أ".
(3)
انظر: "الرسالة القشيرية"(ص: 388).
ومنع أكثر المعتزلة خوارق الأولياء، وأنكروها، والكتاب والسنة والحس والعقل ترد عليهم.
قال الشيخ تاج الدين بن عطاء الله الإسكندري في "لطائف المنن": ويخشى على من هذا مذهبه سوء الخاتمة.
وروى أبو عبد الرحمن السلمي عن محمَّد بن حامد الترمذي رحمه الله تعالى قال: إنكار ولايات الأولياء في قلوب الجهال من ضيق صدورهم عند المصادر، وبُعد علومهم عن موارد القدرة (1).
وذهبت جماعة منهم القشيري، وابن السبكي: أن الخارق -وإن جاز على يد الولي- لا ينتهي إلى [ولد دون] والد وقَلْبِ جمادٍ بهيمةً، ونحو ذلك (2).
وهذا القول أنكره الجمهور على قائله.
وقال النووي في "شرح مسلم": إنه غلط منهم، وإنكار للحس (3).
(1) رواه السلمي في "طبقات الصوفية"(ص: 218).
(2)
انظر: "الرسالة القشيرية"(ص: 381)، و"طبقات الشافعية الكبرى" للسبكي (2/ 316).
(3)
انظر: "شرح مسلم" للنووي (16/ 108)، لكن كلام الإِمام النووي هنا عن مسألة أخرى، وهي كون الكرامة تختص بمثل إجابة الدعاء ونحوه، فقال النووي: وهذا غلط من قائله وإنكار للحس، بل الصواب جريانها بقلب الأعيان، وإحضار الشيء من العدم ونحوه.
أما كلام القشيري والسبكي رحمهما الله فعن مسائل عظيمة جداً، وكأنهما =
وكان أبو عبد الله الأصبهاني شارح "المحصول" ممن يعتقد كرامات الأولياء، فقال له بعض طلبته: يا سيدي! أيصح أن في هذه الأمة من يمشي على الماء ويطير في الهواء؟
فقال: يا بني! هذه الأمة كرمها الله بنبيها صلى الله عليه وسلم فانفِ عن أوليائها مقام النبوة والرسالة، وأثبت ما شئت من الخوارق. نقله ابن السبكي (1).
وقد بسطنا القول في هذه المسألة في كتاب "منبر التوحيد".
واعلم أن الكرامة على قسمين:
الأول: كرامة بمعنى خرق العادة كالمشي على الماء، وفي الهواء، وطي الزمان والمكان، والتصرف في الكون بنفوذ الأمر والنهي.
وعن الشيخ عبد القادر الكيلاني رحمه الله تعالى أنه قال: بسم الله من العارف بمنزلة: كن من الله.
وقال الأعمش: قال أبو وائل رحمه الله تعالى: يا سليمان! نعم الرب ربنا؛ لو أطعناه ما عصانا (2).
= استدلا بالاستقصاء بأنه لم تبلغنا كرامة وصلت إلى حد قلب جماد إلى حي أو ولد من غير والد.
ثم إن الإِمام النووي نفسه نقل كلام القشيري في "بستان العارفين"(ص: 142) ولم يعلق عليه، فلو كان يخالف مذهبه لأشار إلى ذلك، والله أعلم.
(1)
انظر: "طبقات الشافعية الكبرى" للسبكي (8/ 102).
(2)
رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء"(4/ 105).
وقال أبو الربيع السائح: أطع الله يطعك (1). رواهما أبو نعيم.
وفي ذلك إشارة إلى أن من شرط هذا القسم من الكرامة طاعة الله تعالى، فلو ظهر الخارق على يد فاسق لم تكن كرامة، بل هو استدراج أو سحر أو شعوذة، وبهذا يفرق بين هذه الثلاثة وبين الكرامة.
قال أبو يزيد البسطامي رضي الله تعالى عنه: لو نظرتم إلى رجل أعطي من الكرامات حتى يرفع في الهواء فلا تغتروا به حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهي، وحفظ الحدود وأداء الشريعة. رواه القشيري، وأبو نعيم (2).
