المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌فَصْلٌ ويقال للأولياء والصالحين: أولو الألباب، وذوو الألباب. ولب كل شيء: خالصه - حسن التنبه لما ورد في التشبه - جـ ٣

[نجم الدين الغزي]

فهرس الكتاب

- ‌ فائِدَةٌ سادِسَةٌ:

- ‌ فائِدَة سابِعَةٌ:

- ‌ فائِدَةٌ ثامِنَةٌ:

- ‌ فائِدَةٌ تاسِعَةٌ:

- ‌ فائِدَةٌ عاشِرَةٌ:

- ‌ فائِدَةٌ حادِيَةَ عَشْرَةَ:

- ‌ فائِدَةٌ ثانِيَةَ عَشْرَةَ:

- ‌ فائِدَةٌ ثَالِثَةَ عَشْرَةَ:

- ‌ فائِدَةٌ رابِعَةَ عَشْرَةَ:

- ‌ فائِدَةٌ خامِسَةَ عَشْرَةَ:

- ‌ فائِدَةٌ سادِسَةَ عَشْرَةَ:

- ‌ فائِدَةٌ سابِعَةَ عَشْرَةَ:

- ‌ تَنبِيهٌ:

- ‌ فائِدَةٌ ثامِنَةَ عَشْرَةَ:

- ‌ فائِدَةٌ تاسِعَةَ عَشْرَةَ:

- ‌ فائِدَةٌ هِيَ تَمامُ عِشرينَ فائِدَةً:

- ‌ تَنْبِيهٌ:

- ‌ فائِدَةٌ حادِيَةٌ وِعِشرونَ:

- ‌ فائِدَةٌ ثانِيَةٌ وَعِشرونَ:

- ‌ فائِدَةٌ ثالِثَةٌ وَعِشرونَ:

- ‌ فائِدَةٌ رابِعَةٌ وَعِشرونَ:

- ‌ فائِدَةٌ خامِسَةٌ وَعِشرُونَ:

- ‌ فائِدَةٌ سادِسَةٌ وَعِشرُونَ:

- ‌ فائِدَةٌ سابِعَةٌ وَعِشرُونَ:

- ‌ فائِدَةٌ ثامِنَةٌ وَعِشرُونَ:

- ‌ فائِدَةٌ تاسِعَةٌ وَعِشْرونَ:

- ‌ فائِدَةٌ تَتِمُّ بِها ثَلاثونَ فائِدَةً:

- ‌ فائِدَةٌ حادِيَةٌ وَثَلاثونَ:

- ‌ فائِدَة ثانِيَةٌ وَثَلاثونَ:

- ‌ فائِدَةٌ ثالِثَةٌ وَثلاثونَ:

- ‌ فائِدَةٌ رابِعَةٌ وَثلاثونَ:

- ‌ فائِدَةٌ خامِسَةٌ وَثلاثونَ:

- ‌ فائِدَة سادِسَة وَثَلاثونَ:

- ‌ فائِدَةٌ سابِعَةٌ وَثلاثونَ:

- ‌ فائِدَةٌ ثامِنَةٌ وَثلاثونَ:

- ‌ فائِدَةٌ تاسِعَةٌ وَثلاثونَ:

- ‌ فائِدَةٌ هِيَ تَمامُ أَرْبَعينَ فائِدَةً:

- ‌ فائِدَةٌ حادِيَةٌ وَأَرْبعونَ:

- ‌ فائِدَةٌ ثانِيَةٌ وَأَرْبَعونَ:

- ‌ فائِدَةٌ ثالِثَةٌ وَأَربعونَ:

- ‌وفي معناه وجهان:

- ‌ فائِدَةٌ رابِعَةٌ وَأَرْبَعونَ:

- ‌ فائِدَةٌ خامِسَةٌ وَأَربعونَ:

- ‌ فائِدَةٌ سادِسَةٌ وَأَرْبعونَ:

- ‌ فائِدَةٌ سابِعَةٌ وَأَرْبعونَ:

- ‌ فائِدَةٌ ثامِنَةٌ وَأَرْبعونَ:

- ‌ فائِدَةٌ تاسِعَةٌ وَأَربعونَ:

- ‌ فائِدَةٌ هِيَ تَمامُ خَمسينَ فائِدَةً:

- ‌ فائِدَةٌ حادِيَةٌ وَخَمسونَ:

- ‌ فائِدَةٌ ثانِيَةٌ وَخَمسونَ:

- ‌ فائِدَةٌ ثالِثَةٌ وَخَمْسونَ:

- ‌ فائِدَةٌ رابِعَةٌ وَخَمسونَ:

- ‌ فائِدَةٌ خامِسَةٌ وَخَمسونَ:

- ‌ فائِدَةٌ سادِسَةٌ وَخَمسونَ:

- ‌ فائِدَةٌ سابِعَةٌ وَخَمسونَ:

- ‌ فائِدَةٌ ثامِنَةٌ وَخَمسونَ:

- ‌ فائِدَةٌ تاسِعَةٌ وَخَمسونَ:

- ‌ فائِدَةٌ هِيَ تَمامُ سِتِّينَ فائِدَةً:

