الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
روى أبو الفرج بن الجوزي في "صفة الصفوة" عن أبي مسلم الخولاني رحمه الله تعالى قال: ما طلبت شيئًا من الدنيا قط فولى لي؛ حتى لقد ركبت مرة حمارًا فلم يمش، فنزلت عنه، وركبه غيري فعدا.
قال: فرأيت في منامي كأن قائلًا يقول لي: لا يحزنك ما زوي عنك من الدنيا، وإنما يفعل ذلك بأوليائه وأحبائه وأهل طاعته.
قال: فسري عني (1).
قلت: ما تشهيت قط شهوة من شهوات الدنيا، ثم طلبتها إلا تعسرت علي، أو حصلت وتنغَّصتُ فيها بمنغص ما، وأنا أحمد الله على ذلك، وهذا أمر تكرر لي من أكثر من خمس وعشرين سنة، وإلى الآن.
*
تَنبِيهٌ:
من معارف الولاية تمني الموت شوقًا إلى لقاء الله تعالى، لا فراراً من ضرر دنيوي يمسه.
ومن ثم كذب الله تعالى اليهود في دعواهم ولايته بما امتحنهم من الأمر بتمني الموت؛ قال الله تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (6) وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} [الجمعة: 6، 7].
قال أبو عبيد الله القرطبي في تفسير الآية: لما ادعت اليهود الفضيلة، وقالوا:{نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} [المائدة: 18] قال الله تعالى: {إِنْ زَعَمْتُمْ
(1) رواه ابن الجوزي في "صفة الصفوة"(4/ 212).
أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ} [الجمعة: 6]؛ فللأولياء عند الله الكرامة، {فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ} [الجمعة: 6] لتصيروا إلى ما يصير إليه أولياء الله، {وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ}؛ أي: أسلفوه من تكذيب محمَّد صلى الله عليه وسلم، فلو تمنوه لماتوا، فكان في ذلك بطلان قولهم وما ادعوه من الولاية، انتهى (1).
ولما تحقق يوسف عليه السلام بولاية الله تعالى له تمنى الموت شوقاً إلى لقاء الله تعالى.
قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في الآية: اشتاق إلى لقاء الله، وأحب أن يلحق به وبآبائه، فدعا الله أن يتوفاه وأن يلحقه بهم.
قال ابن عباس: ولم يسأل نبي قط الموت غير يوسف عليه السلام.
قال ابن جريج: وأنا أقول: في بعض القرآن -أي: في بعض الكتب-: من الأنبياء من قال: توفني. رواه ابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ عن ابن جريج عن ابن عباس (2).
(1) انظر: "تفسير القرطبي"(18/ 96).
(2)
رواه الطبري في "التفسير"(13/ 73)، وانظر:"الدر المنثور" للسيوطي (4/ 591).
قال القشيري: سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق يقول: من علامات الشوق تمني الموت على بساط العوافي كيوسف عليه السلام لما ألقي في الجب لم يقل: توفني، ولما دخل السجن لم يقل: توفني، ولما دخل عليه أبوه وخر الإخوة له سجدًا، وتم له الملك والنعم، قال:{تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} [يوسف: 101].
قال: وفي معناه أنشد بعضهم: [من الخفيف]
نَحْنُ في أكمَلِ السُّرورِ وَلَكِنْ
…
لَيسَ إِلَاّ بِكُمْ يَتِمُّ السُّرورُ
عَيبُ ما نَحْنُ فِيهِ يا أَهْلَ وِدِّي
…
أَنَّكمْ غُيَّبٌ وَنَحْنُ حُضورُ (1)
قال: وفي معناه أنشدوا: [من مجزوء الكامل المرفل]
مَنْ سَرَّهُ العِيدُ الْجَدِيـ
…
ـدُ فَقَدْ عَدِمْت بِهِ السّرورا (2)
كانَ السُّرورُ يَتِمُّ لِي
…
لَوْ كانَ أَحْبابِي حُضُورا (3)(4)
(1) انظر: "تفسير القشيري"(2/ 172).
(2)
في "أ": "السرور".
(3)
في "أ": "حضور".
(4)
انظر: "الرسالة القشيرية"(ص: 359) دون البيتين الأولين.
قلت: وصبَرَ يوسف عليه السلام على البلاء ولم يتمنَّ فيه الموت، إنما تمناه حين توفرت له النعم موافق لقوله صلى الله عليه وسلم:"لا يتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الموتَ لضُرٍّ نزلَ بِهِ، فَإِنْ كانَ لا بُدَّ فَلْيقُلْ: اللهُمَّ أَحْيِني ما كانَتِ الحَياةُ خَيرًا لِي، وَأَمِتْنِي إِذا كانَ الْمَوْتُ خَيراً لِي". رواه الشيخان من حديث أنس رضي الله تعالى عنه (1).
وفي هذا الحديث، وحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم:"لا يتَمَنَّى أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ؛ إِمَّا مُحْسِناً فَلَعَلَّهُ يَزْدادُ، وَإِمَّا مُسِيئاً فَلَعَلَّهُ يَسْتَعْتِبُ". رواه البخاري وغيرَه (2)؛ إرشادٌ إلى ما هو الأولى والأفضل، وهو ترك تمني الموت، وكلة الأمر فيه إلى الله تعالى، واختيار ما اختار الله تعالى.