ثم هذه الكرامات قد يجدها أهل البداية في بداياتهم، ويفقدها أهل النهاية في نهاياتهم؛ فإن أصل ظهور الخارق على يد الولي إنما هو لتقوية يقينه وزيادة بصيرته، فيعلم الولي أن ما هو عليه من العقائد والوظائف صحيح مرضي، فيلازم عليه؛ فإن كان الولي في النهايات رسخ يقينه فلا يحتاج إلى مثبت لأن المركب العظيم لا يحتاج إلى مرساة.
وروى القشيري عن ابن سالم قال: كان رجل يقال له: عبد الرحمن ابن أحمد يصحبه سهل بن عبيد الله، فقال له يومًا: ربما أتوضأ للصلاة فيسيل الماء من يدي قضبان ذهب وفضة.
(1) رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء"(8/ 296).
(2)
رواه القشيري في "الرسالة"(ص: 38)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء"(10/ 40).
فقال سهل: أما علمت أن الصبيان إذا بكوا يعطون خشخاشة ليشغلوا بها (1)؟
وإنما جاز ظهور الخارق على الأولياء -وإن كان بعضه زائدًا في المعنى على معجزات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام- لكون كرامة الولي معجزة لنبيه؛ لأن الكرامة إذا ظهرت على التابع كانت دليلاً على صدق المتبوع وصحة طريقه.
وقد صرح القشيري، وغيره أن ذلك من جملة المعجزات لنبي ذلك الولي مع أن النبي لا يتحدى بها فيصدق بأنها معجزة بلا تحد، فيرد ذلك على اشتراطهم اقتران المعجزة بالتحدي.
وقد يقال: إن مما جاء به الأنبياء عليهم السلام الإيمان بكرامات الأولياء، وأن الأولياء من كل أمة هم أخيار أتباع نبيها، فيعرف بذلك أن كل نبي فهو متحد بظهور الكرامة على أولياء أمته.
ومما تتبعته من قصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وسير السلف الصالحين من العلماء والأولياء من أمة محمَّد صلى الله عليه وسلم أننا لم نر معجزة لنبي تقدم قبل زمان نبينا صلى الله عليه وسلم إلا نرى مثلها أو قريبًا منها اتفق في كرامات أولياء هذه الأمة المحمدية.
وأرجو من كرم الله تعالى أن يوفقني لتأليف كتاب لطيف في تفاصيل ذلك.
(1) رواه القشيري في "الرسالة"(ص: 390).
واعلم أن من الأمور الخارقة ما يجري علي يدي من لم يكن تبلغ رتبته الولاية؛ إما لبلوغ أجله، وإما رحمة لضعفه، وإما لتوسله بذي كرامة كرامةً لذلك المتوسل به، وإما لاضطراره كخلاص حيوان منا جوع أو عطش، أو خطو هلاك أو منقطع في سفر يرزقه الله طعامًا، أو يسقيه عند خطر زهوق روحه ماء، أو يخلصه من عدو أو يشفيه من مرض.
فهذا وأمثاله لا يكون من باب الكرامة، والفرق بين الكرامة وبينه دقيق.
وفرق بينهما القشيري بأن الكرامة ما كان تخصيصًا من الله لعبد بنوع من أفضاله، وإفراداً له من بين أضرابه وإشكاله مما يدل على علو قدره وشرف حاله.
وعندي أن الفرق بينهما أن الكرامة خارق يظهر على من تمرن على أعمال البر واستقام على الخير كما قال الله تعالى في الحديت القدسي: "مَنْ عادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتهُ بِالحَربِ، وَما تَقَربَ إِلَيَّ عَبدِي بِشيء أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتهُ عَلَيْهِ، وَما يَزال عَبدي يتقرب إِليَّ بِالنوفل حَتَّى أحِبَهُ، فَإِذا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسمَعُ بِهِ، وَبصَرهُ الذي يبصر بهِ، وَيَدَه الَتِي يَبْطِشُ بِها، وَرِجْلَهُ التِي يَمشِي بِها، وإن سَأَلنِي لأعطِيَنهُ، وإن استعاذَ بِي لأُعِيذَنَّهُ، وَما تَرَددْتُ في (1) شيَءٍ أَنا فاعِلُهُ ترددي عن قَبْض نفسِ
(1) في "أ": "عن"، والمثبت من "ت".
