المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌فَصْلٌ أولو الألباب من الأولياء والصالحين على قسمين: صديقون، وأبرار. فإما الصديقون، - حسن التنبه لما ورد في التشبه - جـ ٣

[نجم الدين الغزي]

فهرس الكتاب

- ‌ فائِدَةٌ سادِسَةٌ:

- ‌ فائِدَة سابِعَةٌ:

- ‌ فائِدَةٌ ثامِنَةٌ:

- ‌ فائِدَةٌ تاسِعَةٌ:

- ‌ فائِدَةٌ عاشِرَةٌ:

- ‌ فائِدَةٌ حادِيَةَ عَشْرَةَ:

- ‌ فائِدَةٌ ثانِيَةَ عَشْرَةَ:

- ‌ فائِدَةٌ ثَالِثَةَ عَشْرَةَ:

- ‌ فائِدَةٌ رابِعَةَ عَشْرَةَ:

- ‌ فائِدَةٌ خامِسَةَ عَشْرَةَ:

- ‌ فائِدَةٌ سادِسَةَ عَشْرَةَ:

- ‌ فائِدَةٌ سابِعَةَ عَشْرَةَ:

- ‌ تَنبِيهٌ:

- ‌ فائِدَةٌ ثامِنَةَ عَشْرَةَ:

- ‌ فائِدَةٌ تاسِعَةَ عَشْرَةَ:

- ‌ فائِدَةٌ هِيَ تَمامُ عِشرينَ فائِدَةً:

- ‌ تَنْبِيهٌ:

- ‌ فائِدَةٌ حادِيَةٌ وِعِشرونَ:

- ‌ فائِدَةٌ ثانِيَةٌ وَعِشرونَ:

- ‌ فائِدَةٌ ثالِثَةٌ وَعِشرونَ:

- ‌ فائِدَةٌ رابِعَةٌ وَعِشرونَ:

- ‌ فائِدَةٌ خامِسَةٌ وَعِشرُونَ:

- ‌ فائِدَةٌ سادِسَةٌ وَعِشرُونَ:

- ‌ فائِدَةٌ سابِعَةٌ وَعِشرُونَ:

- ‌ فائِدَةٌ ثامِنَةٌ وَعِشرُونَ:

- ‌ فائِدَةٌ تاسِعَةٌ وَعِشْرونَ:

- ‌ فائِدَةٌ تَتِمُّ بِها ثَلاثونَ فائِدَةً:

- ‌ فائِدَةٌ حادِيَةٌ وَثَلاثونَ:

- ‌ فائِدَة ثانِيَةٌ وَثَلاثونَ:

- ‌ فائِدَةٌ ثالِثَةٌ وَثلاثونَ:

- ‌ فائِدَةٌ رابِعَةٌ وَثلاثونَ:

- ‌ فائِدَةٌ خامِسَةٌ وَثلاثونَ:

- ‌ فائِدَة سادِسَة وَثَلاثونَ:

- ‌ فائِدَةٌ سابِعَةٌ وَثلاثونَ:

- ‌ فائِدَةٌ ثامِنَةٌ وَثلاثونَ:

- ‌ فائِدَةٌ تاسِعَةٌ وَثلاثونَ:

- ‌ فائِدَةٌ هِيَ تَمامُ أَرْبَعينَ فائِدَةً:

- ‌ فائِدَةٌ حادِيَةٌ وَأَرْبعونَ:

- ‌ فائِدَةٌ ثانِيَةٌ وَأَرْبَعونَ:

- ‌ فائِدَةٌ ثالِثَةٌ وَأَربعونَ:

- ‌وفي معناه وجهان:

- ‌ فائِدَةٌ رابِعَةٌ وَأَرْبَعونَ:

- ‌ فائِدَةٌ خامِسَةٌ وَأَربعونَ:

- ‌ فائِدَةٌ سادِسَةٌ وَأَرْبعونَ:

- ‌ فائِدَةٌ سابِعَةٌ وَأَرْبعونَ:

- ‌ فائِدَةٌ ثامِنَةٌ وَأَرْبعونَ:

- ‌ فائِدَةٌ تاسِعَةٌ وَأَربعونَ:

- ‌ فائِدَةٌ هِيَ تَمامُ خَمسينَ فائِدَةً:

- ‌ فائِدَةٌ حادِيَةٌ وَخَمسونَ:

- ‌ فائِدَةٌ ثانِيَةٌ وَخَمسونَ:

- ‌ فائِدَةٌ ثالِثَةٌ وَخَمْسونَ:

- ‌ فائِدَةٌ رابِعَةٌ وَخَمسونَ:

- ‌ فائِدَةٌ خامِسَةٌ وَخَمسونَ:

- ‌ فائِدَةٌ سادِسَةٌ وَخَمسونَ:

- ‌ فائِدَةٌ سابِعَةٌ وَخَمسونَ:

- ‌ فائِدَةٌ ثامِنَةٌ وَخَمسونَ:

- ‌ فائِدَةٌ تاسِعَةٌ وَخَمسونَ:

- ‌ فائِدَةٌ هِيَ تَمامُ سِتِّينَ فائِدَةً:

- ‌ فائِدَةٌ حادِيَةٌ وَسِتُّونَ:

- ‌ فائِدَةٌ ثانِيَةٌ وَسِتُّونَ:

- ‌ فائِدَةٌ ثالِثَةٌ وَسِتُّونَ:

- ‌ فائِدَةٌ رابِعَةٌ وَسِتُّونَ:

- ‌ فائِدَةٌ خامِسَةٌ وَسِتُّونَ:

- ‌ فائِدَةٌ سادِسَةٌ وَسِتُّونَ:

- ‌ فائِدَةٌ سابِعَةٌ وَسِتُّونَ:

- ‌ فائِدَةٌ ثامِنَةٌ وَسِتُّونَ:

- ‌ فائِدَةٌ تاسِعَةٌ وَسِتُّونَ:

- ‌ فائِدَةٌ هِيَ تَمامُ سَبْعِينَ فائِدَةً:

- ‌ فائِدَةٌ حادِيَةٌ وَسَبْعونَ:

- ‌ فائِدَةٌ ثانِيَةٌ وَسَبْعونَ:

- ‌ فائِدَةٌ ثالِثة وَسبعونَ:

- ‌ فائِدَةٌ رابِعَةٌ وَسَبعونَ:

- ‌ فائِدَةٌ خامِسَةٌ وَسَبْعونَ:

- ‌ فائِدَةٌ سادِسَةٌ وَسَبْعونَ:

- ‌ فائِدَةٌ سابِعَةٌ وَسَبْعونَ:

- ‌ فائِدَةٌ ثامِنَةٌ وَسَبعونَ:

- ‌ فائِدَةٌ تاسِعَةٌ وَسَبْعونَ:

- ‌ فائِدَةٌ هِيَ تَمامُ ثَمانِينَ فائِدَةً:

- ‌ فائِدَةٌ حادِيَةٌ وَثَمانونَ:

- ‌ فائِدَةٌ ثانِيَةٌ وَثَمانونَ:

- ‌ فائِدَة ثالِثَةٌ وَثَمانونَ:

- ‌ فائِدَةٌ رابِعَةٌ وَثَمانونَ:

- ‌ فائِدَةٌ خامِسَةٌ وَثَمانونَ:

- ‌ فائدَةٌ سادِسَةٌ وَثَمانونَ:

- ‌ فائِدَةٌ سابِعَةٌ وَثَمانونَ:

- ‌ فائِدَةٌ ثامِنَةٌ وَثَمانونَ:

- ‌ فائِدَةٌ تاسِعَةٌ وَثَمانونَ:

- ‌ فائِدَةٌ هِيَ تَمامُ تِسْعِينَ فائِدَةً:

- ‌ فائِدَةٌ حادِيَةٌ وتسعونَ:

- ‌ فائِدَةٌ ثانِيَةٌ وتسعونَ:

- ‌ فائِدٌ ثالِثةٌ وتسعونَ:

- ‌ فائِدَةٌ رابِعَةٌ وتسعونَ:

- ‌ فائِدَةٌ خامِسَةٌ وتسعونَ:

- ‌ فائِدَةٌ سادِسَةٌ وتسعونَ:

- ‌ فائِدَةٌ سابِعَةٌ وتسعونَ:

- ‌ فائِدَةٌ ثامِنةٌ وتسعونَ:

- ‌ فائِدَةٌ تاسِعَةٌ وتسعونَ:

- ‌ فائِدَةٌ بِها تَتِمُّ مِئةُ فائِدَةٍ:

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌ تَتِمَّةٌ:

- ‌فَصْلٌ

- ‌ فائِدَةٌ لَطِيفَةٌ:

- ‌ لَطِيفَةٌ أخرَى:

- ‌ فائِدَةٌ ثالِثةٌ:

- ‌ فائِدةٌ رابِعَةٌ:

- ‌فَصْلٌ في أحكام تتعلق بالأولياء رضي الله عنهم

- ‌ تَنبِيهٌ:

- ‌ تَنبِيهٌ:

- ‌فَصْلٌ

- ‌ تَتِمَّةٌ:

- ‌ تَتِمَّةٌ

- ‌ تنبِيْهٌ:

- ‌ فائِدَةٌ لَطِيْفَةٌ:

- ‌فَصْلٌ

- ‌ تَتِمَّةٌ:

- ‌فَصْلٌ

- ‌ تَتِمَّةٌ:

- ‌ تنبِيْهٌ أَوَّلٌ:

- ‌ تنبِيْهٌ ثانٍ:

- ‌[فائدة]

- ‌ فائِدَةٌ أُخْرَىْ:

- ‌ فائِدَةٌ ثالِثةٌ:

- ‌ فائِدَةٌ رابِعَةٌ:

- ‌ فائِدَةٌ خامِسَةٌ:

- ‌ فائِدَةٌ سادِسَةٌ:

- ‌ فائِدَةٌ سابِعَةٌ:

- ‌ فائِدَةٌ ثامِنةٌ:

- ‌ فائِدَةٌ تاسِعَةٌ:

- ‌ فائِدَةٌ عاشِرَةٌ:

- ‌ فائِدَة حاديةَ عَشْرَةَ:

- ‌ فائِدَةٌ ثانِيةَ عَشْرَةَ:

- ‌ فائِدَةٌ ثالِثَةَ عَشْرَةَ:

- ‌ فائِدَةٌ رابِعَةَ عَشْرَةَ:

- ‌ فائِدَةٌ خامِسَةَ عَشْرَةَ:

- ‌ فائِدَةٌ سادِسَةَ عَشْرَةَ:

- ‌ فائِدَةٌ سابِعَةَ عَشْرَةَ:

- ‌ فائِدَةٌ ثامِنَةَ عَشْرَةَ:

- ‌ فائِمَةٌ تاسِعَةَ عَشْرَةَ:

- ‌ فائِدَةٌ مُتَمِّمَةُ الْعِشْرِيْنَ:

- ‌ تنبِيْهٌ نَفِيْسٌ:

- ‌ تَتِمَّةٌ مُهِمَّةٌ، وَخاتِمَةٌ حَسَنَةٌ:

- ‌(4) باب التَّشَبُّه بِالشَّهَدَاءِ

- ‌عوداً على بدء:

- ‌ تَنْبِيْهٌ:

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌ تنبِيْهٌ:

- ‌ تَنْبِيْهٌ:

- ‌فَصْلُ

- ‌ تنبِيْهٌ:

- ‌فَصْلُ

- ‌فَصْلٌ

الفصل: ‌ ‌فَصْلٌ أولو الألباب من الأولياء والصالحين على قسمين: صديقون، وأبرار. فإما الصديقون،

‌فَصْلٌ

أولو الألباب من الأولياء والصالحين على قسمين: صديقون، وأبرار.

فإما الصديقون، فهم الذين لا يريدون من الله غيره، وسيأتي الكلام على أخلاقهم، وهم أشرف الأولياء، وأكمل الصالحين، وأعقل أولي الألباب.

وأمَّا الأبرار فهم الذين لا يريدون من غيره شيئًا، ولكن يريدونه، ويريدون منه ثوابه المعدَّ لهم في الآخرة، وهي إرادة محمودة لقوله تعالى:{وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا} [الإسراء: 19].