- ‌ فائِدَةٌ حادِيَةٌ وَسِتُّونَ:

- ‌ فائِدَةٌ ثانِيَةٌ وَسِتُّونَ:

- ‌ فائِدَةٌ ثالِثَةٌ وَسِتُّونَ:

- ‌ فائِدَةٌ رابِعَةٌ وَسِتُّونَ:

- ‌ فائِدَةٌ خامِسَةٌ وَسِتُّونَ:

- ‌ فائِدَةٌ سادِسَةٌ وَسِتُّونَ:

- ‌ فائِدَةٌ سابِعَةٌ وَسِتُّونَ:

- ‌ فائِدَةٌ ثامِنَةٌ وَسِتُّونَ:

- ‌ فائِدَةٌ تاسِعَةٌ وَسِتُّونَ:

- ‌ فائِدَةٌ هِيَ تَمامُ سَبْعِينَ فائِدَةً:

- ‌ فائِدَةٌ حادِيَةٌ وَسَبْعونَ:

- ‌ فائِدَةٌ ثانِيَةٌ وَسَبْعونَ:

- ‌ فائِدَةٌ ثالِثة وَسبعونَ:

- ‌ فائِدَةٌ رابِعَةٌ وَسَبعونَ:

- ‌ فائِدَةٌ خامِسَةٌ وَسَبْعونَ:

- ‌ فائِدَةٌ سادِسَةٌ وَسَبْعونَ:

- ‌ فائِدَةٌ سابِعَةٌ وَسَبْعونَ:

- ‌ فائِدَةٌ ثامِنَةٌ وَسَبعونَ:

- ‌ فائِدَةٌ تاسِعَةٌ وَسَبْعونَ:

- ‌ فائِدَةٌ هِيَ تَمامُ ثَمانِينَ فائِدَةً:

- ‌ فائِدَةٌ حادِيَةٌ وَثَمانونَ:

- ‌ فائِدَةٌ ثانِيَةٌ وَثَمانونَ:

- ‌ فائِدَة ثالِثَةٌ وَثَمانونَ:

- ‌ فائِدَةٌ رابِعَةٌ وَثَمانونَ:

- ‌ فائِدَةٌ خامِسَةٌ وَثَمانونَ:

- ‌ فائدَةٌ سادِسَةٌ وَثَمانونَ:

- ‌ فائِدَةٌ سابِعَةٌ وَثَمانونَ:

- ‌ فائِدَةٌ ثامِنَةٌ وَثَمانونَ:

- ‌ فائِدَةٌ تاسِعَةٌ وَثَمانونَ:

- ‌ فائِدَةٌ هِيَ تَمامُ تِسْعِينَ فائِدَةً:

- ‌ فائِدَةٌ حادِيَةٌ وتسعونَ:

- ‌ فائِدَةٌ ثانِيَةٌ وتسعونَ:

- ‌ فائِدٌ ثالِثةٌ وتسعونَ:

- ‌ فائِدَةٌ رابِعَةٌ وتسعونَ:

- ‌ فائِدَةٌ خامِسَةٌ وتسعونَ:

- ‌ فائِدَةٌ سادِسَةٌ وتسعونَ:

- ‌ فائِدَةٌ سابِعَةٌ وتسعونَ:

- ‌ فائِدَةٌ ثامِنةٌ وتسعونَ:

- ‌ فائِدَةٌ تاسِعَةٌ وتسعونَ:

- ‌ فائِدَةٌ بِها تَتِمُّ مِئةُ فائِدَةٍ:

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌ تَتِمَّةٌ:

- ‌فَصْلٌ

- ‌ فائِدَةٌ لَطِيفَةٌ:

- ‌ لَطِيفَةٌ أخرَى:

- ‌ فائِدَةٌ ثالِثةٌ:

- ‌ فائِدةٌ رابِعَةٌ:

- ‌فَصْلٌ في أحكام تتعلق بالأولياء رضي الله عنهم

- ‌ تَنبِيهٌ:

- ‌ تَنبِيهٌ:

- ‌فَصْلٌ

- ‌ تَتِمَّةٌ:

- ‌ تَتِمَّةٌ

- ‌ تنبِيْهٌ:

- ‌ فائِدَةٌ لَطِيْفَةٌ:

- ‌فَصْلٌ

- ‌ تَتِمَّةٌ:

- ‌فَصْلٌ

- ‌ تَتِمَّةٌ:

- ‌ تنبِيْهٌ أَوَّلٌ:

- ‌ تنبِيْهٌ ثانٍ:

- ‌[فائدة]

- ‌ فائِدَةٌ أُخْرَىْ:

- ‌ فائِدَةٌ ثالِثةٌ:

- ‌ فائِدَةٌ رابِعَةٌ:

- ‌ فائِدَةٌ خامِسَةٌ:

- ‌ فائِدَةٌ سادِسَةٌ:

- ‌ فائِدَةٌ سابِعَةٌ:

- ‌ فائِدَةٌ ثامِنةٌ:

- ‌ فائِدَةٌ تاسِعَةٌ:

- ‌ فائِدَةٌ عاشِرَةٌ:

- ‌ فائِدَة حاديةَ عَشْرَةَ:

- ‌ فائِدَةٌ ثانِيةَ عَشْرَةَ:

- ‌ فائِدَةٌ ثالِثَةَ عَشْرَةَ:

- ‌ فائِدَةٌ رابِعَةَ عَشْرَةَ:

- ‌ فائِدَةٌ خامِسَةَ عَشْرَةَ:

- ‌ فائِدَةٌ سادِسَةَ عَشْرَةَ:

- ‌ فائِدَةٌ سابِعَةَ عَشْرَةَ:

- ‌ فائِدَةٌ ثامِنَةَ عَشْرَةَ:

- ‌ فائِمَةٌ تاسِعَةَ عَشْرَةَ:

- ‌ فائِدَةٌ مُتَمِّمَةُ الْعِشْرِيْنَ:

- ‌ تنبِيْهٌ نَفِيْسٌ:

- ‌ تَتِمَّةٌ مُهِمَّةٌ، وَخاتِمَةٌ حَسَنَةٌ:

- ‌(4) باب التَّشَبُّه بِالشَّهَدَاءِ

- ‌عوداً على بدء:

- ‌ تَنْبِيْهٌ:

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌ تنبِيْهٌ:

- ‌ تَنْبِيْهٌ:

- ‌فَصْلُ

- ‌ تنبِيْهٌ:

- ‌فَصْلُ

- ‌فَصْلٌ

الفصل: ‌ ‌فَصْلٌ ويقال للأولياء والصالحين: أولو الألباب، وذوو الألباب. ولب كل شيء: خالصه

‌فَصْلٌ

ويقال للأولياء والصالحين: أولو الألباب، وذوو الألباب.

ولب كل شيء: خالصه وقلبه.

ومن ثم قيل لهؤلاء، أو لخواصهم: أرباب القلوب، وأصحاب القلوب؛ أخذاً من قوله تعالى:{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ} [ق: 37].

وكل إنسان له قلب، بل كل حيوان، إلا أنه لما كانت قلوب الحيوانات غير الإنسان، والملحقين بها من جنس الإنسان ممن لا يفهم ولا يعقل لا نفع فيها، ولا فائدة منها، كانت كأنها لم تكن؛ فلذلك قال تعالى:{لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ} ؛ أي: قلب يفهم به ولعقل به.

وقال الله تعالى: {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ} [الرعد: 19]؛ أي: أصحاب القلوب الخالصة.

وقال تعالى: {فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى (9) سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى} [الأعلى: 9، 10].

وقال تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28].

وقال تعالى: {فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ} [الذاريات: 55]؛ أي:

ص: 341

الكاملين في الإيمان، وهم العلماء بالله الذين يخشون الله تعالى، وهم أصحاب القلوب.

وأولو الألباب الحكماء، كما قال الله تعالى:{يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} [البقرة: 269].

الحكمة: فهم كتاب الله وتدبره، والعمل بما فيه، ولا يتهيأ هذا إلا لذوي الألباب، وأصحاب العقول والآداب.

قال خالد بن ثابت الربعي: وجدت فاتحة زيور داود عليه السلام: رأس الحكمة خشية الله. رواه الإِمام أحمد في "الزهد"(1).

وقد روى الحكيم الترمذي في "نوادره"، وابن لال في مكارمه، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "رَأْسُ الحِكْمَةِ مَخَافَةُ الله"(2).

وروى ابن أبي حاتم عن الإِمام مالك بن أنس رضي الله عنه قال: قال زيد ابن أسلم رحمهما الله تعالى: إن الحكمة العقل؛ لأنه ليقع في قلبي أنَّ الحكمة الفقه في دين الله، وأمر يدخله الله القلوب من رحمته وفضله.

(1) رواه الإمام أحمد في "الزهد"(ص: 73).

(2)

رواه الحكيم الترمذي في "نوادر الأصول"(3/ 84)، وكذا رواه البيهقي في "شعب الإيمان"(743) موقوفًا، ثم قال: وقد روي من وجه آخر ضعيف مرفوعا.

ص: 342

قال: ومما يبين ذلك أنك تجد الرجل عاقلاً في أمر الدنيا إذا نظر فيها، وتجد آخر ضعيفًا في أمر دنياه، عالمًا بأمر دينه، بصيرًا به، يؤتيه الله إياه، ويَحْرِمُهُ هذا (1).

واختار النووي في "شرح مسلم": أن الحكمة عبارة عن: العلم

بالأحكام المشتملة على المعرفة بالله تبارك وتعالى، مصحوب بنفاذ البصيرة وتهذيب النفس وتحقيق الحق والعمل به، والصدِّ عن اتباع الهوى والباطل.

وقوله تعالى: {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ} [البقرة: 269]؛ أي: من يختاره لها ويصطفيه لها، فأهل الحكمة وأولو الألباب هم المصطفون الأخيار، قليل من أعمالهم، كثير عند الله تعالى؛ لأنهم أحباب الله، وأولياؤه، ومختاروه، والقليل من الأحباب مقبول، وشتان بين المقبول والمردود.