الْمُؤْمِنِ؛ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنا أكرَهُ مَساءَتَهُ". رواه البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه (1).
وأخرجه الإِمام أحمد، والحكيم الترمذي، وأبو يعلى، والطبراني في "الأوسط"، وأبو نعيم في "الطب"، والبيهقي في "الزهد"، وابن عساكر من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"قالَ اللهُ عز وجل: مَنْ آذَى لِي وَلِيًّا فَقَدِ اسْتَحَل مُحارَبَتِي، وَما تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِمِثْلِ أَداءِ الفَرائِضِ، وَما يَزالُ العَبْدُ يتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ عَيْنَهُ الَّتِي يُبْصِرُ بِها، وَأُذنهُ الَّتِي يَسْمَعُ بِها، وَيدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِها، وَرِجْلَهُ التِي يَمْشِي بِها، وَفُؤادهُ الذِي يَعْقِلُ بِهِ، وَلِسانَهُ الَّذِي يتكلَّمُ بِهِ، إِنْ دَعانِي أَجَبْتُهُ، وَإِنْ سَأَلَنِي أَعْطَيْتُهُ، وَما تَرَددتُ عَنْ شَيْءٍ أَنا فاعِلُهُ تَرَدُّدِيَ عَنْ وَفاتِهِ"(2).
فهذا الحديث أعظم دليل على أن الله يكرم أولياءه بخوارق العادات، فهو أثبت دليل على إثبات الكرامة، ويدل على أن الكرامة لمن تمرن على أعمال الخير، بل فيه بيان معنى الكرامة، وأن حقيقتها أن يتعرف الولي بربه عز وجل.
(1) رواه البخاري (6137).
(2)
رواه الإِمام أحمد في "المسند"(6/ 256)، والطبراني في "المعجم الأوسط"(9352)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء"(1/ 5)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق"(37/ 277).
ولقد قلت: [من الكامل]
إِنَّ الوَليَّ بِرَبِّهِ يَتَعَرَّفُ
…
وَالكَوْنُ طَوعُ يَدَيهِ لا يَتَخَلَّفُ
لَكِنَّهُ فانٍ وَيبْقَى رَبُّه
…
يُجْرِي عَلَيهِ مَواهِباً لا تُوْصَفُ
وإذا درَى الرَّحْمَنَ مالِكَ أَمْرِهِ
…
لَمْ يَبْقَ مِنْهُ تَعَمُّلٌ وَتَكَلُّفُ
فَاللهُ أَوْلَى مِنْهُ في أَحْوالِه
…
بِأُمُورر وَبِهِ تَعالَى يَلْطُف
عِرْفانُهُ مِنْ عَرْفهِ يَبْدُ وَمَنْ
…
عَرَفَ الْمَعارِفَ بِالْمَكارِمِ يُعْرَفُ
لِوِلايَةِ الله الكَرِيْمِ سُمُوُّهُ
…
وَبِهِ عَلى كُلِّ الفَضائِلِ يَشْرُفُ
وَيصُونُ مَولاهُ اهْتَدى لِتَقَرُّبٍ
…
لا يَنْثَنِي عَنْهُ وَلا يَسْتَنْكِفُ
فَأَحَبَّهُ الْمَوْلَى وَكانَ فُؤادهُ
…
وَلِسانهُ فِيهِ يَقُولُ وُيعْرَفُ
وَبِهِ مَشى وَبِهِ تَصَرَّفَ باطِشًا
…
أَوْ سامِعًا أَوْ ناظراً يَسْتَشْرِفُ
مَنْ لِي بِمَنْ قامَ الإِلَهُ مَقامَهُ
…
ما مِنْ مَكانتِهِ أَعَزُّ وَأَشْرَفُ
والقسم الثاني: كرامة بمعنى حصول الاستقامة ودوام التوفيق إلى الطاعة.
