الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المأمون، قال: فانكسر قلم يحيى، فناوله المأمون قلماً من ذهب، فامتنع من أخذه، فكتب المأمون على ظهر جزء: ناولت يحيى بن يحيى قلماً فلم يأخذه.
فلما ولي الخلافة كتب إلى عامله أن يولي يحيى بن يحيى قضاء نيسابور، فقال يحيى للأمير: قل لأمير المؤمنين: ناولتني قلماً وأنا شابٌّ فلم أقبله، أفتجبرني على القضاء وأنا شيخ؟
فرفع ذلك إلى المأمون فقال: يولي رجلاً يختاره.
فأشار برجل، فلم يلبث أن دخل الرجل على يحيى وعليه السواد، فضم يحيى فراشه كراهية أن يجمعه وإياه فراش، فقال: ألم تخترني؟
قال: إنما قلت: اختاروه (1)، ولم أقل لك تتقلد القضاء (2).
*
فائِدَةٌ ثانِيَةٌ وَخَمسونَ:
روى النسائي عن ابن الفراسي: أن الفراسي رضي الله تعالى عنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أسأل يا رسول الله (3)؟
قال: "لا، وَإِنْ كُنْتَ سائِلاً لا بُدَّ فَاسْأَلِ الصَّالِحينَ"(4).
قال الحافظ زين الدين العراقي رحمه الله تعالى في "شرح الترمذي":
(1) في "أ" و"ت": "أختار".
(2)
رواه ابن الجوزي في " المنتظم "(11/ 113).
(3)
في "أ" و"ت ": "أنسأل برسول الله".
(4)
رواه النسائي (2587)، وكذا أبو داود (1646).
هل المراد بالصالحين الذين عليهم حقوق أموالهم، ولا يمنعون إعطاء ما عليهم من الحق، وقد لا يعلمون استحقاق المستحق من غيره، فإذا عرفوا بسؤال المحتاج أعطوه مما عليهم؟
أو المراد: الصالحون الساعون في مصالح الخلق بسؤالهم لمن علموا استحقاقه ممن عليه حق، فيعطيهم أرباب الأموال لوثوقهم بصلاحهم؟
قال: وقد رأينا جماعة يكون قصدهم قضاء حوائج المحتاجين، وليس لهم أموال؛ يسألون أرباب الأموال لأهل الحاجات، انتهى.
قلت: لا شك أن الوجه الأول أقرب.
وعليه: فلا منافاة بين الصلاح والغنى كما تقدم.
ولكن أقرب منه أن يراد بالصالحين: الذين لا يبطلون صدقاتهم بالمن والأذى، وهم الذين قال الله تعالى فيهم:{الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 262].
بل من هؤلاء من يرون المنة للسائل عليهم، ويسابقون السائل بالعطاء، ولا يقولون له: لا، وكان بعضهم يقول للسائل: اكتب ما تحتاج إليه في مرة أخرى؛ فإني أكره أن أرى في وجهك ذُلَّ السؤال.
ومن شأن هؤلاء البشاشة والصباحة، وإجزال النوال، والسماحة، ولا يعبسون في وجهه، ولا يتبرمون من سؤاله، وهم حِسان الوجوه
الذين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حقهم: "الْتَمِسُوا الْخَيْرَ عِنْدَ حِسانِ الوُجُوهِ". رواه تمام في "فوائده" من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما (1)، وله طرق أخرى، وهذه أحسن الطرق (2).
وفي بعض ألفاظه: "اطْلُبُوا الْحَوائِجَ وَالْخَيْرَ عِنْدَ حِسانِ الوُجُوهِ".
وفي لفظ آخر: "عِنْدَ صِباحِ الوُجُوهِ".
وقال حسان بن ثابت، أو عبد الله بن رواحة رضي الله تعالى عنهما كما رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "قضاء الحوائج"، والعسكري في " الأمثال ":[من الخفيف]
لَقَدْ سَمِعْنا نبَيَّنا قالَ قَولاً
…
هُوَ لِمَنْ يَطْلُبُ الْحَوائِجَ راحة
اطْلُبُوا الْخَيْرَ وَالْحَوائِجَ مِمَّنْ
…
زَيَّنَ اللهُ وَجْهَهُ بِصَباحَة (3)
وما أحسنَ ما قيل: [من مجزوء الكامل المرفل]
لِلْخَيْرِ أَهْلٌ لا تَزا
…
لُ وُجُوهُهُمْ تَدْعُو إِلَيْهِ
(1) رواه تمام في "فوائده"(1/ 340).
(2)
قال السخاوي في "المقاصد الحسنة"(ص: 148): وطرقه كلها ضعيفة وبعضها أشد في ذلك من بعض، وأحسنها ما أخرجه تمام.
(3)
رواه ابن أبي الدنيا في "قضاء الحوائج"(ص: 59) ولفظه:
قد سمعنا نبينا قال قولا
…
هو لمن يطلب الحوائج راحه
اغتدوا فاطلبوا الحوائج ممن
…
زين الله وجهه بصباحه