وفي كتاب الله تعالى: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} [المائدة: 27]، والتقوى نتيجة الخشية التي هي رأس الحكمة، ومحك العلم، والقليل إذا كان مقبولاً عند الله تعالى، لم يكن قليلاً في نفسه؛ لأن الذي قَبِلَهُ كريم، ومن شأن الكريم أن يرى القليل من غيره كثيرًا، وإن عين الرضى تكثر قليل المرضي عنه، وتعظم صغير المقبول منه.

وقد روى ابن أبي شيبة عن الحسن رحمه الله مرسلاً قال: قال

(1) رواه ابن أبي حاتم في "التفسير"(2/ 532).

ص: 343

رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ اللهَ لا يَقبَلُ عَمَلَ عَبْدٍ حَتَّى يَرْضَى عَنْه"(1).

وفي كتاب "التقوى" لابن أبي الدنيا عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: لا يقل عمل مع تقوى، وكيف يقل ما يتقبل؟ (2).

وفيه عن فضالة بن عبيد رضي الله عنه قال: لأن أكون أعلم أنَّ الله تقبل مني مثقال حبَّة من خردل، أحبُّ إليَّ من الدنيا وما فيها؛ فإن الله تعالى يقول:{إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} [المائدة: 27](3).

وروى ابن أبي حاتم نحوه عن أبي الدرداء رضي الله عنه، ولفظه: لأن أستيقن أن الله تعالى تقبل مني صلاة واحدة، أحبُّ إلي من الدنيا وما فيها؛ إنَّ الله تعالى يقول:{إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} [المائدة: 27](4).

وروى ابن عساكر عن هشام، عن يحيى، عن أبيه قال: دخل سائل إلى ابن عمر رضي الله عنه فقال لابنه: أعطه دينارًا، فأعطاه، فلما انصرف قال ابنه: تقبل الله منك يا أبتاه، فقال: لو علمت أن الله تعالى تقبل مني سجدة واحدة، أو صدقة درهم، لم يكن غائب أحب إلي من الموت؛ تدري ممن يتقبل الله؟ {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} [المائدة: 27] (5).

(1) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف"(34341).

(2)

تقدم تخريجه.

(3)

تقدم تخريجه.

(4)

انظر: "الدر المنثور" للسيوطي (3/ 56).

(5)

رواه ابن عساكر في "تاريخ دمشق"(31/ 146).

ص: 344

وروى الإِمام أحمد في "الزهد" عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه قال: يا حبذا نوم الأكياسِ وإفطارهم، كيف يغبنون سهر الحمقى وصيامهم؟ ولَمِثْقال ذرة من صاحب تقوى ويقين، أعظم وأفضل وأرجح من أمثال الجبال عبادة من المغترين (1).

وصدق رضي الله عنه؛ فإن نوم الأكياس -وهم الفطناء أولو الألباب - وإفطارهم يكون بنية صالحة، ولغرض صحيح، فهما أفضل من سهر المتكلف وصومه.

وقد أطلق أبو الدرداء عليه اسم الحمق؛ لأنه يضرب في حديد بارد لم يعقل قوله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّما الأَعْمَالُ بِالنِّيَاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِ امْرِئٍ مَا نَوَى"(2)، ولم يعمل بمقتضاه، ولو كان له عقل وكَيْسٌ لعقل هذا وغيره عن الله تعالي ورسوله صلى الله عليه وسلم.

ومن هنا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أَفْلَحَ مَنْ رُزِقَ لُبًّا". وفي رواية: "قَدْ أَفْلَحَ". رواه البخاري في "تاريخه"، والبيهقي في "شعبه" عن قرة بن هبرة رضي الله عنه (3).

و(قد) لتحقيق حصول الفلاح، وهو العون والبقاء في الخير لذوي الألباب، ومهما حصل لهم فيما بين ذلك من مشقة، فإن الله تعالى يأخذ

(1) رواه الإِمام أحمد في "الزهد"(ص: 138).

(2)

تقدم تخريجه.

(3)

تقدم تخريجه.

ص: 345

بأيديهم فيها، ويخفف عنهم حتى يلقوه في سلامة، كما قال تعالى:{تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ} [الأحزاب: 44].

وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول صلى الله عليه وسلم: "أَنَا الشَّاهِدُ عَلَى الله أَلا يَعثُرَ عَاقِلٌ إلا رَفَعَهُ، ثُمَّ لا يَعثُرَ إِلا رَفَعَهُ، ثُمَّ لا يَعثُرَ إِلا رَفَعَهُ، حَتَّى يَجْعَلَ مَصِيرَهُ إِلى الجَنَةِ". رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "العقل"، والطبراني في "الأوسط"(1).

ثم إن لأولي الألباب مزية ظاهرة في فهم كلام الله تعالى، وآياته، ومطالعة حكمه منه بريَّاتِه، ولقد أثنى الله تعالى عليهم بذلك، فقال تعالى:{وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ} [العنكبوت: 43]، فحصر فهم آياته وأمثاله في أهل العلم، وهم أولو الألباب كما علمت.

قال عمرو بن مرة رضي الله عنه: ما مررت بآية في كتاب الله لا أعرفها إلا أحزنتني؛ لأني سمعت الله تعالى يقول: {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ} . رواه ابن أبي حاتم (2).