وذكر سبحانه الأبرار، وما أعد لهم، ثم قال:{إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا} [الإنسان: 22].

وقال تعالى: {وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ} [آل عمران: 198].

وينبغي أن نذكر جملة من أخلاقهم وأعمالهم، وإن كانت داخلة في أخلاق الصالحين والأولياء وأعمالهم، أو هي هي؛ فإن العمل الصالح

ص: 368

والخلق الحسن إذا كان مضافاً إلى قوم ممدوحين كانت النفس أرغب فيه من هذه الحيثية، وإن كان هو في نفسه محبوبًا وفيه مرغوبًا.

وقد أثنى الله تعالى على قوم طلبوا الحشر مع الأبرار، وسماهم أولي الألباب، فقال تعالى:{إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران: 190، 191] إلى قوله - حكايته عنهم -: {رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ} [آل عمران: 193]؛ أي: مصاحبين لهم، معدودين في زمرتهم، وذلك يدل على أنهم كانوا معهم في الدنيا، ولو بالأعمال والمحبة.

ونقل القرطبي في "تفسيره" قوله تعالى: {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا} [الفرقان: 27] عن مالك بن دينار رحمه الله قال: إنك أن تنقل الأحجار مع الأبرار، خير لك من أن تأكل الخبيص مع الفجَّار، وأنشد:[من الطويل]

وَصاحِبْ خِيارَ النَّاسِ تَنْجُ مُسَلَّماً

وَصاحِبْ شِرارَ النَّاسِ يَوْما فَتَنْدَما (1)

وروى ابن أبي شيبة في "مصنفه" عن طلحة بن يحيى قال: كنت

(1) انظر: "تفسير القرطبي"(13/ 27).

ص: 369

جالسا عند عمر بن عبد العزيز رحمه الله، فدخل عليه عبد الأعلى بن هلال، فقال: أبقاك الله يا أمير المؤمنين ما دام البقاء خيراً لك، قال: قد فرغ من ذلك يا أبا النضر، ولكن قل: أحياك الله حياة طيبة، وتوفاك مع الأبرار (1).

وروى أبو نعيم في "الحلية" عن إسماعيل بن عبيد الله: أنَّ أبا الدرداء رضي الله عنه كان يقول: اللهم توفني مع الأبرار، ولا تبقني مع الأشرار (2).

وعن أنس رضي الله عنه قال: كان بعضنا يدعو لبعض: جعل الله عز وجل عليكم صلاة قوم أبرار يقومون الليل، ويصومون النهار، ليسوا بأثَمَةٍ ولا فجار (3).

ورواه ابن السُّنِّي، ولفظه: كان أحدنا إذا دعا لأخيه فاجتهد قال: جعل الله عليك صلاة قوم أبرار يقومون الليل، ويصومون النهار، ليسوا بأَثَمَةٍ ولا فجار (4).

وروى أبو نعيم عن مغيرة قال: كنا إذا قلنا لعبد الرحمن بن أبي نعم: كيف أنت يا أبا الحكم؟ قال: إن نكن أبراراً فكرام أتقياء، وإن نكن فجاراً فلئام أشقياء (5).

(1) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف"(7/ 157).

(2)

رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء"(1/ 220).

(3)

رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء"(2/ 34).

(4)

رواه ابن السني في "عمل اليوم والليلة"(ص: 165).

(5)

رواه أبو نعيم في "حلية أولياء"(5/ 69).

ص: 370

وروى الخرائطي في "مكارم الأخلاق" عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: من ينصف الناس من نفسه، يعطى الظفر في أمره، والذل في الطاعة، أقرب إلى البر من التعزز في المعصية (1).

وقد أمرنا الله تعالى بالبر والتعاون عليه بقوله: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} [المائدة: 2].

قال القشيري رضي الله عنه في الآية: البر فعل ما أمرت به، والتقوى ترك ما نهيت عنه (2).

وهو مروي عن الربيع بن أنس. أخرجه عبد بن حميد (3).

وأراد رحمه الله تعالى بهذا التفسير دفع المغايرة بين اللفظين، المستلزمة للتكرار، وإلا فإن التقوى في الأصل بمعنى الحذر، والبر هو "الإحسان قولًا وعملًا ونية، والحذر من المعصية داخل فيه؛ فالتقوى من البر، والبر هو الإحسان؛ قال الله تعالى:{وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا} [فصلت: 33]؛ فالمحسنون هم الصالحون، وقد علمت محل التقوى بهم، وهم الأبرار -أيضًا- كما علمت.

وقال الله تعالى: {وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى} [البقرة: 189]؛ أي: بر من أتقى.

(1) رواه الخرائطي في "مكارم الأخلاق"(ص: 81).

(2)

انظر: "تفسير القشيري"(1/ 247).

(3)

كذا عزاه السيوطي في "الدر المنثور"(3/ 11) إلى عبد بن حميد.

ص: 371

وفيه: أن الإحسان الصوري ليس معتدًا به حتى يكون مقرونا بتقوى القلب، ولذلك جمع الله بينهما في قوله:{وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} [المائدة: 2].

واعلم أنَّ الله تعالى أمرنا في هذه الآية بالبر والتقوى، ولم يذكر ثوابهما فيها، وإنما ذكره في آيات أخر، فقال تعالى:{إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} [النحل: 128].

قال الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى في هذه الآية: اتقوا فيما نهاهم الله عنه، وأحسنوا فيما أمرهم الله به.

وهذا أعم مما رواه عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن الحسن أنه قال في الآية: اتقوا فيما حرم الله عليهم، وأحسنوا فيما افترض الله عليهم (1).

وهو موافق لما ذكره القشيري في الآية السابقة.

والمراد بهذه المعية معية الكَلأَة والحفظ، بحيث يكون العبد بالله في حركاته وسكناته، لا معية القدرة المشار إليها في قوله تعالى:{وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} [الحديد: 4]؛ فإنها قد تكون للإضلال والانتقام.

قال ممشاء الدينوري رضي الله عنه: رأيت ملكا من الملائكة يقول لي: من

(1) رواه عبد الرزاق في "تفسيره"(2/ 364)، والطبري في "التفسير"(14/ 198)، وعزاه السيوطي في "الدر المنثور"(5/ 180) إلى سعيد بن منصور، وابن أبي حاتم.

ص: 372

كان مع الله فهو هالك إلا رجلًا واحدًا، قلت: ومن هو؟ قال: من كان الله تعالى معه.

وهو قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} [النحل: 128].

فمن تشبه بالأبرار والمحسنين كان الله تعالى معه بالكلأة والحفظ والمعونة؛ لأنه كان مع الله بالبر والحفظ لحقوقه، فكان الله له في سائر أموره جزاءً وفاقا من جنس العمل {هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ} [الرحمن: 60].

وقيل: ما جزاء من يحب إلا أن يُحب.

وقال الله تعالى: {يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} [المائدة: 54]، {وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [المائدة: 93].

وروى الأصبهاني في "الترغيب" عن سليم بن أخضر قال: أردت السفر إلى مكة، فأتيت ابن عون لأودعه، فقال: يا سليم! اتقِ الله، وعليك بالإحسان؛ فإن المحسن معانٌ:{إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} [النحل: 128](1).

وروى أبو نعيم عن عبد المعز بن سليمان، عن مالك بن دينار، قال: كنت عند أنس رضي الله عنه إذ جاءه شيخ، فاستأذن عليه، فقام وتوكأ على عصاه من الكبر، فقال: يا أبا حمزة! لقد أعهدك بين ظهراني قوم ليسوا

(1) ورواه ابن عساكر في "تاريخ دمشق"(31/ 362).

ص: 373

كقوم أنت بين ظهرانيهم اليوم، قال: يا أخي! {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} (1).

وفي كلامه إشارة إلى أن المحسن في حفظ الله ومعونتهِ، سواء كان في محسنين أو غيرهم، وسواء كان في زمان صالح، أو غير صالح، فلا يمنع كدر الزمان، وقلة الخير حفظ الله إياهم، ومعونته لهم، وإنهم لا يضامون كيف كانوا، ومتى كانوا.

وقال الله تعالى: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [يونس: 26].

روى ابن أبي شيبة، والدارقطني في "الرؤية"، وآخرون عن أبي بكر الصديق، وعن حذيفة، وابن مردويه عن علي بن أبي طالب، والدارقطني، والبيهقي، وغيرهما عن أبي موسى الأشعري، والبيهقي في "الأسماء والصفات"، وغيره عن ابن عباس، وابن أبي حاتم، واللالكائي في "السنة" عن ابن مسعود، والدارقطني عن قتادة، وعن الضحاك، وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وعن عامر بن سعد البجلي، وعن السدي، وعن أبي إسحاق السبيعي، وعن عبد الرحمن بن سابط: أنَّ {الْحُسْنَى} : الجنة، و {وَزِيَادَةٌ} [يونس: 26]: النظر إلى وجه الله تعالى (2).

(1) رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء"(6/ 245).

(2)

رواه الدارقطني في "رؤية الله"(ص: 155) عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه.

ورواه ابن أبي شيبة في "المصنف"(34806)، والدارقطني في "رؤية الله" =

ص: 374

ورواه الدارقطني عن أبي موسى، وعن أبي بن كعب، وعن أنس، واللالكائي، والبيهقي في "الاعتقاد"(1) عن كعب بن عجرة، وابن مردويه عن ابن عمر، وأبو الشيخ عن أبي هريرة، والدارقطني، وابن مردويه عن صهيب رضي الله عنه مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم (2).

وهو حديث صهيب عند مسلم، والترمذي، وابن ماجه، وابن خزيمة، وابن حبان في "صحيحيهما"، وغيرهم: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا

= (ص: 157) عن حذيفة رضي الله عنه.

ورواه الدارقطني في "رؤية الله"(ص: 68)، والبيهقي في "البعث والنشور"(1/ 461) عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.

ورواه البيهقي في "الأسماء والصفات"(1/ 218) عن ابن عباس رضي الله عنه.

ورواه ابن أبي حاتم في "التفسير"(6/ 1945)، واللالكائي في "اعتقاد أهل السنة"(3/ 459) عن ابن مسعود رضي الله عنه.

ورواه الدارقطني في "رؤية الله"(ص: 161 - 164) عن قتادة، وعن الضحاك، وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وعن عامر بن سعد البجلي، وعن السدي، وعن أبي إسحاق السبيعي، وعن عبد الرحمن بن سابط.

(1)

في "م": "الرؤية".

(2)

رواه الدارقطني في "رؤية الله"(ص: 67) عن أبي موسى رضي الله عنه، و (ص: 149) عن أبي بن كعب، و (ص: 76) عن أنس رضي الله عنه، ورواه اللالكائي في "اعتقاد أهل السنة"(3/ 457)، والبيهقي في "الاعتقاد" (ص: 124) عن كعب بن عجرة رضي الله عنه، والدارقطني في "رؤية الله" (ص: 132) عن صهيب رضي الله تعالى عنهم.

ص: 375

هذه الآية: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} [يونس: 26] قال: "إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الجَنّةِ الجَنَّةَ، وَأَهْلُ النَّارِ النَارَ نَادَى مُنَادٍ: يَا أَهْلَ الجَنَّةِ! إِنَّ لَكُمْ عِنْدَ اللهِ مَوعِدًا يُرِيدُ أَنْ يُنْجِزكُمُوهُ، فَيقولُونَ: وَمَا هُوَ؟ ألمْ يُثَقِّلْ مَوَازِيْنَنَا، وَيُبيِّضْ وُجُوهَنَا، ويُدخِلْنَا الجَنَّةَ، وُيزَحْزِحْنَا عَنِ النَّارِ؟ قَالَ: فَيُكْشَفُ لَهُمُ الحِجَابُ، فَينظُرُونَ إِليْه، فَوَاللهِ مَا أَعْطَاهُمُ اللهُ شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنْ النَّظَرِ إِلَيْهِ"(1).

وقال الله تعالى: {وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ (30) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ} [النحل: 30، 31].

وقال تعالى: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (114) وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} [هود: 114، 115].

