الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
في هذا الحديث إشارة إلى أن العبد لا يستقيم مقام الصالحين إلا بالعبور إلى مقام الشهادة، والآية المتقدمة تدل على ذلك، ومن ثم جعلتُ التشبهَ بالشهيد بعد التشبه بالصالحين.
*
فائِدَةٌ رابِعَةٌ وَسَبعونَ:
روى أبو بكر بن مردويه عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية: {أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} [البقرة: 186]؛ قال: "يا رَبِّ! مَسْأَلَةَ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعالَى عَنها"، فهبط جبريل عليه السلام فقال: إن الله يقرئك السلام، هذا عبدي الصالح بالنية الصادقة، وقلبه تقي يقول: يا رب! فأقول: لبيك، فأقضي حاجته (1).
ومن هنا يستحب طلب الدعاء من الصالحين كما تقدم.
وفي "صحيح مسلم" عن أسير بن جابر رحمه الله تعالى قال: كان عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه إذا أتى عليه أمداد أهل اليمن سألهم: أفيكم أويس بن عامر؟ حتى أتى على أويس، فقال: أنت أويس ابن عامر؟
قال: نعم.
قال: من مراد، ثم من قرن؟
قال: نعم.
قال: كان بك برصٌ فبرأت منه إلا موضع درهم؟
(1) انظر: " الدر المنثور" للسيوطي (1/ 474).
قال: نعم.
قال: لك والدة؟
قال: نعم.
قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "يَأْتِي عَلَيْكَ أُوَيْسُ بْنُ عامِرٍ مَعَ أَمْدادِ أَهْلِ اليَمَنِ، مِنْ مُرادٍ ثُمْ مِنْ قَرَنٍ، كانَ بِهِ بَرَصٌ فَبَرأَ مِنْهُ إِلَاّ مَوْضعَ دِرْهَمٍ، لَهُ والِدةٌ هُوَ بِها بَرٌّ، لَوْ أَقْسَمَ عَلى اللهِ لأَبَرَّهُ؛ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَكَ فَافْعَلْ "؟ فاستغفر لي.
قال: فاستغفر له، فقال له عمر رضي الله تعالى عنه: أين تريد؟
قال: الكوفة.
قال: ألا أكتب لك إلى عاملها؟
قال: أكون في غبراء الناس أحب إلي.
فلما كان من العام المقبل حج رجلٌ من أشرافهم، فوافق عمر، فسأله عن أويس؟
قال: تركته رث البيت، قليل المتاع.
قال: سمعت رسول الله يقول: "يَأْتِي عَلَيْكَ أُويسُ بْنُ عامِرٍ مَعَ أَمْدادِ أَهْلِ اليَمَنِ، مِنْ مُرادٍ ثُمْ مِنْ قرنٍ، كانَ بِهِ بَرَصٌ فَبَرأَ مِنْهُ إِلَاّ مَوْضعَ دِرْهَمٍ، لَهُ والِدةٌ هُوَ بِها بَرٌّ، لَوْ أَقْسَمَ عَلى اللهِ لأَبَرَّهُ؛ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَكَ فَافْعَلْ ".
فأتى أويس، فقال: استغفر لي، فقال: أنت أحدث عهداً بسفر
صالحٍ، فاستغفر لي.
قال: لقيت عمر؟
قال: نعم.
فاستغفر له، ففطن له الناس، فانطلق على وجهه.
قال أسير: وكَسَوتُه بردةً، فكان كلما رآه إنسان قال: من أين لأويس هذه البردة (1)؟
في هذا الحديث وصية عمر وغيره ممن يستطيع أن يستغفر له أويس القرني لكونه صالحاً خيِّراً بارًّا بأمه، كما في حديث مسلم أيضاً عن عمر رضي الله تعالى عنه قال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إِنَّ خَيْرَ التَّابِعِينَ رَجُلٌ يُقالُ لَهُ: أُويْسُ، وَلَهُ والِدَةٌ، وَكانَ بِهِ بَياضٌ فَبَرِئَ؛ فَلْيَسْتَغْفِرْ لَكَ (2) "(3).
وروى الحاكم - وصححه - عن علي رضي الله تعالى عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "خَيْرُ التَّابِعِينَ "(4).
وجمع النووي بين هذا وبين قول أحمد بن حنبل وغيره: أفضل
(1) رواه مسلم (2542).
(2)
في مصدر التخريج: "مروه فلستغفر لكم" بدل "فليستغفر لك".
(3)
رواه مسلم (2542).
(4)
رواه الحاكم في (المستدرك)(5717) عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن صحابي.