ولقد رد الله تعالى يوسف عليه السلام إلى مراده؛ فروى ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن أبي الأخنس (3) قال: لما قال يوسف عليه السلام: {رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ} إلى قوله: {تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} [يوسف: 101] شكر الله تعالى له ذلك، فزاد في عمره
(1) رواه البخاري (5990)، ومسلم (2680).
(2)
رواه البخاري (5349). وفي "أ": "رواه وغيره البخاري".
(3)
في "الدر المنثور": "عن الأعمش"، وفي "تفسير ابن أبي حاتم":"عن أبي الأعيس".
ثمانين عامًا (1).
ثم تمني الموت إن كان شوقا إلى الله تعالى وإلى ما عنده، فهو حسن، وأولى منه ترك الاختيار.
وإن كان لضر مسه، أو يخاف أن يمسه فهو مكروه، وإن كان خوفا من الفتنة في الدين فهو أحسن أيضًا.
وأما كراهية الموت فهو في طبع كل إنسان، وأما المكروه المذموم كراهية لقاء الله؛ لأنها تدل على الوحشة بينه وبين الله تعالى بالمعصية واليأس من رحمته.
ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: "مَنْ كَرِهَ لِقاءَ اللهِ كَرِهَ اللهُ لِقاءَه"(2).
وهذا هو الذي كان سببًا في امتناع اليهود من الموت.
وإن كان الموت لازما لكل إنسان لم يبق للمؤمن إلا الرضا به -وإن كان قد أوحش ما بينه وبين الله تعالى بالمعصية- ثم يتمسك بالانكسار والافتقار، وحسن الظن بالكريم الغفار.
وأما الكافر والمنافق فلا ينفعه الرضا إلا لو آمن، وإذا آمن فقد أفلح، وإلا هلك قطعًا.
ومن ثم قال الله تعالى لليهود حين علم أنهم لا يتمنون الموت وأخبر
(1) رواه ابن أبي حاتم في "التفسير"(7/ 2203)، وانظر:"الدر المنثور" للسيوطي (4/ 591).
(2)
رواه البخاري (6142)، ومسلم (2683) عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه.
به؛ قال: {إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [الجمعة: 8].
قال قتادة وقد تلا هذه الآية: إن الله أذل ابن آدم بالموت.
قال معمر عن قتادة: لا أعلمه إلا رفعه. رواه عبد الرزاق (1).
وإذلال ابن آدم بالموت مختلف؛ فإن كان مؤمنا فإذلاله في الدنيا بالنسبة إلى ما يراه منها، لا بالنسبة إلى حاله في البرزخ، وفيما عند الله تعالى؛ فإنه إعزاز وراحة.
روى الإِمام عبد الله بن المبارك، والطبراني في "الكبير"، والحاكم في "المستدرك"، وأبو نعيم، والبيهقي في "الشعب" عن عبد الله بن عمرو، وله عن جابر رضي الله تعالى عنهم قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تُحْفَةُ الْمُؤْمِنِ المْوْتُ"(2).
وروى الديلمي عن الحسين بن علي رضي الله تعالى عنهما قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الْمَوْتُ رَيْحانُ المؤْمِنِ"(3).
وفي كتاب الله تعالى: {فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (83) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (84) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (85) فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (86) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (87) فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (88) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ
(1) رواه عبد الرزاق في "التفسير"(3/ 291).
(2)
تقدم تخريجه.
(3)
رواه الديلمي في "مسند الفردوس"(6718).
نَعِيمٍ (89) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (90) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (91) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (92) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (93) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ} [الواقعة: 83 - 94].
قال الربيع بن خُثيم رحمه الله تعالى في قوله: {فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (88) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ} [الواقعة: 88، 89] قال: هذا عند الموت، تخبأ له الجنة يوم البعث.
{وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (92) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ} [الواقعة: 92، 93] قال: هذا عند الموت.
{وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ} [الواقعة: 94]؛ قال: تخبأ له الجحيم إلى يوم يبعث. رواه ابن أبي شيبة، والإمام أحمد في "الزهد"، وعبد بن حميد، وابن المنذر (1).
وفي "موطأ الإِمام مالك"، و "مسند الإِمام أحمد"، و"صحيحي البخاري ومسلم"، و"سنن النسائي" عن أبي قتادة رضي الله تعالى عنه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ مرت جنازة، فقال:"مُسْتَرِيحٌ وَمُسْتَراحٌ مِنْهُ".
فقلنا: يا رسول الله! ما المستريح؟ وما المستراح منه؟
فقال: "العَبْدُ الْمُؤْمِنُ يَسْتَرِيحُ مِنْ نصَبِ الدُّنْيا وَأَذاها إلَى رَحْمَةِ اللهِ تَعالَى، وَالعَبْدُ الفاجِرُ يَسْتَرِيحُ مِنْهُ العِبادُ وَالبِلادُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوابُّ"(2).
***
(1) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف"(34862)، والطبري في "التفسير"(27/ 212).
(2)
تقدم تخريجه.