وهذه الآية تلويح بأن البر والإحسان يكفر الإساءات والفجرات، وأنَّ المحسن لا بد أن يُوفَّى أجره، إلا أن للثواب أجلاً، فهو يحتاج إلى الصبر على أمر الله تعالى، وبالصبر تمام البر والإحسان.

ومن الآيات الواردة في ثواب الأبرار -وهم أهل "الإحسان بأعيانهم-

(1) رواه مسلم (181)، والترمذي (3105)، وابن ماجه (187)، وابن حبان في "صحيحه"(7441).

ص: 376

قوله تعالى: {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (22) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ} [المطففين: 22، 23]؛ أي: ينظرون إلى ما يسرهم، أو إلى الله تعالى، وهو موافق لما ذكره في جزاء المحسنين من تفسير الزيادة بالنظر إلى وجه الله تعالى.

ثم قال عز وجل: {تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (24) يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (25) خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ} [المطففين: 24 - 26]، وفيه إرشاد إلى مشاركة الأبرار في برهم لتحصل المشاركة في ثوابهم.

قال تعالى: {وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (27) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ} [المطففين: 27، 28].

قال ابن عباس: تسنيم: أشرف شراب أهل الجنة، وهو صرف للمقربين، وممزوج لأصحاب اليمين. رواه عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي (1).

وقال ابن مسعود في قوله: {وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ} : عين في الجنة تمزج لأصحاب اليمين، ويشربها المقربون صرفًا. رواه ابن المبارك، وابن أبي شيبة، وسعيد بن منصور، وابن المنذر، وابن أبي حاتم (2).

(1) رواه عبد الرزاق في "التفسير"(3/ 357)، وابن أبي حاتم في "التفسير"(10/ 3410)، والبيهقي في "البعث والنشور"(1/ 338)، وعزاه السيوطي في "الدر المنثور"(8/ 452) إلى سعيد بن منصور، وابن المنذر.

(2)

رواه ابن المبارك في "الزهد"(1/ 534)، وابن أبي حاتم في "التفسير"(10/ 3410)، وعزاه السيوطي في "الدر المنثور"(8/ 452) إلى ابن أبي شيبة، وسعيد بن منصور، وابن المنذر.

ص: 377

وقال حذيفة بن اليمان رضي الله عنه: تسنيم: عين في عدنٍ يشرب بها المقربون صرفًا، وتجري تحتهم أسفل منهم إلى أصحاب اليمين، فيمزج بها أشربتهم كلها؛ الماء، والخمر، واللبن، والعسل، يطيب بها أشربتهم. رواه ابن المنذر (1).

وأصحاب اليمين هم الأبرار، والمقربون هم الصديقون، كما سيأتي، وهم أفاضل أهل الجنة، فلذلك كان شرابهم أفضل شراب الجنة.

قال عكرمة: التسنيم أفضل شراب أهل الجنة، ألم تسمع يقال للرجل: إنه لفي سنام من قومه؟ رواه عبد بن حميد (2).

وقال الله تعالى: {لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ (198)} [آل عمران: 198]، وهم الذين اتقوا ربهم فبروه، وأطاعوه.

وفي قوله: {فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} من التخصيص والتشريف ما لا يخفى.

والنزل: ما أُعِدَّ للنازل من طعام، أو شراب، أو صلة.

وقال تعالى: {إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (5) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا} إلى قوله: {فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (11) وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا} إلى قوله: {وَإِذَا رَأَيْتَ

(1) كذا عزاه السيوطي في "الدر المنثور"(8/ 452) إلى ابن المنذر.

(2)

كذا عزاه السيوطي في "الدر المنثور"(8/ 451) إلى عبد بن حميد.

ص: 378

ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا} [الإنسان: 5 - 20].

قال مجاهد: هو استئذان الملائكة عليهم لا يدخل عليهم إلا بإذن. رواه ابن جرير، والبيهقي، وغيرهما (1).

قال تعالى: {عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا (21) إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا} [الإنسان: 21، 22].

قال قتادة: لقد شكر الله سعيا قليلاً. رواه عبد الرزاق، وابن جرير (2).

أشار قتادة إلى أن البَرَّ مهما عمل في الدنيا من أعمال البِر، فإنه قليل بالنسبة إلى ما يقابله من ثواب الآخرة، وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل، وهذا لأن الله تعالى من كرمهِ يقبل القليل، ويجازي عليه بالكثير.

وقال الله تعالى: {وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ} [الواقعة: 27]، فخَّم أمرهم، وعظم شأنهم، والمراد بهم الأبرار؛ لأنه قسَّمَ في هذه السورة إلى ثلاثة أقسام: السابقين وهم المقربون، وأصحاب اليمين، وأصحاب الشمال، فوصف ما للمقربين، ثم وصف ما للأبرار بقوله:{(27) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (28) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (29) وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (30)}

(1) رواه الطبري في "التفسير"(29/ 221)، والبيهقي في "البعث والنشور"(1/ 416).

(2)

رواه عبد الرزاق في "المصنف"(3/ 339)، والطبري في "التفسير"(29/ 224).

ص: 379

{وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ (31) وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (32) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ (33) وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (34) إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (35) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (36) عُرُبًا أَتْرَابًا (37) لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ (38) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ} [الواقعة: 27 - 39].

قال أبو بكرة رضي الله عنه: هما جميعًا من هذه الأمة. رواه أبو داود الطيالسي، وغيره (1).

وأخرجه عبد الرزاق، وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما (2).

وإنَّما سمي الأبرار أصحاب اليمين لوقوعهم في اليمين من القبضتين؛ أي: المباركة.

روى الإِمام أحمد عن معاذ بن جبل رضي الله عنه: أن رسول صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية: " {وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ} [الواقعة: 27]، {وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ} [الواقعة: 41]، فقبض بيديه قبضتين، فقال: هَذهِ في الجَنَّةِ وَلا أُبَالِي، وَهَذ في النَّارِ وَلا أُبَالِي"(3).

وروى هو، والبزار، والطبراني، والآجري في "الشريعة" عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ اللهَ جَلَّ ذِكْرُهُ يَومَ خَلَقَ

(1) رواه الطيالسي في "المسند"(886).

(2)

انظر: "الدر المنثور" للسيوطي (8/ 19).

(3)

رواه الإِمام أحمد في "المسند"(5/ 239). قال الهيثمي في "مجمع الزوائد"(7/ 120): فيه البراء بن عبد الله الغنوي، قال ابن عدي: وهو أقرب عندي إلى الصدق منه إلى الضعف، وبقية رجاله رجال الصحيح إلا أن الحسن لم يسمع من معاذ.

ص: 380

آدَمَ عليه السلام قَبَضَ مِنْ صُلْبِهِ قَبضَتَيْنِ، فَوَقَعَ كُلُّ طَيِّبٍ في يَمِيْنهِ، وَكُلُّ خَبِيْث بِيَدهِ الأُخْرَى، فَقَالَ: هَؤُلاءِ أَصْحَابُ الجَنَّةِ وَلا أُبالِي، وَهَؤُلاءِ أَصْحَابُ النَّارِ وَلا أُبَالِي، ثُمَّ أَعَادهمْ في صُلْبِ آدَمَ، فَهُمْ يَنْسِلُونَ عَلى ذَلِكَ إِلى الآن" (1).

وروى الإِمام مالك في "موطئه"، والإمام أحمد، والبخاري في "تاريخه"، وأبو داود، والترمذي وحسنه، والنسائي، وآخرون عن مسلم ابن يسار الجهني رحمه الله: أنَّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه سُئِلَ عن هذه الآية: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} [الأعراف: 172] الآية، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل عنها، فقال:"إِنَّ الله خَلَقَ آدَمَ، ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ بِيَمِيْنهِ، فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَةً، فَقَالَ: خَلَقْتُ هَؤُلاءِ لِلجَنَّةِ، وَبِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ يعْمَلُون، ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ، فَاستَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَةً، فَقَالَ: خَلَقْتُ هَؤُلاءِ لِلنَّارِ، وَبِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ يَعْمَلُونَ"، فقال الرجل: يا رسول الله! ففيم العمل؟ فقال: "إِن الله إِذَا خَلَقَ العَبْدَ لِلجَنَّةِ اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ حَتَّى يَمُوْتَ عَلى عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ الجَنَّةِ، فَيُدْخِلَهُ اللهُ الجَنَّةَ، وَإِذَا خَلَقَ العَبْدَ لِلنَّارِ اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى يَمُوتَ عَلى

(1) رواه البزار في "المسند"(3032)، والطبراني في "المعجم الأوسط"(9375)، والآجري في "الشريعة" (2/ 752). قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (8/ 186): رواه البزار والطبراني في "الكبير" و"الأوسط" وفيه روح بن المسيب، قال ابن معين: صويلح، وضعفه غيره.

ص: 381

عَمَل مِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ النَّار، فَيُدْخِلَهُ اللهُ النَارَ" (1).

وروي حديث القبضتين عن ابن عباس، وأبي أمامة، وهشام بن حكيم، وابن عمرو، وعبد الله بن أبي قتادة السلمي، وأبي الدرداء، وأبي سعيد الخدري، وابن عمر، وأبي هريرة، وأنس، وغيرهم رضي الله تعالى عنهم (2).

والمقربون -وهم السابقون، والصديقون، والمصطفون الأخيار- خواص أصحاب اليمين والأبرار، إلا أنهم استخلصوا منهم، وخصُّوا، فتميزوا عنهم بهذه الأوصاف.

وأول البر التوفيق من الله تعالى إليه، وقد قيل في الحكم: التوفيق خير قائد (3).

فإذا استنارت القلوب بتوفيق الله تعالى، واستضاءت بالتصديق به، أبصرت، فأرسلت الجوارح في البر، كما قال أبو بكر محمَّد بن حامد الترمذي رحمه الله تعالى: إذا تمكنت الأنوار في السر، نطقت الجوارح بالبر. رواه السلمي في "طبقاته"(4).

(1) رواه الإمام مالك في "الموطأ"(2/ 898)، والإمام أحمد في "المسند"(1/ 44)، والبخاري في "التاريخ الكبير"(8/ 97)، وأبو داود (4703)، والترمذي (3075) وحسنه، والنسائي في "السنن الكبرى"(11190).

(2)

انظر: "مجمع الزوائد" اللهيثمي (7/ 186).

(3)

رواه البيهقي في "شعب الإيمان"(4661) من قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

(4)

رواه السلمي في "طبقات الصوفية"(ص: 218).

ص: 382

وأعظم أخلاق الأبرار حسن الخلق؛ لما رواه مسلم، والترمذي عن النواس بن سَمعان رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البر والإثم، فقال:"البِرُّ حُسْنُ الخُلُقِ، وَالإِثْمُ مَا حَاكَ [في] صَدْرِكَ، وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ النَّاسُ عَليْهِ"(1).

وروى الإِمام أحمد، وأبو نعيم عن وابصة بن معبد رضي الله عنه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وأنا أريد أن لا أدع شيئًا من البر والإثم إلا سألته عنه، فجعلت أتخطى، فقالوا: إليك يا وابصة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: دعوني [فدنوتُ (2) منه، فإنه من أَحَبِّ الناس إلى أن أَدْنُوَ منه. فقال لي: "ادْنُ، يا وَابِصَةُ! " فَدَنَوْتُ حتى مَسَّتْ ركبتي رُكْبَتَهُ. فقال: "يا وَابِصَةُ! أُخْبِرُكَ ما جِئْتَ تسألني عنه؟ " فقلت: أخبرني يا رَسُولَ اللهِ! ، قال: "جِئْتَ تسألني عَنِ الْبِرِّ وَالإِثْمِ"، قلت: نعم، قال: فَجَمَعَ أَصَابِعَهُ ثمَّ جَعَلَ يَنْكُتُ بها في صدري، وَيقُولُ: "يا وَابِصَةُ! اسْتَفْتِ قلبَكَ، استفتِ نفسَكَ، الْبِرُّ ما اطْمَأَنَّ إليه الْقَلْبُ، وَاطْمَأَنَّتْ إليه النَّفْسُ، وَالإِثْمُ ما حَاكَ في الصَّدْرِ، وَتَرَدَّدَ في النَّفسِ، وإن أَفْتَاكَ الناس وَأَفْتَوْكَ] " (3).