قال الله تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13].
روى الترمذي، وغيره عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس يوم فتح مكة، فقال:"يا أيها الناسُ! إِنَّ اللهَ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبيَّةَ الْجاهِلِيةِ وَتَعاظُمَها بِآبائِها، فَالناسُ رَجُلانِ؛ بَرّ تَقِيٌّ كَرِيمٌ عَلى اللهِ، وَفاجِرٌ شَقِي هَيِّنٌ على الله، وَالنَّاسُ بَنُو آدَمَ، وَخَلَقَ اللهُ آدَمَ مِنْ تُرابٍ"(1).
قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات: 13].
وروى الإمام أحمد، وابن ماجه، والترمذي، والحاكم -وصححاه- عن سمرة رضي الله تعالى عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الْحَسَبُ الْمالُ،
(1) رواه الترمذي (3270) وضعفه.
وَالكَرَمُ التَّقْوى" (1).
فحقيقة الكرامة أن يكرم الله العبد بالتوفيق إلى تقواه، ثم إلى الاستقامة على طاعته.
قال الله تعالى: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (112) وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ} [هود: 112، 113].
قال القاضي ناصر الدين: والاستقامة شاملة للاستقامة في العقائد كالتوسط بين التشبيه والتعطيل بحيث يبقى العقل مصونًا عن الطرفين، والأعمال من تبليغ الوحي وبيان الشرائع كما أنزل، والقيام بوظائف العبادات من غير تفريط وإفراط مفوِّت للحقوق ونحوهما.
قال: وهي في غاية العسر، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام:"شَيَّبَتْنِي هُودٌ"(2)، انتهى (3).
قال الأستاذ أبو القاسم القشرِي: سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول: سمعت أبا علي الشبوي رحمه الله تعالى يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فقلت له: روي عنك أنك قلت: "شَيَّبَتْنِي هُودٌ"؛
(1) رواه الإِمام أحمد في "المسند"(5/ 10)، وابن ماجه (4219)، والترمذي (3271) وقال: حسن صحيح غريب، والحاكم في "المستدرك"(2690).
(2)
رواه الترمذي (3296) وضعفه، عن ابن عباس رضي الله عنه.
(3)
انظر: "تفسير البيضاوي"(3/ 266).
فما الذي شيبك من قصص الأنبياء عليهم السلام وهلاك الأمم؟
فقال: لا، ولكن قوله:{فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ} [هود: 112](1).
وروى ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن الحسن رحمه الله تعالى - مرسلاً - قال: لما نزلت هذه الآية: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ} [هود: 112] قال صلى الله عليه وسلم: "شَمِّرُوا"، وما رؤي ضاحكًا (2).
وروى الإِمام أحمد، وابن ماجه -بإسناد صحيح- والحاكم -وصححه- والبيهقي في "سننه" عن ثوبان رضي الله تعالى عنهما، والطبراني في "الكبير" عنه، وعن سلمة بن الأكوع رضي الله تعالى عنه قالوا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ خَيْرَ أَعْمالِكُمُ الصَّلاة، وَلَنْ يُحافِظَ عَلى الوُضُوءِ إِلَاّ مُؤْمِنٌ"(3).
وروى ابن ماجه عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه، والطبراني في "الكبير" عن عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اسْتَقِيمُوا وَنعِمَّا إِنِ اسْتَقَمْتُمْ، وَخَيْرُ أَعْمالِكُمُ الصَّلاةُ، وَلَنْ يُحافِظَ عَلى
(1) انظر: "الرسالة القشيرية"(ص: 241).
(2)
انظر: "الدر المنثور" للسيوطي (4/ 480).
(3)
رواه الإِمام أحمد في "المسند"(5/ 276)، وابن ماجه (277)، والحاكم في "المستدرك"(447)، والبيهقي في "السنن الكبرى"(1/ 82) عن ثوبان رضي الله تعالى عنه.
والطبراني في "المعجم الكبير"(1444) عن ثوبان، و (6270) عن سلمة ابن الأكوع رضي الله عنه.
الوُضُوءِ إِلَاّ مُؤْمِنٌ" (1).
