الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
*
فائِمَةٌ تاسِعَةَ عَشْرَةَ:
روى الإِمام أحمد في "الزهد"، وابن أبي شيبة عن عبد الله بن مرة رحمه الله: أنَّ رجلًا قال لأبي الدرداء رضي الله عنه: أوصني، قال: اعبد الله كأنك تراه، واعدد نفسك في الموتى، وإياك ودعوة المظلوم، واعلم أن قليلاً يكفيك، خير من كثير يلهيك، واعلم أنَّ البر لا يبلى، والإثم لا ينسى (1).
وإنما كان البر لا يبلى؛ لأنه صار عند الله تعالى، وقد قال تعالى:{مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ} [النحل: 96].
*
فائِدَةٌ مُتَمِّمَةُ الْعِشْرِيْنَ:
روى ابن أبي شيبة عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: ما من نفسٍ برَّةٍ، ولا فاجرةٍ إلا وأنَّ الموت خيرٌ لها من الحياة؛ لئن كان براً لقد قال الله تعالى:{وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ} [آل عمران: 198]، ولئن كان فاجراً لقد قال الله تعالى:{وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ} [آل عمران: 178](2).
قلت: ولعل محل هذا فيما لو خشي البر على نفسه بالحياة، أو خشي عليه تغير الحال، أو خِيفَ على الفاجر الاسترسال في الفجور فيعظم عقابه، وإلا فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خَيْرُ النَّاسِ مَنْ طَالَ عُمُرُهُ
(1) رواه الإِمام أحمد في "الزهد"(ص: 135)، وابن أبي شيبة في "المصنف"(34580).
(2)
رواه ابن أبي شيبة في "المصنف"(34572).
وَحَسُنَ عَمَلُهُ". رواه الترمذي من حديث عبد الله بن بُسر رضي الله عنه، وحسنه (1).
وصحح من حديث أبي بكرة رضي الله عنه: أنَّ رجلًا قال: يا رسول الله! أي الناس خير؟ قال: "مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ"، قال: فأي الناس شر؟ قال: "مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَسَاءَ عَمَلُهُ"(2).
ومن ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يتَمَنَّى أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ؛ إمَّا مُحْسِنًا فَلَعَلَّهُ يَزْدادُ، وإمَّا مُسِيْئًا فَلَعَلَهُ يَسْتَعْتِبُ". رواه الشيخان (3).
وروى الترمذي، والبيهقي في "الزهد" عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَا مِنْ أَحَدٍ يَمُوْتُ إِلا نَدِمَ"، قالوا: وما ندامته يا رسول الله؟ قال: "إِنْ كَانَ مُحْسِنًا نَدِمَ أَنْ لا يَكُوْنَ ازْدَادَ، وإنْ كَانَ مُسِيْئًا نَدِمَ أَنْ لا يَكُوْنَ نَزَعَ"(4).
والقول الحق في هذا المقام: إنَّ من وفقه الله للبر حتى استوفى أجله الذي أجل له وهو على بره، فحياته خير ومماته خير، ومن خذله الله عن البر ويسره للفجور حتى مات فاجراً، فلا خير فيه ولا خير له.
وندامة الأول -إن صح الحديث- ليست من قبيل ما سبق له في
(1) رواه الترمذي (2329).
(2)
رواه الترمذي (2330).
(3)
رواه البخاري (6808) واللفظ له، ومسلم (2682) عن أبي هريرة رضي الله عنه.
(4)
رواه الترمذي (2403) وقال: إنما نعرفه من هذا الوجه، ويحيى بن عبيد الله قد تكلم فيه شعبة. والبيهقي في "الزهد الكبير" (ص: 279).
القضاء، بل من حيث نسبةُ نفسهِ إلى التقصير واعترافُه بالعجز، وفي ذلك تمام الاعتراف بالعبودية، وهو نافع له في تلك الدار في ترقية المقام وبسط الرضا، وتمهيد الفتاوى، وإن لم تكن تلك دار تكليف؛ لأن العبودية باقية في تلك الدار، وإنما المرفوع عنهم فيها التكليف بالعبادة.
وأمَّا ندامة المسيء فإنها زيادة في نكَاله؛ إذ لا تنفعه الندامة، بخلاف المحسن الأول إذا ندم أولًا ازداد فإنها تنفعه وترفعه كما علمت، وهذا يندم فتثير الندامة منه الحسرات والزفرات، فلا ينتفع منها بشيء إلا إن كان له إحسان وإيمان فإن إحسانه يكفر إساءته مع الإيمان، أما مع غير الإيمان فلا الندامة تنفعهم، ولا الاعتراف ينقذهم، كما قال تعالى:{وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (10) فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ} [الملك: 10، 11]، فندامتهم زيادة في النَّكال، بخلاف ندامة الأبرار على ترك الزيادة، فإنها تؤول بهم إلى الازدياد من الكرامة، وفرق بين الندامتين.
وتأمل قوله تعالى: {لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ} [عبس: 37]: جمع بينهم في أن كل واحد منهم في شأن مخصوص به لا يتفرغ منه لغيره، ثم فرق بين حالي البر والفاجر، فقال:{وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (38) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (39) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (40) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (41) أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ} [عبس: 38 - 42].