(1) رواه مسلم (2553)، والترمذي (2389).

(2)

من هنا سقط في النسخة الخطية للمؤلف والمرموز لها بـ "م"، والاستدراك من النسخة "ت"، وهو بمقدار عشر لوحات.

(3)

رواه أحمد في "المسند"(4/ 228)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء"(2/ 24).

ص: 383

وروى الترمذي، والحاكم، والطبراني -بسندين جيدين- عن أبي عامر الأشعري -ويقال: المسكوني- رضي الله تعالى عنه قال: قلت: يا رسول الله! ما تمام البر؟

قال: "أَنْ تَعْمَلَ في السِّرِّ عَمَلَ العَلانِيَةِ"(1).

ومعناه: إخلاصُ القلب في سائر الأعمال.

وإليه الإشارة بقوله تعالى حكايته عن الأبرار: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ} [الإنسان: 9].

وأعظم أعمال الأبرار: الصلاة.

ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: "صَلاةٌ عَلى إِثْرِ صَلاةٍ لا لَغْوَ بَيْنَهُما كِتابٌ في عِليّينَ". رواه الإِمام أحمد، وأبو داود عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه (2).

وكلُّ ما كان مكتوبا في عليّين فهو من أعمال البر لقوله تعالى: {كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (18) وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ (19) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (20) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ} [المطففين: 18 - 21].

وروى ابن أبي شيبة عن مكحول رحمه الله تعالى بلاغا: أن النبي صلى الله عليه وسلم

(1) رواه الحكيم الترمذي في "نوادر الأصول"(2/ 270)، والطبراني في "المعجم الكبير"(22/ 317).

ورواه الطبراني في "المعجم الكبير"(3420) عن أبي مالك الأشعري. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد"(10/ 290) - عن الحديثين -: رواه الطبراني وفيه عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، وهو ضعيف لم يتعمد الكذب.

(2)

رواه الإِمام أحمد في "المسند"(5/ 263)، وأبو داود (1288).

ص: 384

قال: "مَنْ صَلَّى بَعْدَ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَينِ قَبلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ كُتِبَتْ صَلاتُهُ في عِلِّيِّينَ"(1).

وروى الطبراني في "الكبير" -بسند قريب- عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"منْ تَوَضَّأَ ثُمَّ أتى الْمَسْجِدَ، فَصَلَّى رَكْعَتَينِ قَبْلَ الفَجْرِ، ثُمَّ جَلَسَ حَتَّى يُصَلِّيَ الفَجْرَ، كُتِبتْ صَلاتُهُ يَوْمَئِذِ في صَلاةِ الأَبْرارِ، وَكُتِبَ في وَفْدِ الرَّحْمَنِ"(2).

وفي "الأوسط" عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة: "اهْجُرِي الْمَعاصِيَ؛ فَإِنَّها خَيْرُ الْهِجْرَةِ، وَحافِظِي عَلى الصَّلَواتِ؛ فَإِنَّها خَيْرُ البِرِّ"(3).

وروى سعيد بن منصور في "سننه" عن أبي عمار رحمه الله تعالى -مرسلاً- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِذا قامَ العَبْدُ في صَلاتِهِ ذُرَّ البِرُّ عَلى رَأْسِهِ حَتَّى يَرْكَعَ، فَإِذا رَكَعَ ذُرَّتْ عَلَيهِ الرَّحْمَةُ حَتَّى يَسْجُدَ، وَالسَّاجِدُ يَسْجُدُ عَلى قَدَمَيْ اللهِ؛ فَلْيَسْأَلْ وَلْيَرْغَبْ".

والمراد بالبر هنا: "الإحسان من الله تعالى المجازى به العبد على الصلاة التي هي أفضل البر، والقدم من الصفات الواردة.

(1) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف"(5935).

(2)

رواه الطبراني في "المعجم الكبير"(7766). قال الهيثمي في "مجمع الزوائد"(2/ 41): فيه القاسم أبو عبد الرحمن، وهو مختلف في الاحتجاج به.

(3)

رواه الطبراني في "المعجم الأوسط"(4077). قال الهيثمي في "مجمع الزوائد"(1/ 302): فيه محمَّد بن يحيى بن يسار، وهو ضعيف.

ص: 385

وفيها المذهبان: التصديق مع التسليم (1).

والمراد: المبالغة في تقريب العبد إلى الله تعالى بالسجود لقوله صلى الله عليه وسلم: "أَقْرَبُ ما يَكُونُ العَبْدُ مِنْ رَبهِ إِذا كانَ ساجِداً"(2).

وروى ابن أبي الدنيا عن مالك بن دينار رحمه الله تعالى قال: كان الأبرار يتواصون بثلاث: سجن اللسان، وكثرة الاستغفار، والعزلة (3).

وروى الدارقطني في "الأفراد"، والطبراني في "الكبير" عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خَيْرُ أَبْوابِ البِرِّ الصَّدَقَةُ"(4).

وهي شاملة لكل نفقة، وإذا كانت مما يحب العبد فهي أفضل.

قال الله تعالى: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} [آل عمران: 92].

روى الإمامان؛ مالك وأحمد، والشيخان؛ البخاري، ومسلم، والنسائي، وغيرهم عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: كان أبو طلحة رضي الله تعالى عنه أكثر أنصاري بالمدينة نخلاً، وكان أحب أمواله

(1) لم يذكر المذهب الثاني: ولعله: الإثبات مع التأويل.

(2)

تقدم تخريجه.

(3)

رواه ابن أبي الدنيا في "العزلة والانفراد"(ص: 101).

(4)

رواه الدارقطني في "الأفراد" كما في "أطراف الغرائب والأفراد"(3/ 154)، والطبراني في "المعجم الكبير" (12834). قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (3/ 110): وفيه من لم أعرفه.

ص: 386

إليه بَيْرُحاء، وكانت مستقبلة المسجد، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب، فلما نزلت:{لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 92] قال أبو طلحة: يا رسول الله! إن الله تعالى يقول: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 92]، وإن أحب أموالي إليَّ بيرحاء، وإنها صدقة لله أرجو برَّها وذخرها عند الله؛ فضعها يا رسول الله حيث أراك الله.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ذاكَ مالٌ رابحٌ، ذاكَ مالٌ رابحٌ، وَقَدْ سَمِعْتُ ما قُلْتَ، وَإِنيِّ أَرى أَنْ تَجْعَلَها في الأَقْرَبِينَ".

فقال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه (1).

وروى ابن جرير، وابن المنذر، والثعلبي عن مجاهد قال: كتب عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه إلى أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه أن يبتاع له جارية من سبي جلولاء يوم فتحت مدائن كسرى في قتال سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه، فدعا بها عمر، فأعجبته، فقال عمر رضي الله تعالى عنه: إن الله تعالى يقول؛ {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 92]، فأعتقها عمر (2).

(1) رواه الإِمام مالك في "الموطأ"(2/ 995)، والامام أحمد في "المسند"(3/ 141)، والبخاري (1392)، ومسلم (998)، والنسائي في "السنن الكبرى"(11066).

(2)

رواه الطبري في "التفسير"(3/ 347)، والثعلبي في "التفسير"(3/ 110).

ص: 387

وروى البزار عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: حضرتني هذه الآية: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 92] فذكرت ما [أ] عطاني الله، فلم أجد شيئًا أحب إلى من مرجانة -جارية لي رومية- فقلت: هي حرة لوجه الله تعالى، فلو أني أعود في شيء جعلتُه لله لنكحتها، فأنكحها نافعًا (1).

وروى الإِمام أحمد في "الزهد"، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: قرأ ابن عمر رضي الله تعالى عنهما وهو يصلي، فأتى على هذه الآية:{لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 92]، وأعتق جارية له وهو يصلي؛ أشار إليها بيده (2).

و[روى] ابن المنذر عن نافع قال: كان ابن عمر رضي الله تعالى عنهما يشتري الشُكر، فيتصدق به، فنقول له:[لو] اشتريت لهم بثمنه طعامًا كان أنفع لهم من هذا.

فيقول: إني أعرف الذي تقولون، ولكني سمعت الله يقول:{لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 92]، [وابن عمر يحب السكر](3).

(1) قال الهيثمي في "مجمع الزوائد"(6/ 326): رواه البزار وفيه من لم أعرفه.

(2)

رواه الإِمام أحمد في "الزهد"(ص: 194)، وابن أبي حاتم في "التفسير"(3/ 704).

(3)

انظر: "الدر المنثور" للسيوطي (2/ 262).

ص: 388

وروى الإِمام أحمد في "الزهد" عن الربيع بن خُثيم رحمه الله تعالى: أن سائلًا وقف ببابه، فقال: أطعمني سكرًا.

فقالوا: ما يصنع هذا بسكر؟ نطعمه خبزاً أنفع له.

قال: ويْحَكُم! أطعموه سُكَّرًا؛ فإن الربيع يُحِبُّ السكر (1).

وعنه أيضًا: أن سائلاً جاءه في ليلة بردة، فخرج إليه، فرآه كأنه مقرور، فقال:{لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 92]، فنزع برتشاً له، فأعطاه إياه (2).

والنفقة في الآية شاملة الصدقة على المحتاجين وعلى غيرهم، وعلى الأقارب وعلى غيرهم، وعلى الأرقاء وعلى غيرهم، وعلى الجيران وعلى غيرهم، ثم هي على الأقارب والجيران والمحتاجين أفضل، وفي حديث أنس (3) إشارة إليه.

وروى أبو الحسن بن جهضم في "بهجة الأسرار" عن بشر بن الحارث أنه قال: ليس شيء من أعمال البر أحبَّ إليَّ من السخاء، ولا أبغضَ إليَّ من الضيق وسوء الخلق (4).

(1) ورواه ابن أبي شيبة في "المصنف"(34863)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء"(2/ 115).

(2)

انظر: "تفسير الثعلبي"(3/ 111).

(3)

تقدم قريبًا.

(4)

ورواه البيهقي في "شعب الإيمان"(10913).

ص: 389

والكلام الثاني منقطع عن الكلام الأول؛ فليس الضيق وسوء الخلق من أعمال البر في شيء.

وتقديره: ولا من أعمال الإثم شيء أبغض إلى من الضيق وسوء الخلق.

واختلف المفسرون في قوله تعالى: {لَنْ تَنَالُوا} [آل عمران: 92]؛ فقال ابن مسعود، وابن عباس، ومجاهد، ومسروق، وعمرو بن ميمون، والسدي: البر: الجنة (1).

والتقدير على هذا القول: لن تنالوا ثواب البر؛ أي: لن تصلوا إلى الجنة، وتعطَوها حتى تنفقوا مما تحبونه؛ أي: تؤدوا زكاة أموالكم والحقوق التي فيها عليكم من أحبها إليكم.

وقال عطية العوفي في البر: الطاعة.

وقيل: العمل الصالح.

وقال الحسن: البر: أن تكونوا أبرارًا (2).

هذه الأقوال الأربعة متقاربة المعنى.

قلت: ولقد بين الله تعالى البر، وليس بعد بيانه بيان؛ فقال تعالى: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ

(1) رواه الطبري في "التفسير"(3/ 347) عن عمرو بن ميمون، والسدي.

ورواه ابن أبي حاتم في "التفسير"(3/ 703) عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.

(2)

انظر: "تفسير الثعلبي"(3/ 109).

ص: 390

بِاللَّهِ} [البقرة: 177] أي: برُّ من آمنَ بالله، كما يقال: الجود حاتم؛ أي: جود حاتم، والفصاحة قيس.

أو التقدير: ولكن ذو بر من آمن بالله، كما في قوله تعالى:{هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ} [آل عمران: 163]؛ أي: ذوو درجات عند الله.

والأول أبلغ وأحسن؛ أي: {وَلَكِنَّ الْبِرَّ} [البقرة: 177] برُّ {مَنْ آمَنَ} [البقرة: 177]؛ أي: صدق {بِاللَّهِ} [البقرة: 177]، {وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} [البقرة: 177].

وبهذه الآية يُستدلُّ لما قاله محمَّد بن أحمد بن حمدون الفراء رحمه الله تعالى حين قيل له: مَن الأبرار؟ فقال: هم المتقون (1).