وروى الطبراني في "الكبير" عن ربيعة الجرشي رضي الله تعالى عنه -واختلف في صحبته- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "اسْتَقِيمُوا وَنعِمَّا إِنِ اسْتَقَمْتُمْ، وَحافِظُوا عَلى الوُضُوءِ؛ فَإِنَّ خَيرَ أَعْمالِكُمُ الصَّلاة، وَتَحَفَّظُوا مِنَ الأَرْضِ؛ فَإِنَّها أُمُّكُمْ، وإنَّهُ لَيسَ أَحَدٌ عامِلاً عَليها خَيراً أَوْ شَرًّا إِلَاّ وَهِيَ مُخْبَرَةٌ"(2).
وقوله صلى الله عليه وسلم: "وَنعِمَّا إِنِ اسْتَقَمْتُمْ"؛ فيه إشارة إلى شرف مقام الاستقامة وعزته، وعزة من يقوم به كما قال في الحديث السابق:"اسْتَقِيموا وَلَن تُحْصُوا"؛ أي: لن تطيقوا الإحصاء والاستقصاء في الاستقامة، بل استقيموا بقدر الطاقة.
وقوله: "وَنعِمَّا"؛ أي: نعم القوم أنتم "إِنِ اسْتَقَمْتُمْ"؛ فأهل الاستقامة هم خيار عباد الله.
وقوله تعالى: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ} [هود: 112] فيه دليل على أن العبد لو ابتدع طريقًا في العبادة ثم استقام عليه، فليس شيء حتى تكون العبادة والاستقامة عليها موافقة لما أمر الله تعالى به، وهو كذلك، وما سواه طغيان، ولذلك قال:{وَلَا تَطْغَوْا} [هود: 112]؛ أي:
(1) رواه ابن ماجه (279). وفي سنده أبو حفص الدمشقي، ضعيف.
(2)
رواه الطبراني في "المعجم الكبير"(4596). قال الهيثمي في "مجمع الزوائد"(1/ 241): وفيه ابن لهيعة، وهو ضعيف.
بأن تكون استقامتكم على خلاف ما أمرتم، وهو موافق لبطر النعمة والظلم المفسر بهما الطغيان في الآية:{وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا} [هود: 113] بأن تودوهم، أو توالوهم، أو تطيعوهم ليكونوا أولياءكم وأنصاركم، فتنعكس آمالكم فيهم؛ {فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ} [هود: 113] لا هم ولا غيرهم، {ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ} [هود: 113] آخرًا، بخلاف ما لو أعرضتم عنهم وعن الاعتماد على غير الله تعالى، واكتفيتم به، وأقبلتم على طاعته، واستقمتم كما أمرتم؛ فإن الله يتولاكم، ويأمر الملائكة بتوليكم كما قال الله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} [فصلت: 30، 31].
فأهل الاستقامة يتولاهم الله، ويولي الملائكة توليهم بالحفظ والمعونة والإلمام بالخير، وفي الآخرة بالسلام، وبالبشارة والمودة، والهيبة وغير ذلك.
وقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا} [فصلت: 30]؛ قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: على شهادة لا إله إلا الله. رواه البيهقي في "الأسماء والصفات"(1).
وروى الترمذي، والنسائي، وآخرون عن ابن عباس رضي الله
(1) رواه البيهقي في "الأسماء والصفات"(1/ 218).
تعالى عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا} [فصلت: 30] قال: "قَدْ قالَها النَّاسُ ثُمَّ كَفَرَ أكثَرُهُمْ؛ فَمَنْ ماتَ عَلَيْها فَهُوَ مِمَّنِ اسْتَقامَ"(1).
وفي رواية: "فَمَنْ قالَها حَتَّى يَمُوتَ فَهُوَ مِمَّنِ اسْتَقامَ عَلَيها"(2).
وهذه الرواية تدل على أن الاستقامة الاستقرار على كلمة التوحيد إلى الممات.
والأول يدل على أن الاستقامة القيام بها عند الموت، ويدل عليه حديث معاذ رضي الله تعالى عنه:"مَنْ كانَ آخِرَ كَلامِهِ لا إِلَهَ إِلَاّ اللهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ"(3).