وعندي: أن المراد بالأمثال: كل مخلوق خلقه الله تعالى للعقل في

(1) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "العقل"(ص: 30)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (6083). قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (8/ 29): رواه الطبراني في "الصغير"، و "الأوسط" وفيه محمَّد بن عمر بن الرومي، وثقه ابن حبان، وضعفه جماعة، وبقية رجاله ثقات.

(2)

انظر: "الدر المنثور" للسيوطي (6/ 464).

ص: 346

مطالعته ومطالعة الحكمة التي لأجلها خُلِق مجالٌ، والقرآن العظيم لم يدع شيئًا مما هذا سَمْتُهُ إلا وقد وقعت فيه الإشارة إليه بوجه ما، وإن من أبعد الأمثال عن الأفهام -إلا فهم أولي الألباب - أن الله تعالى شرع القصاص، وهو إتلاف لعضو، أو إزهاق لروح لأجل وقاية الأعضاء، وحياة الأرواح؛ إذ يعلم العادي أنه يُقَاصَصَ فيكف، فلذلك قال الله تعالى:{وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 179]؛ أي: تتقون الحياة بوقاية أنفسكم عنها، أو بمنع غيركم منها.

وقال سفيان بن عيينة في قوله: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} ؛ قال: بقية؛ تناهي بعضكم عن بعض. رواه ابن جرير (1).

ومن ألطف ما اتفق: ما رواه عبد بن حميد، وابن أبي حاتم عن أبي الجوزاء أنه قرأ:{وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} ، وقال: القصاص (2) القرآن (3).

والأولى حمل القصاص (4) على [قصص] القرآن، وما يوافقه من مواعظ الأنبياء، ونصائح الأولياء على سبيل القص عن المتقدمين.

وعليه: فالمراد بالحياة الحياة الأخروية، وهي في الدنيا بالإيمان

(1) انظر: "تفسير الطبري"(2/ 115).

(2)

في "م": "القصص"، والمثبت من "تفسير ابن أبي حاتم"(1/ 297).

(3)

كذا عزاه السيوطي في "الدر المنثور"(1/ 442) إلى عبد بن حميد، ولفظه:"القصاص: قصص القرآن"، ورواه ابن أبي حاتم في "التفسير"(1/ 297).

(4)

في "م": "القصص".

ص: 347

والعلم، وفي الآخرة بثوابها وما أعد الله لذويها.

وفي نفس الأمر لا يحس بهذه الحياة في دار الدنيا إلا أولو الألباب، وهم الراسخون في العلم؛ لأنهم الذين نفخت فيهم روح الحياة في الدنيا.

ولقد قال الله تعالى فيهم: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} [آل عمران: 7]، وهم الراسخون في العلم بأعيانهم، إلا أنه ذكرهم بصفة أخرى ثناء عليهم، وتفخيماً لأمرهم، فقال تعالى:{كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} [ص: 29]؛ فيه إشارة إلى أن المتدبرين للقرآن كثيرون، وإنما يتذكر منهم مما تدبره أولو الألباب، وأصحاب العقول النافعة ذويها، المخلصة الخالصة لباريها.

وقال تعالى: {هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ} [إبراهيم: 52]؛ أي: كفاية لهم في الموعظة والبيان، {وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} [إبراهيم: 52].

وقال تعالى: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ} [الزمر: 9].

في الآية إشارة إلى الحكمة التي يتميز بها أهل العلم عن غيرهم، وهي أن أهل العلم أهل تذكر وتفطن، وأهل الجهل أهل غفلة ولهو، فإذا كان ذو العلم يغلب عليه ما يغلب على أهل الجهل لحق بهم، وكان أسوأ حالًا منهم.

ص: 348

وقال الله تعالى: {وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ (53) هُدًى وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ} [غافر: 53، 54].

فيه إشارة إلى أن ذوي الألباب هم المقصودون بالهداية والذكرى، وكأن الكتب لم يكن مطلوب بها حقيقة إلا هؤلاء، وقد علمت أنهم هم المتقون، فتوافقت هذه الآية هي وقوله تعالى:{ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 2] الآيات، فهؤلاء قوم صلحت قلوبهم، فصلحت لقبول الحكم القرآنية والمعارف الربانية بما تحنن الله عليهم وعطف، ونظر إليهم ولطف.

ولقد سبق قوله صلى الله عليه وسلم: "أَلا إِنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّه"(1).

وقوله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ كَانَ لَهُ قَلْب صالح تَحَنَّنَ اللهُ عَلَيْهِ، وإِذَا تَحَنَّنَ اللهُ عَلى قَلبِ عَبدٍ، حَنَّنَهُ لِلأَعمَالِ الصَّالِحَةِ، وَحَبَّبها إِلَيْهِ"(2).

ولقد وصف الله تعالى أولي الألباب بأوصاف الصالحين، فقال الله تعالى:{إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ} إلى قوله: {وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ} [آل عمران: 190 - 195].

(1) تقدم تخريجه.

(2)

تقدم تخريجه.