وقال قتادة: ذُكر لنا: أن رجلًا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البر، فأنزل الله عليه هذه الآية. رواه ابن جرير، وغيره (2).

وفي "مصنف ابن أبي شيبة" عن أبي ميسرة رحمه الله تعالى قال: من عمل بهذه الآية فقد استكمل الإيمان: {لَيْسَ الْبِرَّ} [البقرة: 177] الآية (3).

(1) رواه السلمي في "التفسير"(ص: 377).

(2)

رواه الطبري في "التفسير"(2/ 94).

(3)

رواه ابن أبي شيبة في "المصنف"(34905).

ص: 391

وفي "مصنف عبد الرزاق" عن أبي ذر رضي الله عنه: أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإيمان، فقرأ:{لَيْسَ الْبِرَّ} [البقرة: 177] الآية (1).

وروى ابن أبي حاتم، والحاكم -وصححه- عنه: أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإيمان، فتلا:{لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ} [البقرة: 177] حتى فرغ منها.

ثم سأله فتلاها، وقال:"وَإِذا عَمِلْتَ حَسَنَةً أَحَبَّها قَلْبُكَ، وإِذا عَمِلْتَ سَيئةً أَبْغَضَها قَلْبُك"(2)؛ يعني: إن ذلك من علم الإيمان.

ومن تمام البر أن تحب الحسنة وتسر بها، وتبغض السيئة وتساءَ بها، وتستغفر الله منها.

وفيه سعة عظيمة: أن ارتكاب السيئات لا يطعن في الإيمان ولا في البر ما دام العبد يساء بها.

قال صلى الله عليه وسلم: "إِذا أَسَرَّتكَ حَسَنتكَ، وَساءَتْكَ سَيِّئتُكَ، فَأَنْتَ مُؤْمِن".

رواه الإِمام أحمد، وابن حبان، والحاكم -وصححاه- والطبراني في "الكبير"، والضياء المقدسي في "المختارة" عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه، ولفظه:"مَنْ سَرتْهُ حَسَنتهُ وَساءَتْهُ سَيئتهُ، فَهُوَ مُؤْمِنٌ"(3).

(1) رواه عبد الرزاق في "المصنف"(20110). قال الحافظ في "فتح الباري"(1/ 51): رجاله ثقات.

(2)

رواه ابن أبي حاتم في "لتفسير"(1/ 287)، والحاكم في "المستدرك"(3077).

(3)

تقدم تخريجه.

ص: 392

وقوله تعالى: {وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ} [البقرة: 177]؛ أي: على حب المال. رواه ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رحمه الله تعالى (1).

وقال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه في قوله: {وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ} [البقرة: 177]: يعطي وهو صحيح شحيح، يأمل العيش ويخاف الفقر. رواه ابن المبارك في "الزهد"، وعبد الرزاق، وابن أبي شيبة، والمفسرون، وصححه الحاكم موقوفًا ومرفوعًا (2).

ويؤيده ما رواه الشيخان، وأبو داود، والنسائي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول صلى الله عليه وسلم: "أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ أَنْ تتَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيح شَحِيح، تأمَلُ البَقاءَ وَتَخْشَى الفَقْرَ، وَلا تُمْهِلَ حَتَّى إِذا [بَلَغَتِ] الْحُلْقُومَ قُلْتَ: لِفُلانٍ كَذا، لِفُلانِ كَذا؛ أَلا وَقَدْ كانَ لِفُلانٍ"(3).

قلت: وفي قوله: {عَلَى حُبِّهِ} [البقرة: 177]؛ يعني: المال: إشارةٌ إلى أن محبة المال لا تناقض البر، ولا تُخرج العبد عن كونه بارًّا إلا إذا

(1) رواه ابن أبي حاتم في "التفسير"(1/ 288).

(2)

رواه عبد الرزاق في "التفسير"(1/ 66)، وابن أبي شيبة في "المصنف"(34553)، والطبري في "التفسير"(2/ 97)، وابن أبي حاتم في "التفسير"(1/ 288)، والحاكم في "المستدرك"(3078) موقومًا.

ورواه مرفوعًا ابن عدي في "الكامل في الضعفاء"(3/ 312) وأعله بسلام بن سليمان، وأبو نعيم في "حلية الأولياء"(5/ 36) من طريق سلام أيضًا.

(3)

رواه البخاري (1353)، ومسلم (1032)، وأبو داود (2865)، ورواه النسائي (3611).

ص: 393

[منعه](1) حب المال عن إنفاقه فيما يجب عليه كما قال تعالى: {كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (17) وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (18) وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا (19) وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا} [الفجر: 17 - 20].

قال ابن عباس، وقتادة: أي: شديدًا. رواهما ابن جرير (2).

وقال الحسن في قوله: {أَكْلًا لَمًّا} [الفجر: 19]: من طيب، أو خبيث.

وفي قوله: {حُبًّا جَمًّا} [الفجر: 20]؛ فاحشًا. رواه ابن أبي حاتم (3).

وعليه يحمل حديث الحسن مرسلاً: "حُبُّ الدُّنْيا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ". رواه البيهقي في "الشعب"(4).

ويحتمل أن يكون معناه: أول كل خطيئة، أو: مبدؤها.

وروى الطبراني -بإسناد حسن- عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "منْ أُشْرِبَ حُبَّ الدُّنيا الْتاطَ مِنْها بِثَلاثٍ: شَقاءٍ لا يَنْفَدُ عَناؤُهُ، وَحِرْصٍ لا يَبْلُغُ غِناهُ، وَأَمَلٍ لا يَبْلُغُ مُنْتَهاه"(5).

وأما قوله: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ} [الإنسان: 8]؛ فقال مجاهد:

(1) كلمة غير واضحة في "ت".

(2)

رواهما الطبري في "لتفسير"(30/ 185).

(3)

رواه ابن أبي حاتم في "التفسير"(10/ 3428).

(4)

تقدم تخريجه.

(5)

رواه الطبراني في "المعجم الكبير"(10328). وحسن العراقي إسناده في "تخريج أحاديث الإحياء"(2/ 1105).

ص: 394

وهم يشتهونه. رواه البيهقي في "شعبه"، وغيرها، وفهم ذلك غيره من المفسرين (1).

وروى ابن سعد في "طبقاته" عن أم الأسود سُرِّيةِ الربيع بن خُثيم قالت: كان الربيع يعجبه السكر يأكله، فإذا جاءه السائل ناوله، فقلت: ما يصنع بالسكر؟ الخبز خير منه.

فقال: إني سمعت الله يقول: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ} [الإنسان: 8](2).

وعنده أنه يجوز أن يكون الضمير في قوله: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ} [الإنسان: 8] عائدًا إلى اسم الله تعالى لتقدمه في قوله: {عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ} [الإنسان: 6]؛ أي: يطعمون الطعام لأجل محبة الله تعالى {مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا} [الإنسان: 8، 9].

قال مجاهد: لم يقل القوم ذلك حين أطعموهم، ولكن علمه الله من قلوبهم، فأثنى عليهم به ليرغب فيه راغب. رواه البيهقي، وغيره (3).

وروى إسحاق الختلي في كتاب "الديباج" عن ثور بن يزيد قال: مكتوب في بعض الكتب: القلب المحب لله يحب النَّصَب لله (4)؛ فلا

(1) ورواه الطبري في "التفسير"(29/ 209).

(2)

رواه ابن سعد في "الطبقات الكبرى"(6/ 188) وقد تقدم نحوه قريبًا.

(3)

رواه البيهقي في "شعب الإيمان"(6897)، وكذا الطبوى في "التفسير"(29/ 211).

(4)

ورواه أبو نعيم في "حلية الأولياء"(6/ 94).

ص: 395

تظن يا ابن آدم أن قدرك رفعه البر بغير مشقة.

وروى ابن أبي الدنيا في "الإخلاص" عن داود الطائي رحمه الله تعالى قال: البر همة التقي (1)؛ ولو تعلقت جميع جوارحه بحب الدنيا لردته يوما نيته إلى أصله (2).

وقال ابن عطاء في قوله تعالى: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 92]: لن تصلوا إلى القربة وأنتم متعلقون بحظوظ أنفسكم (3).

ويجمع بينه وبين كلام الطائي بأنه في حال تعلق قلبه بالحظوظ لا بر له، غير أن لقلبه تعلقًا بربه في أصل الفطرة، فهذا لاحظته عين العناية تحركت دواعي الإيمان من قلبه فردته إلى أصل فطرته، كفرت ذنوبه فظهرت حظوظه، فإن غلب عليه ذلك فهو بَرٌّ، وإن استقام عليه فهو صِدِّيق.

وأقول: إنما كان نيل البر بإخراج بعض الباب وإنفاقها لأن الإيمان عبارة عن التصديق بالله، وبربوبيته وألوهيته، ولا يتم ذلك إلا بمحبته بدليل أن العبد لا يؤمن حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما كما في الحديث الصحيح (4)؛ فالمؤمن يدعي المحبة بإيمانه لأنها من لوازم

(1) في (ت): "التقوى" بدل "التقي".

(2)

انظر: "جامع العلوم والحكم" لابن رجب (ص: 13).

(3)

انظر: "تفسير السلمي"(1/ 107).

(4)

تقدم تخريجه.

ص: 396

الإيمان، فلا يبر في دعواه إلا بإخراج بعض محابه من قلبه لأجل الله تعالى.

وعليه: فالبر في الآية بمعنى الصديق، كما يقال: بَرٌّ في يمينه؛ أي: ذا صدق.

ويظهر حينئذ حبه تسمية كل طاعة بر لأنها تظهر بر صاحبها؛ أي: صدقه في دعواه الإيمان والمحبة كما قال تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31].

وروى ابن أبي الدنيا في كتاب "الرقة والبكاء" عن مضر رحمه الله تعالى قال: اجتمعنا ليلة على الساحل ومعنا مسلم أبو عبد الله، فقال رجل من المار:[من الكامل]

ما لِلْمُحِبِّ سِوى إِرادَةِ حِبِّهِ

إِنَّ الْمُحِبَّ بِكُلِّ خَيْرٍ يَضْرَعُ (1)

قال: فبكى مسلم حتى خشيت أن يموت.

وقوله: سوى إرادة حِبِّه؛ أي: ما لَهُ سوى مراد حِبِّه وإن خالف مراد نفسه كما قيل: [من الوافر]

أُرِيدُ وِصالَهُ وُيرِيدُ هَجْرِي

فَأَتْرُكُ ما يُرِيدُ لِما يُرِيدُ (2)

(1) ذكر البيت دون القصة ابن رجب في "جامع العلوم والحكم"(ص: 346).

(2)

انظر: "تفسير القشيري"(1/ 122).

ص: 397

فهو أبدًا متضرع إلى الله، متوسل إليه بكل عمل صالح طلبًا لرضى مولاه كما قال الله تعالى:{وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} [الكهف: 28].

فالأبرار هم المريدون لوجه الله تعالى، ولَمَّا أرادوا وجهه سبحانه وتعالى دون غيره عوضهم عما [أ] عرضوا عنه في الدنيا لوجهه بما عنده في الآخرة كما قال الله تعالى:{وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ} [آل عمران: 198].

[

] (1) بعباده قوله: {حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 92].

وأتى بـ: (من) التبعيضية؛ أي: بعض ما تحبون.

ولو قال: حتى تنفقوا ما تحبون، لكان الأمر في غاية الشدة، فما أنفقوه أنفقوه لأمره، وما أمسكوه أمسكوه للقيام بأمره؛ فإنهم وما يملكون ويحبون لله تعالى، وتصرفهم فيما بأيديهم للخلافة عنه كما قال {وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} [الحديد: 7].

والمحققون من العارفين يقولون: كل محبوب لنا هو المراد إنفاقه منا؛ فمنهم من خرج عن كل محبوباته، واقتصر على حاجته والضرورة، كما فعل أبو بكر رضي الله تعالى عنه حين تصدق بكل ماله لله تعالى، وكذلك فعل كثير من المهاجرين كأهل الصُّفة رضي الله تعالى عنهم.