لكن لا يخفى أن هذه الاستقامة -وإن كانت كرامة عظيمة في نفسها- فليست كتلك الاستقامة.
وروى السهروردي في "عوارفه" عن عبد الرحمن بن زيد: أن عيسى ابن مريم عليهما السلام قال: ربّ! أنبئني عن هذه الأمة المرحومة.
قال: أمة محمَّد صلى الله عليه وسلم هم علماء أخفياء، حكماء كأنهم أنبياء، يرضون مني بالقليل من العطاء، فأرضى منهم باليسير من العمل، وأدخلهم الجنة
(1) رواه الترمذي (3250) وقال: حسن غريب، والنسائي في "السنن الكبرى"(1147).
(2)
رواه أبو يعلى في "المسند"(3495).
(3)
تقدم تخريجه.
بلا إله إلا الله.
يا عيسى! هم أكثر سكان الجنة لأنها لم تَذِلَّ ألسن قوم قط بلا إله إلا الله كما ذَلت ألسنتهم، ولم تَذِلَ رقاب قوم قط بالسجود كما ذَلَّت رقابهم.
وهذه صفة أهل الخصوص من هذه الأمة، وأما عوامهم ففي ظلهم، ولذلك كانت أمة مرحومة؛ يرحم الله مسيئهم بمحسنهم، فأهل الخصوص هم المستقيمون على كلمة التوحيد وإقامة الصلاة، وسائر الأعمال متابعة لهذين العملين الكريمين لأن الله تعالى يقول:{إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} [العنكبوت: 45].
ويقول: {وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ} [العنكبوت: 45](1).
وقال أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا} [فصلت: 30]: الاستقامة أن لا تشركوا بالله شيئًا (2).
وقال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه في الآية: استقاموا بطاعته. رواه الإِمام عبد الله بن المبارك، وسعيد بن منصور، وعبد بن
(1) ورواه ابن عساكر في "تاريخ دمشق"(47/ 382).
(2)
رواه ابن المبارك في "الزهد"(1/ 110)، وكذا الطبري في "التفسير"(24/ 114).
حميد، والحكيم الترمذي، وابن المنذر (1).
ويدخل في كلامهما الاستقامة على الإخلاص، والتنزه عن الرياء، ولا يتم مقام الاستقامة عليه إلا بذلك.
وروى الأصبهاني في "الترغيب" عن يحيى بن معاذ الرازي رحمه الله تعالى: أنه سئل عن هذه الآية: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا} [فصلت: 30]، فقال: استقاموا عليه فعلًا كما أقروا به قولًا.
قال يحيى: كونوا عباد الله بأفعالكم كما زعمتم أنكم عبيد الله بأقوالكم (2).
وهذا التفسير في غاية الحسن.
وعلى وزان الآية ما رواه الإِمام أحمد، والدارمي، والبخاري في "تاريخه"، ومسلم، والترمذي -وصححه- والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان عن سفيان الثقفي رحمه الله تعالى قال: إن رجلًا قال: يا رسول الله! مرني بأمر في الإِسلام لا أسأل عنه أحدًا بعدك.
قال: "قُلْ: آمَنْتُ بِاللهِ، ثُمَّ اسْتَقِمْ".
قلت: فما أتقي؟ فأومأ إلى لسانه.
(1) رواه ابن المبارك في "الزهد"(1/ 110)، والحكيم الترمذي في "نوادر الأصول" (ص: 231)، وكذا الإِمام أحمد في "الزهد" (ص: 115)، والطبري في "التفسير"(24/ 115).
(2)
انظر: "التذكرة في الوعظ" لابن الجوزي (ص: 96).
ولفظ الترمذي: قلت: يا رسول الله! حدثني بأمر أعتصم به.
قال: "قُلْ: ربي اللهُ، ثُمَّ اسْتَقِمْ".
قال: قلت: يا رسول الله! ما أخوف ما تخاف علي؟ فأخذ بلسان نفسه، وقال:"هَذا"(1).