ص: 349

وصفهم سبحانه وتعالى بالذكر وملازمته في سائر الأحوال، والفكر في مخلوقات الله تعالى، والمعرفة بأنه سبحانه لم يخلق شيئًا باطلًا، والتسبيح والاستعاذة من النار، والإيمان بأمور الآخرة التي منها عذاب النار، وسؤال الله الوقاية منها، وأنَّ دخولها هو الخزي، وأنَّ الظالم هو المخذول يوم القيامة لا أنصار له، وحسن الاستماع، وسؤال الله المغفرة، وتكفير السيئات، والثناء على الأبرار، وطلب اللحاق بهم، والجهاد في سبيل الله تعالى، والهجرة، واحتمال الأذى في ذات الله، والرغبة في الشهادة؛ وكل ذلك من خواص أعمال الصالحين وأخلاقهم.

ثم بين الله تعالى أنه يستجيب لهم بقوله تعالى: {فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى} [آل عمران: 195] الآية.

فأهل الاستجابة هم أولو الألباب الذين يدعون الله تعالى، وقلوبهم في مشاهدته تشهد أن العطاء والمنع بيده، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ادْعُوْا الله وَأنتُم مُوقنُوْنَ بِالإِجَابَةِ، وَاعْلَمُوْا أَنَّ اللهَ لا يَقبَلُ دُعَاء مِنْ قَلب غَافِلِ لاهٍ". رواه الترمذي، والحاكم عن أبي هريرة رضي الله عنه (1).

وروى الإِمام أحمد في "الزهد" عن مالك بن دينار رحمه الله تعالى قال: قال الله تبارك وتعالى على لسان نبي من أنبياء بني إسرائيل: قل لبني إسرائيل: تدعوني بألسنتكم، وقلوبكم بعيدة مني؟ باطل ما ترهبون،

(1) رواه الترمذي (3479) وقال: غريب، والحاكم في "المستدرك" (1817). وضعف الإِمام النووي إسناده في "الأذكار" (ص: 319).

ص: 350

وقال: تدعونني وعلى أيديكم الدم؟ اغسلوا أيديكم من الدم؛ أي: من الخطايا، هلموا نادوني (1).

وروى الحكيم الترمذي عن معاذ رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لَوْ عَرَفْتُمُ الله حَقَّ مَعرِفَتِهِ، لَزَالت بِدُعَائِكُمُ الجِبَالُ"(2).

وقد فهم الحسن رحمه الله من الآية: أن سبب استجابة الله تعالى لهم (3) تكرار الدعاء، والإلحاح فيه.

فروى ابن أبي حاتم عن عطاء رحمه الله: أنه قال: ما من عبد يقول: يا رب، يا رب، ثلاث مرات، إلا نظر الله إليه، فذكر للحسن رحمه الله، فقال: أما يقرأ القرآن: {رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا} إلى قوله: {فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ} [آل عمران: 193 - 195]؟ (4).

ولا شك أن في التكرار تحقيقًا لاستحضار القلب في الدعاء؛ لأن له تأثيرًا في التوجه.

وروى الأصبهاني في "الترغيب" عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال

(1) رواه الإِمام أحمد في "الزهد"(ص: 99).

(2)

رواه الحكيم الترمذي في "نوادر الأصول"(3/ 156)، وكذا الديلمي في "مسند الفردوس"(5123). وضعف العراقي إسناد الديلمي في "تخريج أحاديث الإحياء"(2/ 1023).

(3)

إلى هنا ينتهي الجزء الثاني من النسخة الخطية المرموز لها بـ "أ"، ووقع فيها خرم كبير إلى نهاية هذا الجزء -أعني: من النسخة الخطية-.

(4)

رواه ابن أبي حاتم في "التفسير"(3/ 844).

ص: 351

رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يُنَادِيْ مُنَادٍ يَوْمَ القِيَامَةِ: أَينَ أُولُوْ الأَلبَابِ؟ قَالُوا: أَيَّ أُولِيْ الأَلبَابِ تُريْد؟ قالَ: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران: 190 - 191]، قَالَ: عُقِدَ لَهُمْ لِوَاءٌ، واتَّبَعَ القَوْمُ لِوَاءَهُمْ، وَقَالُوا لَهُم: اُدخُلوْهَا خَالِدْينَ"(1).

وقال الله تعالى: {وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (17) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ} [الزمر: 17، 18].

وصفهم باجتناب عبادة الطاغوت، وهو الشيطان، أو كل ما سوى الله تعالى؛ فإن عبادة من سواه طغيان، وبالإنابة إلى الله، وهي الرجوع إليه، وهو حقيقة التوبة واستماع القول، واتباع أحسنه؛ قال: أحسنه طاعة الله. رواه ابن جرير (2).

وقال الكلبي: هو الرجل الذي يقعد إلى المحدث فيقوم بأحسن ما سمع. رواه سعيد بن منصور.

وهذا وصف العاقل؛ فإن العاقل من إذا عُرضَ عليه أمور يتخير منها، اختار لنفسه أحسنها، فإن اختار لنفسه دون الأحسن فهو سخيف العقل؛ ومن ثم كرهوا الإيثار في القُرَبِ، فإن اختار لنفسه أدناها كان

(1) انظر: "الدر المنثور" للسيوطي (2/ 407).

(2)

رواه الطبري في "التفسير"(23/ 206) عن قتادة.