ومنهم من عمد إلى أحب أمواله إليه، فخرج عنه لله تعالى كما فعل

(1) غير واضح في "ت" بمقدار أربع كلمات.

ص: 398

عمر، وابنه، وأبو طلحة فيما نقلناه عنهم آنفًا.

ومنهم من فهم أن المراد بالبعض المراد إنفاقه من المحبوبات هو نفس العبد المنفق، ومعنى إنفاقها: بذلها في طاعة الله تعالى في كل أحوالها وأوقاتها، وإذا خرجت عن نفسك [ .... ](1) ما كان لها صار تبعًا لها لأن العبد وماله لسيده.

ولذلك قال جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه: بذل الْمُهَج يصل العبد إلى بر حبيبه وقُرب مولاه، ثم قرأ:{لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 92](2).

وقال أبو القاسم الجنيد رضي الله تعالى عنه: لن تنالوا محبة الله حتى تسخوا بأنفسكم لله (3).

وقال يحيى العلوي رحمه الله تعالى: أحب الأشياء إليك روحك؛ فاجعل حياتك نفقة عليك لكي تنال برَّ الله لك (4). نقل هذه النصوص السلمي في "حقائقه".

وقد قلت:

قمت من الأبوابِ أَقْصِدُ سادَتي

وَجِئْتُ إِلَيْهِمْ وافِيًا بِأمانتَي

(1) غير واضح في "ت" بمقدار كلمتين.

(2)

انظر: "تفسير السلمي"(1/ 107).

(3)

انظر: "تفسير السلمي"(1/ 108).

(4)

انظر: "تفسير السلمي"(1/ 107).

ص: 399

[ ............... ] وَقالَ

وحَالٍ وقالٍ وَافتِقارٍ وفاقَتِي

وَمِنْ بَعْدِها وافَيْتُ بَيْنَ أَيْدِيهِمُ

بِرُوحِي كَما شاؤُوا عَلى كُلِّ حالَةِ

فَإِنْ يَقْبَلُوا مِنِّي فَمِنْ بَعْضِ فَضْلِهِمْ

وَإِلا فَما قَدْرِي وَقَدْرُ بِضاعَتِي

عَلى أنَّها في الأَصْلِ مِنْ فَيْضِ جُودِهِمْ

بِها أَنْعَمُوا مِنْ قَبْلُ قَبْلَ البِدايَةِ

فَلا أَعِزُّ وَإِن عادَتْ إِلَيْهِمُ وَإِنْ رَضُوا

إِلَيْهِمْ مَصِيرًا مِنْ عِنْدِ النِّهايَةِ

رُدَّتْ أَماناتٌ لِلْكِرامِ [ .... ]

قِيامًا بِطاعاتٍ لَهُمْ وَعِبادتي

وَجائِزتي مِنْهُمْ رِضاهُمُ وَحَيْثُما

رَضوني فَيا فَوْزِي بِهِمْ وَسعادَتِي

إِلَهِي أَعِذْنِي مِنْ سِواكَ فَإنَّنَي

أَرَدْتُكَ قُلْتُ يا رَبِّ فَحَقَقْ إِرادتي

وروى الطبراني في "الأوسط" -بسند صحيح - عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كُلُكُمْ راعٍ، وَكُلُكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَأَعِدُّوا

ص: 400

لِلْمَسائِلِ جَواباً".

قالوا: وما جوابها؟

قال: "أَعْمالُ البِرِّ"(1).

وصدق صلى الله عليه وسلم؛ فإن الأعمال التي يجاب بها الجواب الذي يخلص المجيب من العهدة في كل حال يسأل عنه من الأحوال المشار إليها بقوله صلى الله عليه وسلم: "لا تَزُولُ قَدما عَبْدٍ حَتَّى [يُسْأَلَ] عَنْ أَرْبَعٍ: عَنْ عُمرِهِ فِيما أَفْناهُ، وَعَنْ عَمَلِهِ فِيما فَعَلَ، وَعَنْ مالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيما أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيما أَبْلاهُ". رواه الترمذي -وصححه- عن أبي برزة الأسلمي رضي الله تعالى عنه (2).

وروى البزار، والطبراني -بإسناد صحيح - عن معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تزولُ قَدما عَبْدٍ يَومَ القِيامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ أَرْبَعِ خِصالٍ: عَنْ عُمرِهِ فِيما أَفْناهُ، وَعَنْ شَبابِهِ فِيما أَبْلاهُ، وَعَنْ مالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيما أنفَقَهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ ماذا عَمِلَ فِيهِ"(3).

وروى الترمذي عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم

(1) رواه الطبراني في "المعجم الأوسط"(3576). وحسن الحافظ إسناده في "فتح الباري"(13/ 113).

(2)

رواه الترمذي (2417) وصححه.

(3)

رواه الطبراني في "المعجم الكبير"(20/ 60). قال الهيثمي في "مجمع "الزوائد" (10/ 346): رواه الطبراني والبزار بنحوه، ورجال الطبراني رجال الصحيح، غير صامت بن معاذ، وعدي بن عدي الكندي، وهما ثقتان.

ص: 401

قال: "لا تَزُولُ قَدما عَبْدِ مِنْ عَبِيدِ رِّبهِ يَومَ القِيامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ خَمْسٍ: عَنْ عُمرِهِ فِيما أفْناهُ، وَعَنْ شَبابِهِ فِيما أَبْلاهُ، وَعَنْ مالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيما أَنْفَقَهُ، وَماذا عَمِلَ فِيما عَلِمَ"(1).

عدَّها في حديث ابن مسعود خمساً لأنه جعل في المال مسألتين، وجعلها خصلة واحدة في حديث أبي برزة، ومعاذ باعتبار أن المسؤول عنه المال، وهو واحد، والمسؤول عنه في الخصال كلها؛ أي: فيما أفنى عمره وأبلى شبابه من الأعمال، ومن كسبه المال وإنفاقه، وهما من الأعمال، ولذلك سُئل عن العلم: هل عمل به أو لا؟

وقوله في حديث أبي برزة: "فِيما فَعَلَ" معناه: هل فعل ما فعل بعلم أو بجهل؟

فلا ينفعه في كل ذلك إلا أن يجيب بأعمال البر، ولا تكون أعمال برِ إلا بالإخلاص والصدق فيها.

وقد سبق في الآية المشار إليها سابقا من أعمال البر أمهاتها.

- ومنها: تلاوة القرآن - وهي من جملة الصلاة الْمُثْنَى بإقامتها على الأبرار في الآية المتقدمة - وكتابته.

قال الله تعالى: {كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (11) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (12) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (13) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (14) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (15) كِرَامٍ بَرَرَةٍ} [عبس: 11 - 16].

(1) رواه الترمذي (2416) وقال: حديث غريب لا يعرف إلا من حديث الحسن ابن قيس، وحسين يضعف في الحديث من قبل حفظه.

ص: 402

قال قتادة: هم القراء. رواه ابن المنذر.

وروى هو وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {سَفَرَةٍ} [عبس: 15]؛ قال: بالنبطية؛ القراء (1).

ورويا عنه أنه قال: سفرة: كَتَبة (2).

وروى عبد الرزاق مثله عن قتادة (3).

ورواه الخطيب في "تاريخه" عن عطاء بن أبي رباح (4).

وروى الإِمام أحمد، والستة عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الْماهِرُ بِالقُرْاَنِ مَعَ السَّفَرَةِ الكِرامِ البَرَرَةِ"(5).

وروى الطبراني في "الصغير" عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ قَرَأَ القُرْآنَ يَقُومُ بِهِ آناءَ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ؛ يُحِلُّ حَلالَهُ، وُيحَرِّمُ حَرامَهُ، حَرَّمَ اللهُ لَحْمَهُ وَدَمَهُ على النَّارِ، وَجَعَلَهُ رَفِيقَ السَّفَرَةِ الكِرامِ

(1) انظر: "الدر المنثور" للسيوطي (8/ 418).

(2)

ورواه الطبري في "التفسير"(30/ 53).

(3)

رواه عبد الرزاق في "التفسير"(3/ 348)، وكذا الطبري في "التفسير"(30/ 53).

(4)

رواه الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد"(9/ 186).

(5)

رواه الإِمام أحمد في "المسند"(6/ 98)، والبخاري (4653)، ومسلم (798)، وأبو داود (1454)، والترمذي (2904)، والنسائي في "السنن الكبرى"(8045)، وابن ماجه (3779).

ص: 403

البَرَرَةِ؛ حَتَّى إِذا كانَ يَومُ القِيامَةِ كانَ القُرآنُ حُجةً لَهُ" (1).

وفي "الأوسط" عن حذيفة رضي الله تعالى عنه قال: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم: متى يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهما سيدا أعمال أهل البر؟

قال: "إِذا أَصابَكُمْ ما أَصابَ بني إِسْرائِيلَ".

قلت: يا رسول الله! وما أصاب بني إسرائيل؟

قال: "إِذا داهَنَ خِيارُكُمْ فُجَّارَكُمْ، وَصارَ الفِقْهُ في شِرارِكُمْ، وَصارَ الْمُلْكُ في صِغارِكُمْ، فَعِنْدَ ذَلِكَ تَلْبَسُكُمْ (2) فِتْنةٌ تَكُرُّونَ وُيكَرُّ عَلَيْكُمْ"(3).

وعنه صلى الله عليه وسلم أنه إذا أصاب هذه الأمة هذا الأمر سقط عنهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بسبب ما يترتب عليه من الضرر حينئذ، ولا يبقى منه مطلوبًا حينئذ إلا إنكار القلب؛ فإنه لا يسقط عن العبد أصلًا؛ إذ لا ضرر عليه فيه.

وروى ابن أبي شيبة عن عبيد بن عمير رحمه الله تعالى قال: من

(1) رواه الطبراني في "المعجم الصغير"(1120). قال الهيثمي في "مجمع الزوائد"(1/ 170): فيه خليد بن دعلج ضعفه أحمد ويحيى والنسائي، وقال أبو حاتم: صالح ليس بالمتين، وقال ابن عدي: عامة حديثه تابعه عليه غيره.

(2)

في "ت": "يكبكم".

(3)

رواه الطبراني في "المعجم الأوسط"(144). قال الهيثمي في "مجمع الزوائد"(7/ 286): فيه عمار بن سيف وثقه العجلي وغيره، وضعفه جماعة، وبقية رجاله ثقات، وفي بعضهم خلاف.

ص: 404

صِدق الإيمان وبرِّه: إسباغ الوضوء في المكاره، ومن صدق الإيمان وبره: أن يخلو الرجل بالمرأة الأجنبية فيدعها؛ لا يدعها إلا لله (1).

وروى أبو نعيم في "الحلية" عن محمَّد بن يزيد قال: قرأت في بعض الكتب: قيل للذين يتظامؤون ويتجوعون للبر: أولئك الذين يأوون في حظيرة القدس عندي (2).

وروى الإِمام أحمد، والشيخان، وأبو داود، والنسائي عن جابر رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لَيْسَ مِنَ البِر الصِّيامُ في السَّفَرِ"(3).

وروى أبو نعيم عن عروة بن رويم رحمه الله تعالى قال: من ركع ركعتي الفجر، ثم صلى صلاة الصبح في جماعة، كتبت صلاته يومئذ في صلاة الأبرار، وكتب يومئذ في وقد المتقين (4).

وروى ابن ماجه عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ حَلَفَ في قَطِيعَةِ رَحِمٍ أَوْ فِيما لا يَصْلُحُ، فَبِرُّهُ [أَنْ] لا يتمَّ عَلى ذَلِكَ"(5).

(1) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف"(34996).

(2)

رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء"(6/ 94).

(3)

رواه الإِمام أحمد في "المسند"(3/ 352)، والبخاري (1844)، ومسلم (1115)، وأبو داود (2407)، والنسائي (2257).

(4)

رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء"(6/ 122).

(5)

رواه ابن ماجه (2110). وفي سنده حارثة بن أبي الرجال. قال الحافظ في "تقريب التهذيب"(ص: 149): ضعيف.