في هذه الإشارة إلى اللسان: أن أهم شيء يستقيم فيه العبد حفظ لسانه على أن يقول الخير، أو يصمت.
وقد روى الترمذي، وغيره عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إِذا أَصْبَحَ ابْنُ آدَمَ فَإِن الأَعْضاءَ تكفرُ اللسانَ؛ فتقولُ: اتَّقِ الله فِينا؛ فَإنَّا نحنُ بِكَ، فَإنِ اسْتَقَمْتَ اسْتَقَمْنا، وَإِنِ اعْوَجَجْتَ اعْوَجَجْنا".
وأشار الترمذي إلى تصحيحه موقوفًا على أبي سعيد (2).
ومن هنا سئل بعض العارفين عن الكرامة، فقال: هي حصول الاستقامة.
وقال القشيري: واعلم أن الاستقامة توجب إمامة الكرامة.
قال الله تعالى: {وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا} [الجن: 16].
قال: لم يقل: سقيناهم، بل قال: أسقيناهم؛ يقال: أسقيته؛ أي:
(1) تقدم تخريجه.
(2)
تقدم تخريجه.
جعلت له سقياً، فهو يشير إلى الدوام، انتهى.
وقال أبو علي الجوزجاني: بن صاحب الاستقامة لا طالب الكرامة؛ فإن نفسك متحركة في طلب الكرامة، وربك يطالبك بالاستقامة (1).
قال الشيخ شهاب الدين السهروردي في "العوارف" بعد أن حكى كلام الجوزجاني: وهذا الذي ذكرته أصل كبير في الباب، وسر غفل عن حقيقته كثير من أهل السلوك والطلب، وذلك أن المجتهدين، والمتعبدين يسمعون بسير الصالحين والمتقدمين، وما منحوا به من الكرامات وخوارق العادات، فأبداً نفوسُهم لا تزال تتطلع إلى شيء من ذلك، ويحبون أن يرزقوا شيئًا من ذلك، ولعل أحدهم يبقى منكسر القلب متهمًا لنفسه في صحة عمله حيث لم يكاشف بشيء من ذلك، ولو علموا سر ذلك لهان عليهم الأمر فيه.
فليعلم أن الله سبحانه قد يفتح على بعض المجتهدين الصادقين من ذلك بابًا والحكمة فيه أن (2) يزداد بما يرى من خوارق العادات وآثار القدرة يقينا، فيقوى عزمه على الزهد في الدنيا، والخروج من دواعي الهوى.
وقد يكون بعض عباده يكاشف بصرف اليقين، ويرفع عن قلبه الحجاب، ومن كوشف بصرف اليقين أغنى بذلك عن رؤية خوارق
(1) انظر: " الرسالة القشيرية"(ص: 240).
(2)
في "أ" و "ت": "من الحكمة فيه".
العادات لأن المراد منها كان حصول اليقين، وقد حصل اليقين، فلو كوشف المرزوق صرف اليقين بشيء من ذلك لازداد يقينًا، فلا تقتضى الحكمة كشف القدرة بخوارق العادات لهذا الموضع استغناء به، وتقتضى الحكمة كشف ذلك للآخر لموضع حاجته؛ فكان هذا الثاني يكون أتم استعدادًا وأهلية من الأول حيث أغنى عن رؤية شيء من ذلك، فسئل الصادق مطالبة النفس بالاستقامة، فهي كل الكرامة، ثم إذا وقع في طريقه شيء من ذلك جاز وحسن، وإن لم يقع فما يبالي ولا ينقص بذلك، وإنما ينقص بالإخلال بواجب من الاستقامة.
قلت: وهذا الذي ذكره السهروردي هو أحد الأسباب في قلة ظهور الخوارق على الصحابة وأهل الصدر الأول، وأخذها من قرب عهدهم بالوحي ومشاهدة المعجزات، فاستغنوا بذلك عن كثرة ظهور الخوارق فيهم.