ص: 352

أحمق عاريًا عن العقل.

وقد مثله النبي صلى الله عليه وسلم بمثال منطبق على حاله، فقال صلى الله عليه وسلم:"مَثَلُ الَّذِي يَجْلِسُ يَسْمَعُ الْحِكْمَةَ وَلا يُحَدِّثُ عَن صَاحِبِهِ إِلَاّ بِشَرِّ مَا يَسْمَعُ، كَمَثَلِ صَاحِبِ رَجُلٍ أتى رَاعِيًا فَقَالَ: يَا رَاعِي! اُجْزُر لِي شَاةً، فَقَالَ: اذهبْ فَخُذْ بِأُذُنِ خَيْرِهَا شَاةً، فَذهبَ فَأَخَذَ بِأُذُنِ كَلبِ الغَنَمِ"، رواه الإِمام أحمد، وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه (1).

وهذا المثال - وإن كان ضربه لمن يسمع فيحدث شر ما سمع - فهو بمن يعمل بشر ما سمع، أو بضد ما سمع من الخير أولى.

ثم قال الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ} [الزمر: 21]؛ أي: إن في ذلك تذكيراً لأولي الألباب دون غيرهم، بأنه لا بد لذلك من صانع حكيم دبره، وسوَّاه، وأوجده، وأحكمه، ثم أفناه، وبأن هذا مثل الحياة الدنيا فلا يغتر به، وبأن هذا مثل ابن آدم يبدو به والزرع في ريعانه وخضرته، ثم يكون آخره إلى الموت والفناء، وهذا لا يهتدي إليه إلا أولو الألباب، وهم أصحاب الصدور المشروحة، ولذلك عقبه بقوله تعالى:{أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ} [الزمر: 22]؛ أي: كغيره.

(1) رواه الإِمام أحمد في "المسند"(2/ 353)، وابن ماجه (4172). وإسناده ضعيف.

ص: 353

وشرح الصدر بخلوص القلب للتوجه إلى الله تعالى، وطلب الآخرة الموصل إليه.

قال محمَّد بن كعب القرظي: رحمه الله تعالى: لما نزلت هذه الآية: {أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ} قالوا: يا رسول الله! هل ينشرح الصدر؟ قال: "نعمْ"، قالوا: هل لذلك علامة؟ قال: "نعمْ، التَجَافِي عَنْ دارِ الغُرُورِ، والإِناَبَةُ إِلى دارِ الخُلُودِ، والاسْتِعْدَادُ لِلمَوتِ قَبْلَ نُزُولِهِ". أخرجه ابن مردويه هكذا مرسلاً (1).

وأخرجه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: تلا نبي الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: {أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ} ، فقلنا: يا رسول الله! كيف انشراح صدره؟ قال: "إِذَا دَخَلَ النُّورُ القَلْبَ انشَرَحَ وَانْفَسَحَ"، قلنا: فما علامة ذلك؟ الحديث (2).

وهو عند الحاكم، والبيهقي في "الزهد" عن ابن مسعود إلا أنه قال: لما تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ} [الأنعام: 125] قيل: ما هذا الشرح؟ فقال: "إِنَّ النُّورَ إِذا قُذِفَ في القَلبِ، انشَرَحَ لَهُ الصدْرُ وانْفَسَحَ"، قيل: فهل لذلك من علامة؟ قال: "نعمْ، التَّجَافِي عَن دَارِ الغُرُورِ، والإِنَابَةُ إِلى دارِ الخُلُودِ، والاسْتِعْدَادُ

(1) كذا عزاه الزيلعي في "تخريج أحاديث الكشاف"(3/ 202) إلى ابن مردويه.

(2)

كذا عزاه السيوطي في "الدر المنثور"(7/ 219) إلى ابن مردويه، ورواه أيضًا الطبري في "التفسير"(8/ 27).

ص: 354

لِلمَوْتِ قَبْلَ نُزُولِهِ" (1).

ولا شك أنَّ هذه الثلاثة من أوضح ما يظهر من الأخلاق على ذوي القلوب الصالحة، والعقول السليمة، والألباب الخالصة؛ لأن هذا أنفع شيء لهم في مصيرهم الذي لا بد لهم من المصير إليه.

قال ابن عمر رضي الله عنهما: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم عاشر عشرة، فقام رجل من الأنصار، فقال: يا رسول الله! من أَكْيَس الناس، وأحزم الناس؟ قال:"أَكْثَرُهُمْ ذِكْرًا لِلمَوتِ، وَأَكْثَرُهُمُ اسْتِعدَادًا لِلمَوْتِ؛ أُولَئِكَ الأكيَاس، ذَهَبُوا بِشَرَفِ الدُّنْيَا، وَكَرَامَةِ الآخِرَة". رواه ابن أبي الدنيا في "كتاب الموت"، والطبراني في "الصغير" بسند جيد (2).

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الكَيسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ -أي: حاسبها في الدنيا -، وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ المَوْتِ، وَالعَاجِزُ - وفي رواية: وَالأَحْمَقُ - مَنْ أتبَعَ نفسَهُ هَواهَا، وَتَمَنَّى عَلى اللهِ". رواه الإِمام أحمد، والترمذي، وابن ماجه، والحاكم في "المستدرك" عن شداد بن أوس رضي الله عنه (3).