ص: 405

وروى الإمامان؛ مالك، وأحمد، ومسلم، والترمذي، وابن ماجه عن عدي بن حاتم رضي الله تعالى عنه، والإمام أحمد، ومسلم، والترمذي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ حَلَفَ عَلى يَمِينِ، فَرَأى غَيْرَها خَيْرًا مِنْها، فَلْيَأتِ الّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَلْيُكَفرْ عَنْ يَمِينِه"(1).

وروى الأصبهاني، وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: البر شيء هين؛ وجه طليق، وكلام لين (2).

وزاد بعض الأدباء قبل هذا الكلام "بَنيَّ" مضعَّف "بُنيَّ"، فصار بيتًا منظوما من بحر الرجز.

وفي "الصحيحين" عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي العمل أحب إلى الله؟

قال: "الصَلاةُ عَلى وَقْتِها".

قلت: ثم أي؟

قال: "بِرُّ الوالِدَينِ".

قلت: ثم أي؟

(1) تقدم تخريجه عن أبي هريرة رضي الله عنه، ورواه الطيالسي في "المسند"(1027)، والإمام أحمد في "المسند"(4/ 256)، ومسلم (1651)، وابن ماجه (2108) عن عدي بن حاتم رضي الله عنه.

(2)

رواه ابن أبي الدنيا في "الصمت وآداب اللسان"(ص: 180)، والدينوري في "المجالسة وجواهر العلم" (ص: 261)، والبيهقي في "شعب الإيمان"(8059) كلهم عن ابن عمر رضي الله عنه.

ص: 406

قال: "الْجِهادُ في سَبِيلِ الله"(1).

قدَّم برَّ الوالدين على الجهاد، ومحله إذا كانا مسلمين.

ورويا عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستأذنه في الجهاد، فقال:"أَحَيٌّ والِداكَ؟ ".

قال: نعم.

قال: "فَفِيهِما [فَجاهِدْ] "(2).

يا مَنْ لَهُ والِدَةٌ وَوالِدْ

مَتَى تُجاهِدْ فِيهِما تُجاهِدْ

فَإِنَّ مَنْ يَبَرَّ والِدَيهِ أَوْ

مَنْ كانَ مِنْهُما كَمَنْ يُجاهِدْ

رَوى البُخارِي وَمُسْلِمٌ

عَنِ النَّبِيِّ هَذا وَنِعْمَ الشَّاهِدْ

وروى الإِمام أحمد -بسند حسن- عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُمَدَّ لَهُ في عُمرِهِ، وُيزادَ لَهُ في رِزْقِهِ، فَلْيَبَرَّ وَالِدَيهِ، وَلْيَصِلْ رَحِمَهُ"(3).

وروى أبو يعلى، والطبراني، والحاكم -وصححه- عن معاذ بن أنس رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ بَرَّ وَالِدَيهِ طُوبَى

(1) تقدم تخريجه.

(2)

رواه البخاري (2842)، ومسلم (2549).

(3)

رواه الإمام أحمد في "المسند"(3/ 266)، وكذا العقيلي في "الضعفاء"(4/ 189) وأعله بميمون بن سياه، ثم قال: وهذا يروى من غير هذا الوجه بإسناد صالح.

ص: 407

لَهُ، زادَ اللهُ في عُمره" (1).

ومعنى الزيادة في العمر وفي الرزق: أن يكون فيهما بركة بأن يصرف العمر في الطاعة، ويستعان بالرزق عليها؛ فإنَّ من صرف معظم عمره في المعصية أو في البطالة، واستعان برزقه على غير الطاعة، ظهر النقصان في عمره ورزقه.

وروى الترمذي -وحسنه- عن سلمان رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يَرُدُّ القَضاءَ إلا الدُّعاءُ، وَلا يَزِيدُ في العُمرِ إِلَاّ البِرُّ"(2).

ويحتمل أن يريد بالبر برَّ الوالدين، فتكون الألف واللام للعهد، ويؤيده حديث معاذ بن أنس.

وُيحتمل أن يريد به مطلق البر، وهو"الإحسان مطلقًا، ويؤيده إذا فسرنا الزيادة في العمر بالطاعة، وهي: البرُّ بعينه، فالعمر المصروف في الطاعة أزيدُ من قدره المصروف معظمه، أو بعضه في المعصية أو في الطاعة.

وفيه تأويل آخر: أن يكون سبق في قضاء الله تعالى أن هذا العبد إن

(1) رواه أبو يعلى في "المسند"(1494)، والطبراني في "المعجم الكبير"(20/ 198)، والحاكم في "المستدرك" (7257). قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (8/ 137): فيه. زبان بن فائد، وثقه أبو حاتم، وضعفه غيره، وبقية رجال أبي يعلى ثقات.

(2)

رواه الترمذي (2139) وحسنه.

ص: 408

برَّ كان عمره كذا، وإلا كان كذا دون ذلك، وكذلك يكون القضاء مشروطاً بترك الدعاء.

وسبق في القضاء أنه إن دعا رُدَّ عنه القضاء.

وروى الطبراني -بإسناد حسن- عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، وهو وغيره عن عائشة رضي الله تعالى عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "بِرُّوا آباءكمْ تَبَرَّكُمْ أَبْناؤُكُمْ، وَعفُّوا تَعِفَّ نِساؤُكُمْ"(1).

وروى الحاكم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم[قال]:"عفُّوا عَنْ نِساءِ النَّاسِ تَعفَّ نِساؤُكُمْ، وَبِرُّوا آباءكمْ تَبَرَّكُمْ أَبناؤُكم"(2).

وروى البيهقي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما مِنْ وَلَدٍ يَنْظُرُ إِلَى وَالِدَيْهِ نَظْرَةَ رَحْمَةٍ إِلَاّ كتَبَ اللهُ لَهُ بِكُلِّ نَظْرَةٍ حَجَّةً مَبْرُورَةً".

قالوا: وإن نظر كل يوم مئة نظرة؟

(1) رواه الطبراني في "المعجم الأوسط"(1002) عن ابن عمر رضي الله عنهما. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد"(8/ 138): رجاله رجال الصحيح غير شيخ الطبراني أحمد غير منسوب، والظاهر أنه من المكثرين من شيوخه فلذلك لم ينسبه.

ورواه الطبراني في "المعجم الكبير"(6295) عن عائشة رضي الله عنها. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد"(8/ 139): رواه الطبراني في الأوسط وفيه خالد بن يزيد العمري وهو كذاب.

(2)

رواه الحاكم في "المستدرك"(7859).

ص: 409

قال: "نعَمْ؛ اللهُ أكبَرُ وَأَطْيَبُ"(1).

وعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِذا نظرَ الوالِدُ إِلَى وَلَدهِ فَسُرَّ بِهِ، كانَ لِلْوَلَدِ عِتْقُ نسمَةٍ".

قيل: يا رسول الله! وإن نظر ستين وثلاثمئة نظرة؟

قال: "اللهُ أكبَرُ مِنْ ذَلِكَ". أخرجه الطبراني في "الكبير"(2).

وروى البيهقي عن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لَنَوْمُكَ عَلى السَّرِيرِ بِرًّا بِوالِدَيكِ، فَيَضْحَكانِ، وَيَضْحَكانِ لَكَ، أفضَلُ مِنْ جِهادِكَ في سَبِيلِ الله بِالسَّيْفِ"(3).

وروى هو والحاكم -وصححه- عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله! إني أذنبت ذنبا عظيما، فهل لي من توبة؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألكَ والِدانِ؟ ".

قال: لا.

قال: "أَلَكَ خالةٌ؟ ".

(1) رواه البيهقي في "شعب الإيمان"(7856).

(2)

رواه الطبراني في "المعجم الكبير"(11608). قال الهيثمي في "مجمع الزوائد"(8/ 165): إسناده حسن، فيه إبراهيم بن أعين، وثقه ابن حبان، وضعفه غيره.

(3)

رواه البيهقي في "شعب الإيمان"(7836) وقال: هذا غير قوي، ولمتنه شواهد.

ص: 410

قال: نعم.

قال: "فَبِرَّها إِذَن"(1).

وروى مسلم عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أن رجلًا من الأعراب لقيه بطريق مكة، فسلم عليه عبد الله بن عمر، وحمله على حمار كان يركبه، وأعطاه عمامة كانت على رأسه.

قال ابن دينار، فقلنا: له: أصلحك الله! إنهم الأعراب، وهم يرضون باليسير.

فقال ابن عمر: إن هذا [أبا] هذا كان ودًّا لعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"إِنَّ أَبَرَّ البِرِّ صِلَةُ الوَلَدِ أَهْلِ وِدِّ أَبِيهِ"(2).

وروى ابن حبان في "صحيحه" عن أبي بردة قال: قدمت المدينة، فأتاني عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، فقال: تدري لم أتيتك؟

قلت: لا.

قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَصِلَ أَباهُ في قَبْرِهِ فَلْيَصِلْ إِخْوانَ أَبِيهِ [بعده] "؛ وإنه كان بين أبي عمَر وبين أبيك إخاءٌ،

(1) رواه البيهقي في "شعب الإيمان"(7864)، والحاكم في "المستدرك"(7261)، وكذا الإِمام أحمد في "المسند"(4624)، وابن حبان في "صحيحه"(435).

(2)

رواه مسلم (2552).

ص: 411

فأحببت أن أصل ذلك (1).

وروى البخاري في "الأدب المفرد" عن عبد الله بن سلام رضي الله تعالى عنه قال: والذي بعث محمدًا صلى الله عليه وسلم أُنزل في كتاب الله: لا تقطع من كان يصل أباك؛ فيطفئ بذلك نورك (2).

وروى الحكيم الترمذي، وابن أبي الدنيا، والبيهقي عن محمَّد بن النعمان -معضلاً- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كُل مَنْ زارَ قَبْرَ أَبَوَيهِ أَوْ أَحَدِهِما في كُلِّ جُمُعَةٍ غُفِرَ لَهُ، وَكُتِبَ بَرًّا"(3).

وأخرجه الطبراني في "الأوسط" عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه (4).

وروى ابن قانع في "معجمه" عن أبي سيد مالك بن زرارة رضي الله تعالى عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"اسْتِغْفارُ الوَلَدِ لأَبِيهِ بَعْدَ مَوْتهِ مِنَ البِرِّ"(5).

قلت: وفي كتاب الله تعالى: {وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي

(1) رواه ابن حبان في "صحيحه"(2/ 175)، وكذا أبو يعلى في "المسند"(5669).

(2)

رواه البخاري في "الأدب المفرد"(42).

(3)

ورواه البيهقي في "شعب الإيمان"(7901).

(4)

رواه الطبراني في "المعجم الأوسط"(6114). قال الهيثمي في "مجمع الزوائد"(3/ 60): فيه عبد الكريم أبو أمية، وهو ضعيف.

(5)

رواه ابن قانع في "معجمه"(3/ 37).

ص: 412

صَغِيرًا} [الإسراء: 24].

وفي قوله: {كَمَا رَبَّيَانِي} [الإسراء: 24] إشارةٌ إلى أن البر والإحسان إلى الوالدين شكرًا لتربيتهما إياه، ولا شك أن من البرّ شكر الصنيعة.

روى أبو داود عن أنس رضي الله تعالى عنه: أن المهاجرين قالوا: يا رسول [الله]! ذهب الأنصار بالأجر كله.

قال: "لا؛ ما دَعَوْتُمْ لَهُمْ، [وَ] أثنَيْتُمْ عَلَيْهِمْ"(1)؛ أي: فأنتم كذلك تشاركونهم في الأجر.

فالأبوان كانا يحسنان إلى الولد ويرحمانه، ويسألان الله له الخير والرحمة، فأمره الله بالإحسان إليهما والدعاء بالرحمة لهما جزاءً.

وكذلك كل محسن، فجزاؤه الإحسان والبر.

وروى أبو داود، وابن ماجه عن أبي أسيد مالك بن ربيعة الساعدي رضي الله تعالى عنه قال: بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل من بني سلمة، فقال: يا رسول الله! هل يبقى من أبويَّ شيء أبرهما به بعد موتهما؟

فقال: "نَعَمْ؛ الصَّلاةُ عَلَيْهِما، وَالاسْتِغْفارُ لَهُما، وإيفاءُ عَهْدِهِما مِنْ بَعْدِهِما، وَصِلَةُ الرَّحِمِ الَّتِي لا تُوْصَلُ إِلَاّ بِهِما، وَإِكْرامُ صَدِيقِهِما"(2).

