الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فقالت: وما يمنعني وقد أهدي رأس يحيى بن زكريا عليهما السلام إلى بَغِيٍّ من بغايا بني إسرائيل (1)!
*
فائِدَةٌ سابِعَةٌ وَثلاثونَ:
الصالح إذا زل زلة ينبغي أن يُتجافى عنها ولا تعدَّ عليه، بل ينبغي الاعتراف بفضله، والتنبيه على زلته لتحذر.
ويدل على ذلك: ما رواه الشيخان، وغيرهما عن عائشة رضي الله تعالى عنها في حديث الإفك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام على المنبر، فاستعذر من عبد الله بن أبي ابن سلول، فقال وهو على المنبر:"يا مَعْشَرَ الْمُسْلِمينَ! مَنْ يَعْذرُنِي مِنْ رَجُلٍ قَدْ بَلَغَ أَذاهُ فِي أَهْلِ بَيْتِي؛ فَوَ اللهِ ما عَلِمْتُ عَلى أَهْلِي إِلَاّ خَيراً، وَلَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلاً ما عَلِمْتُ عَلَيهِ إِلَاّ خَيراً، وَما كانَ يَدْخُلُ على أَهْلِي إِلَاّ مَعِي".
فقام سعد بن معاذ الأنصاري رضي الله عنه فقال: أعذرك منه يا رسول الله؛ إن كان من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك.
قالت: فقام سعد بن عبادة - وهو سيد الخزرج رضي الله عنه، وكان رجلاً صالحاً، ولكن اجتهلته الحمية - فقال لسعد بن معاذ: لَعمرو الله لا تقتلنه، ولا تقدر على قتله.
فقام أسيد بن حضير - وهو ابن عم سعد بن معاذ - فقال لسعد بن
(1) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف"(6/ 202).
عبادة: كذبت؛ لعمرو الله لنقتلنه؛ فإنك منافق تجادل عن المنافقين.
فثار الْحَيَّان الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم على المنبر، فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخفضهم حتى سكتوا وسكت (1).
فقول عائشة رضي الله تعالى عنها في سعد بن عبادة: رجلاً صالحاً؛ اعترافٌ بصلاحه، ولم يمنعها الغضب لنفسها من الاعتراف بالحق.
قالت: ولكن اجتهلته الحمية؛ أي: حملته على الجهل.
وفي رواية البخاري: احتملته؛ وهي راجعة إلى معنى تلك الرواية. فهذه الزلة من سعد بن عبادة لا تخرجه عن صفة الصلاح، على أن له فيها عذراً من حيث إنه إنما حصلت منه هذه الحمية حين لم يتبين للناس الحق، ولا تحققوا براءة عائشة رضي الله تعالى عنها، فلما نزل القرآن ببراءتها سلموا وآمنوا حتى أصحاب الإفك، إلا ما كان من عبد الله بن أبي؛ فإنه مات منافقاً.
وأيضاً لم يكن يومئذ حد القاذف القتل، فاستجازة سعد بن معاذ لقتل المتولي ذلك الأمر اجتهاد، واعتراض سعد بن عبادة له اجتهاد، ومثل ذلك لا يخرج العبد عن كونه صالحاً، ولذلك لم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم على أحد منهما.
(1) رواه البخاري (2518)، ومسلم (2770).