(1) رواه أيضا الحاكم في "المستدرك"(7863)، والبيهقي في "شعب الإيمان"(10552).

(2)

رواه ابن أبي الدنيا في "مكارم الأخلاق"(ص: 18)، والطبراني في "المعجم الصغير" (1008). قال المنذري في "الترغيب والترهيب" (4/ 119): رواه ابن أبي الدنيا في "كتاب الموت" والطبراني في "الصغير" بإسناد حسن.

(3)

رواه الإِمام أحمد في " المسند"(4/ 124)، والترمذي (2459) وحسنه، وابن ماجه (4260)، والحاكم في "المستدرك" (191). قال ابن طاهر: وهو =

ص: 355

وقال الله تعالى: {أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ} [الرعد: 19]؛ أي: ليس من يعلم أن ما أنزل إليك من ربك الحق -وهو شامل للقرآن، وغيره مما جاء به صلى الله عليه وسلم كمن هو أعمى القلب عن الحق فلا يبصره، ولا يعقله {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ}؛ أي: أصحاب العقول السليمة البصيرة.

ثم بين من هم بقوله: {الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (20) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (21) وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (22) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (23) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ} [الرعد: 20 - 24].

قيل: أراد بقوله: {وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ} : صلة الرحم.

قال ابن عباس رضي الله عنهما: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ البِرَّ وَالصِلَةَ ليُخَفّفَانِ سُوءَ الحِسَابِ يَوْمَ القِيَامةَ"، ثم تَلا رسول الله صلى الله عليه وسلم:{وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ} ". رواه ابن عساكر (1).

= حديث مداره على أبي بكر بن أبي مريم وهو ضعيف. انظر: "تخريج أحاديث الكشاف" للزيلعي (3/ 176).

(1)

رواه ابن عساكر في "تاريخ دمشق"(36/ 243)، وكذا الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد"(1/ 386)

ص: 356

وفي "الكشاف" في قوله: {وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ} من القرابات؛ قال: ويدخل فيه وصل قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقرابة المؤمنين الثابتة بالإيمان {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10] بالإحسان إليهم على حسب الطاقة، ونصرهم، والذب عنهم، والشفقة عليهم، والنصيحة لهم، وطرح التفرقة بين أنفسهم وبينهم، وإفشاء السلام عليهم، وعيادة مرضاهم، وشهود جنائزهم.

ومنه مراعاة حق الأصحاب، والخدم، والجيران، والرفقاء في السفر، وكل ما تعلق منهم بسببٍ، حتى الهرة والدجاجة (1).

والمراد بإقامة الصلاة: إتمامها، كما رواه ابن أبي حاتم عن سعيد ابن جبير، وبالإنفاق سرًا وعلانية النفقة الفرض، والأولى فيها إعلانها وإظهارها للقدوة، واسقاط العتاب عنه، والوقوع في غيبته، والتطوع، والأولى فيها الإسرار لأنه أبعد عن الرياء.

وقوله: {وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ} [الرعد: 22]، أي: يدفعون الشر بالخير، ولا يكافئون الشر بالشر، ولكن يدفعونه بالخير. رواه ابن أبي شيبة، وابن أبي حاتم عن الضحاك (2).

وقال سعيد بن جبير في معناه: يردون معروفاً على من يسيء إليهم.

(1) انظر: "الكشاف" للزمخشري (2/ 494).

(2)

ورواه الطبري في "التفسير"(13/ 141)، وابن أبي حاتم في "التفسير"(9/ 2991) كلاهما عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.

ص: 357

رواه ابن أبي حاتم (1).

وحاصل ما في هذه الآية: أن الله تعالى وصف أولي الألباب بالوفاء والصلة والخشية، وخوف سوء الحساب في العاقبة، والصبر والإخلاص، وإقامة الصلاة، والإنفاق في وجوه الخير سرًا وعلانيةً؛ لأنهم لا يتوقفون على حالة تبعثهم على النفقة أو تؤخرهم عنها؛ لأن الكرم سجيتهم وعادتهم، ولأنهم لا يراقبون غير الله، فاستوى سرهم وعلنهم.

ثم ختم وصفهم بالخلق العظيم المشتق من خلق نبيهم صلى الله عليه وسلم الذي وصفه ربه به في التوراة لا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح (2).

فذكر أنهم بعد استيفاء الحلم والعفو والاحتمال، يدرؤون بالحسنة السيئة فضلاً عن مقابلتها بمثلها، وهذا منهم مصانعة لربهم، طلباً منهم أن يعاملهم ربهم بالعفو والإحسان، وهذا يدل على أنهم في أعلى طبقات العقل والنُّهَى؛ لأنهم وضعوا الإحسان والمعروف عند من لا يضيع عنده مثقال ذرة.

ولقد علمت أن ذوي الألباب هم الحكماء حقيقة.

والحكيم: هو من يضع الشيء في موضعه.

(1) رواه ابن أبي حاتم في "التفسير"(9/ 2991).

(2)

كما جاء في حديث عبد الله بن عمرو في صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة، وهو عند البخاري (2018).

ص: 358