الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الغريب في زمانه الذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بَدَأَ الإِسْلامُ غَرِيبًا (1) "(2).
*
فائِدَةٌ خامِسَةٌ وتسعونَ:
روى أبو نعيم عن الحسن البصري رحمه الله تعالى أنه تلا: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ} [الفجر: 27]، وقال: النفس المؤمنة اطمأنت إلى الله تعالى واطمأن إليها، وأحبت لقاء الله وأحب الله لقاءها، ورضيت عن الله ورضي الله عنها، فأمر بقبض روحها، فغفر لها، وأدخلها الجنة، وجعلها من عباده الصالحين (3).
قلت: فيه إشارة إلى أن العبد قد لا يكون من الصالحين فيما يظهر من حاله، فإذا اطمأن إلى الله عند الموت، ورضي عنه، وأحب لقاءه، كتب بهذه الأخلاق من الصالحين.
وكذلك كل عمل صالح أتى به قبل غرغرته بالروح خصوصاً كلمة الشهادة لقوله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ كانَ آخِرُ كَلامِهِ لا إِلَهَ إِلَاّ اللهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ"(4).
والحكمة في ذلك أن هذه حسنة لا سيئة بعدها أصلًا، فكفرت ما سبق.
(1) رواه مسلم (145) عن أبي هريرة رضي الله عنه.
(2)
رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء"(10/ 190).
(3)
رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء"(6/ 300)، وذكره البخاري في "صحيحه"(4/ 1887) معلقًا.
(4)
رواه أبو داود (3116).
وقد قال قاسم الجوعي رحمه الله تعالى: من أصلح فيما بقي من عمره غفر له ما مضى وما بقي، ومن أفسد فيما بقي من عمره أخذ بما مضى وما بقي. رواه ابن جهضم (1).
بل في معناه ما رواه ابن عساكر عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ أَحْسَنَ فِيما بَقِيَ غُفِرَ لَهُ ما مَضَى، وَمَنْ أَساءَ فِيما بَقِيَ أُخِذَ بِما مَضَى وَما بَقِيَ"(2).
ولعل المراد بقوله: "وَمَنْ أسَاء الإساءة المحبطة للأعمال كالكفر، والنفاق، والرياء، والقتل، ثم يُصِرُّ على ذلك إلى الموت.
وروى أبو داود عن أبي الدرداء، وعبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يَزالُ الْمُؤْمِنُ مُعْنِقاً صالِحاً ما لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرامًا، فَإِذا أَصابَ دماً حَرامًا بَلَّحَ"(3).
وقوله "معنقا"؛ أي: مسرعًا في الخير.
وقوله: "صالحًا"؛ أي: يرجى له الخير وفيه قابلية.
وقوله: "بَلَّح"؛ أي: أعيا؛ والمعنى: انقطع به.
(1) ورواه ابن عساكر في "تاريخ دمشق"(49/ 123).
(2)
رواه ابن عساكر في "تاريخ دمشق"(65/ 374)، وكذا الطبراني في "المعجم "الأوسط" (6806). وحسن المنذري إسناد الطبراني في "الترغيب والترهيب" (4/ 53).
(3)
رواه أبو داود (4270).
ومعنى الحديث: أن العبد يرجى له الخير والنجاة ما لم يقتل النفس التي حرم الله قتلها (1) إلا بالحق، فيكون إلى فساد حاله أقرب منه إلى صلاح شأنه.
وفي معناه قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يَزالُ العَبْدُ في فُسْحَةٍ مِنْ دِينهِ ما لَمْ يُصِبْ دماً حَرامًا". رواه الإِمام أحمد، والبخاري من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما (2).
وروى الديلمي عن معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يَزالُ قَلبُ العَبْدِ يَقْبَلُ الرَّغْبَةَ وَالرَّهْبَةَ حَتَّى يَسْفِكَ الدَّمَ الْحَرامَ، فَإِذا سَفَكَهُ نُكِسَ قَلْبُهُ، فَعادَ كَأَنَّهُ كِيرٌ مُجْخٍ أَسْوَدُ مِنَ الرَّيْبِ، لا يَعْرِفُ مَعْروفًا وَلا يُنْكِرُ مُنْكرًا"(3).
وروى سعيد بن منصور، والبيهقي في "الشعب" عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: لا يزال الرجل في فسحة من دينه ما نقيت كفه من الدم، فإذا غمست يده في الدم الحرام نزع حياؤه (4).
وروى البيهقي عن محمَّد بن عجلان قال: كنت بالإسكندرية، فحضرت رجلًا الوفاةُ، لم نر من خلق الله أحدًا كان أخشى لله منه، فكنا
(1)"قتلها" ليست في "أ".
(2)
رواه الإِمام أحمد في "المسند"(2/ 94)، والبخاري (6469).
(3)
رواه الديلمي في "مسند الفردوس"(7582).
(4)
رواه البيهقي في "شعب الإيمان"(5327)، وكذا ابن أبي شيبة في "المصنف"(27740).
نلقنه، فيقبل كل ما لقَّناه من سبحان الله، والحمد لله، فإذا جاءت: لا الله إلا الله أبى، فقلنا له: ما رأينا من خلق الله أحدًا كان أخشى لله منك، فنلقنك فتلقن، حتى إذا جاءت: لا الله إلا الله أبيت؟
قال: إنه حيل بيني وبينها؟ قتلت نفسًا في شبيبتي (1).
وروى عبد الرزاق، والبيهقي عن جندب البجلي رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنِ اسْتَطاعَ مِنْكُمْ أَنْ لا يَحُولَ بَينَهُ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ مِلْءُ كَفٍّ مِنْ دَمِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ أَنْ يُهْرِقَهُ؛ كُلَّما تَعَرَّضَ لِبابٍ مِنْ أَبوابِ الْجَنَّةِ حالَ بَينَهُ وَبَينَهُ"(2).
وروى الإِمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "خمس لَيسَ لَهُنَّ كَفارةٌ: الشِّرْكُ باللهِ، وَقَتْلُ النفسِ بِغَيْرٍ حَقٍّ، وَبهتُ مُؤْمِنٍ، وَالفِرارُ مِنَ الزَّحْفِ، وَيمِينٌ صابِرَة يَقْتَطِعُ بِها مالًا بِغَيرِ حَق"(3).
والإساءة المحبطة للأعمال ارتكاب كبيرة والإصرار عليها إلى الممات، وبذلك يخرج العبد من عداد الصالحين في الدنيا والآخرة.
ومن اللطائف: ما رواه أبو نعيم عن أبي أحمد يحيى بن الحسين
(1) رواه البيهقي في "شعب الإيمان"(5362).
(2)
رواه البيهقي في "شعب الإيمان"(5350) وقال: الصحيح موقوف، وأصل الحديث في البخاري (6733).
(3)
رواه الإمام أحمد في "المسند"(2/ 361). قال الهيثمي في "مجمع الزوائد"(1/ 103): فيه بقية، وهو مدلس، وقد عنعنه.