وأما السبب في قلة الخوارق الآن في هذه الأعصار المتأخرة فاختفاء أولياء الله تعالى لظلمة الوقت، وكثرة المكذبين والمؤولين لما يشاهدونه من الأولياء في الأسرار والخوارق، والمنكرين، وقلة الطالبين للخير وأهله، ولو حصل طالب صادق لوجد؛ فإن وجدان الأدب من شرط صحة الطلب؛ فافهم!
وفي المعنى قول ابن حبيب الصفدي رحمه الله تعالى: [من البسيط]
وَكُلُّ وَقْتٍ لَهُ أَهْلٌ يَلِيقُ بِهِ
…
وَبَعْدَهُ مِنْهُ شَرٌّ بِالنُّصوصاتِ
يَكْفِي زَمانٌ يُرى ما لَمْ يَأْتِ فِيهِ نبِيْ
…
وَالأَوْلِياءُ اخْتَفَوْا وَعْظًا لِيَقَظَاتِ
قال الشيخ أبو العباس بن عطاء الله الإسكندري رحمه الله تعالى: سئل بعض العارفين عن أولياء العدد ينقصون في زمن، فقال: لو نقص منهم واحد ما أرسلت السماء قطرها، ولا أبرزت الأرض نباتها، وفساد الوقت لا يكون بذهاب أعدادهم ولا بنقص أمدادهم، ولكن إذا فسد الوقت كان مراد الله سبحانه وقوع اختفائهم مع وجود بقائهم، فإن كان أهل الزمان معرضين عن الله، مؤثرين لما سوى الله، لا تنجع فيهم الموعظة، ولا تميلهم إلى الله التذكرة، لم يكن أهلاً لظهور الأولياء فيه.
وذكر القشيري عن سهل بن عبد الله رحمه الله تعالى: أكبر الكرامات أن تبدل خُلُقًا مذموماً من أخلاق نفسك بخُلُق محمود (1).
قلت: والحكمة فيه أن حقيقة الكرامة خرق العادة، وإذا كان خُلق العبد سيئاً فبدله الله حسنًا، فقد خرق له هذه العادة لأن الانتقال عن الطبع لا قدرة للعبد عليه إلا أن ينقله الله تعالى عنه، فإذا تيسر للعبد أن ينتقل من خلق سيئ إلى خلق حسن فقد أكرمه بأعظم الكرامات.
وفي معنى كلام سهل ما رواه ابن عساكر عن الأصمعي قال: قال لنا يونس: كتب عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى إلى محمَّد بن كعب
(1) انظر: "الرسالة القشيرية"(ص: 390).
القرظي رحمه الله تعالى، فكتب إليه: إن ابن آدم مطبوع على أخلاق شتى؛ كَيْسٌ وحمق، وجراءة وجبن، وحلم وجهل؛ فداو بعض ما فيك ببعض، وإذا صحبت فاصحب من كان ذا نية في الخير يعينك على نفسك، ويكفيك مؤونة الناس، ولا تصحب من الناس من خطرك عنده على قدر حاجتك إليك، فإذا انقطعت انقطعت أسباب مودتك من قلبه، وإذا غرست غرساً من المعروف فلا يضيق ذرعك أن تربيه (1).
وروى أبو عبد الرحمن السلمي في "طبقاته" عن محمَّد بن عليان النسوي قال: آيات الأولياء وكرامتهم رضاهُم بما يسخط العوام عن مجاري المقدور (2).
قلت: وإنما رجع ابن عليان معنى الآيات والكرامات إلى الرضا؛ لأن الحكمة في الكرامة زيادة الإيمان وتقوى اليقين، فإذا رضي العبد بمجاري أقدار الله تعالى فقد تحقق بالإيمان المطلوب بالكرامة.
وقد روى الإِمام أحمد، ومسلم، والترمذي عن العباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ذاقَ طَعْمَ الإِيْمانِ مَنْ رَضِيَ بِاللهِ رَبًّا، وَبِالإِسْلامِ دِينا، وَبِمُحَمدٍ صلى الله عليه وسلم رَسُولًا"(3).
(1) رواه ابن عساكر في "تاريخ دمشق"(55/ 147).
(2)
رواه السلمي في "طبقات الصوفية"(ص: 315).
(3)
تقدم تخريجه.