وأخرجه ابن حبان في "صحيحه"، وزاد في آخره: قال الرجل:

(1) رواه أبو داود (4812)، وكذا الترمذي (2487) وقال: صحيح حسن غريب.

(2)

رواه أبو داود (5142)، وابن ماجه (3664).

ص: 413

ما أكثر هذا وأطيبه!

قال: "فَاعْمَلْ بِهِ"(1).

وروى البيهقي، والأصبهاني عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ العَبْدَ لَيَمُوتُ والِداه أَوْ أَحَدُهُما وَإِنَّه لَهُما لَعَاقٌّ، فَلا يَزالُ يَدْعو لَهُما وَيَسْتَغْفِرُ لَهُما حَتَّى يَكْتُبَهُ اللهُ بارًّا"(2).

والبيهقي عن الأوزاعي رحمه الله تعالى قال: بلغني أن من عق والديه في حياتهما، ثم قضى دينا كان عليهما، أو استغفر لهما، ولم يستسب لهما، كتب بارًا، ومن بر والديه في حياتهما، ثم لم يقض دينًا إذا كان عليهما، ولم يستغفر لهما، واستسب لهما، كان عاقًا (3).

وروى الطبراني في "الأوسط" عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ حَجَّ عَنْ والِدَيهِ، أَوْ قَضى عَنْهُما مَغْرَمًا، بَعَثَهُ اللهُ أُمَّةً يَومَ القِيامَةِ مِنَ الأَبْرارِ"(4).

وروى البخاري في "الأدب المفرد"، وعبد بن حميد، وابن أبي

(1) رواه ابن حبان في "صحيحه"(418).

(2)

رواه البيهقي في "شعب الإيمان"(7902)، وكذا ابن عدي في "الكامل في الضعفاء" (7/ 223) وقال: تفرد به يحيى بن عقبة، وعامة ما يرويه لا يتابع عليه.

(3)

رواه البيهقي في "شعب الإيمان"(7907).

(4)

رواه الطبراني في "المعجم الأوسط"(7800)، وكذا البزار في "المسند" (4822). قال الذهبي في "ميزان الاعتدال" (3/ 439): فيه صلة بن سليمان، قال النسائي: متروك، ومن مناكيره، وذكر الحديث.

ص: 414

الدنيا في "المداراة"، وابن أبي حاتم عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: إنما سماهم الله أبراراً لأنهم بروا الآباء والأبناء؛ كما أن لوالدك عليك حقًا، كذلك لولدك عليك حقًا (1).

ورواه الطبراني، وغيره مرفوعًا (2)، والموقوف أصح.

وروى ابن أبي الدنيا عن عمران بن عبد الله الخزاعي رضي الله تعالى عنه أنه قال: يا رسول الله! من أبرُّ؟

قال: "والِدَيكَ".

قال: ليس لي والدان.

قال: "بِرَّ وَلَدَكَ"(3).

وروى الطبراني في "الأوسط" عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أَعِينُوا أَوْلاكمْ عَلى البِرِّ؛ مَنْ شاءَ اسْتَخْرَجَ العُقُوقَ لِوَلَده"(4).

(1) رواه البخاري في "الأدب المفرد"(94)، وابن أبي الدنيا في "العيال" (ص: 336)، وابن أبي حاتم في "التفسير"(3/ 846).

(2)

قال الهيثمي في "مجمع الزوائد"(8/ 146): رواه الطبراني وفيه عبيد الله بن الوليد الوصافي وهو ضعيف. قال الدارقطني في "العلل"(12/ 412): الموقوف أصح.

(3)

رواه ابن أبي الدنيا في "العيال"(ص: 307).

(4)

رواه الطبراني في "المعجم الأوسط"(4076). قال الهيثمي في "مجمع الزوائد"(8/ 146): فيه من لم أعرفهم.

ص: 415

وروى البيهقي، وغيره عن النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنهما: أن أباه أتى به النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إني نَحَلتُ ابنِيَ هذا نِحْلةَ؛ غلامًا كان لي.

فقال: "لِكُلِّ وَلَدِكَ نَحَلْتَ مِثْلَ هَذا؟ ".

قال: لا.

قال: "أَيَسُرُّكَ أَنْ يَكُونُوا لَكَ في البِرِّ سَواءَ؟ ".

قال: نعم.

قال: "فَلا إِذَن".

وأصل هذا الحديث في "الصحيحين"(1).

وفي رواية البخاري قال: "اتَّقُوا الله، وَاعْدِلُوا بَينَ أَوْلادِكُمْ"(2).

وروى البزار عن أنس رضي الله تعالى عنه: أن رجلًا كان عند النبي صلى الله عليه وسلم، فجاء ابنٌ له، فقبَّله وأجلسه على فخذه، وجاءت بُنَيَّة له، فأجلسها بين يديه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أَلا سَوَّيتَ بَيْنَهُمْ"(3)!

وروى أبو عمرو النوقاني في "معاشرة الأهلين" عن الشعبي

(1) رواه البيهقي في "السنن الصغرى"(5/ 493)، وأصل الحديث في البخاري (2446)، ومسلم (1632).

(2)

رواه البخاري (2447).

(3)

قال الهيثمي في "مجمع الزوائد"(8/ 156): رواه البزار فقال: حدثنا بعض أصحابنا، ولم يسمه، وبقية رجاله ثقات.

ص: 416

رحمه الله تعالى -مرسلاً- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "رَحِمَ اللهُ والِدًا أَعانَ وَلَدَ عَلى برِّة"(1).

وأخرجه أبو الشيخ في كتاب "الثواب" عن علي، وابن عمر رضي الله تعالى عنهما، وإسناده ضعيف (2).

وقال حجة الإِسلام في "الإحياء": جاء رجل إلى عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى، فشكا إليه بعض ولده، فقال له: هل دعوت عليه؟

قال: نعم.

قال: أنت أفسدته (3)

وروى الشيخان عن عائشة رضي الله تعالى عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مَنِ ابْتُلِيَ بِشَيْءٍ مِنْ هَذهِ البَناتِ، فَأَحْسَنَ إِلَيْهِنَّ كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنَ النَّارِ"(4).

(1) ورواه ابن أبي شيبة في "المصنف"(25415)، وابن أبي الدنيا في "العيال" (ص: 306).

(2)

قال السخاوي في "المقاصد الحسنة"(ع: 364): رواه أبو الشيخ في "الثواب" من حديث علي، وابن عمر به مرفوعا، وسنده ضعيف، ورواه أبو عمرو النوقاني في "معاشرة الأهلين" له من رواية الشعبي مرسلاً بدون ذكر علي رضي الله عنه.

(3)

انظر: "إحياء علوم الدين" للغزالي (2/ 217).

(4)

رواه البخاري (1352)، ومسلم (2629).

ص: 417

وروى أبو داود في "مراسيله" عن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حَقُّ كَبِيرِ الإِخْوَةِ عَلى صَغِيرِهِمْ كَحَقِّ الوالِدِ عَلى وَلَدهِ"(1).

وأخرجه أبو الشيخ في "الثواب" عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الأكبَرُ مِنَ الإِخْوانِ بِمَنْزِلَةِ الأَبِ"(2).

وروى البخاري في "الأدب المفرد" عن كليب بن منفعة قال: قال جدي: يا رسول الله! من أبرُّ؟

قال: "أُمَّكَ وَأباكَ، وَأُخْتَكَ وَأخاكَ، وَمَوْلاكَ الَّذِي يَلِي؛ ذاكَ حَقٌّ واجِبٌّ، وَرَحِمٌ مَوْصُولةٌ"(3).

وروى الترمذي -وحسنه - عن علي رضي الله تعالى عنه: أن

(1) رواه أبو داود في "المراسيل"(487)(ص: 336).

ووصله البيهقي في "شعب الإيمان"(7929)، والديلمي في "مسند الفردوس" (2673). قال العراقي في "تخريج أحاديث الإحياء" (1/ 533): وإسناده ضعيف.

(2)

كذا عزاه العراقي في "تخريج أحاديث الإحياء"(1/ 533) إلى أبي الشيخ في "الثواب".

ورواه الطبراني في "المعجم الكبير"(19/ 200) عن كليب الجهني رضي الله عنه.

قال الهيثمي في "جمع الزوائد"(8/ 149): فيه الواقدي، وهو ضعيف.

(3)

رواه البخاري في "الأدب المفرد"(47)، وكذا أبو داود (5140).

ص: 418

النبي صلى الله عليه وسلم قال: "عَمُّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيه"(1)؛ أي: شقيق أبيه، وأخوه من أصل واحد.

وروى الشيخان، والترمذي عن البراء رضي الله تعالى عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الْخالَةُ بِمَنْزِلَةِ الأُمِّ"(2).

ولأبي داود نحوه من حديث علي رضي الله تعالى عنه (3).

وروى البزار -بسند صحيح- عن جابر رضي الله تعالى عنه: أن جويرية رضي الله تعالى عنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: إني أريد أن أعتق هذا الغلام.

قال: "أَعْطِهِ خالَكِ الَّذِي في الأَعْرابِ يَرْعَى عَلَيهِ؛ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لأَجْرِكِ"(4).

وقال الله تعالى في وصف الأبرار: {يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (7) وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ

(1) رواه الترمذي (3760) وصححه، وهو عند مسلم (983) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(2)

رواه البخاري (4005)، والترمذي (1904)، وروى مسلم (1783) أصل الحديث دون اللفظ المذكور عند المؤلف.

(3)

رواه أبو داود (2280).

(4)

قال الهيثمي في "مجمع الزوائد"(8/ 153): رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح.

ص: 419

لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (9) إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا} [الإنسان: 7 - 10].

وصفهم بالوفاء بالنذر؛ قال عكرمة: كل نذر في شكر.

وقال مجاهد: إذا نذروا في حق [الله]. رواهما عبد بن حميد (1).

وخوفِ يوم القيامة، وهو يتضمن الإيمان به، والتصديق بما فيه، وإطعام المساكين واليتيم والأسير في عز منه ولا رياء، والمراد: المشرك، كما رواه عبد الرزاق عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما (2).

وروى ابن مردويه، وأبو نعيم عن [أبي] سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى:{وَأَسِيرًا} [الإنسان: 8]؛ قال: "فَقِيراً"، {وَيَتِيمًا} [الإنسان: 8]، قال:"لا أَبَ لَهُ"، و {وَأَسِيرًا} [الإنسان: 8]؛ قال: "الْمَمْلُوكُ وَالْمَسْجُونُ"(3).

وقال تعالى: {وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا} [الإنسان: 12]؛ فوصفهم الله بالصبر، وتقدم أثر عكرمة المتقدم، ووصفهم بالشكر، وهذا شطر الإيمان.

وروى عبد بن حميد عن قتادة أنه قال في الآية: الصبر صبران:

(1) انظر: "الدر المنثور" للسيوطي (8/ 369).

(2)

رواه عبد الرزاق في "التفسير"(3/ 337).

(3)

رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء"(5/ 105)، وكذا الديلمي في "مسند الفردوس"(6500).

ص: 420

صبر على طاعة الله، وصبر عن معصية الله (1).

قلت: وله قسم ثالث، وهو الصبر على بلاء الله تعالى.

وسبق في أولي الألباب قوله تعالى: {وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (23) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ} [الرعد: 23، 24].

روى أبو الشيخ عن محمَّد بن النصر الحارثي رحمه الله تعالى في قوله تعالى: {سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ} [الرعد: 24]، قال: على الفقر في الدنيا (2).

وروى هو وابن أبي حاتم عن الحسن أنه قال في الآية: صبروا عن فضول الدنيا (3).

صرف معنى الصبر إلى القناعة، وهي من أخص أوصاف الأبرار.

وتعين وصفهم بالصبر وصفهم بالصوم؛ ففي الحديث: "الصَّوْمُ نِصفُ الصَّبْرِ". رواه ابن ماجه عن أبي هريرة، والترمذي -وحسنه- عن رجل من بني سليم (4).

وقال تعالى في أصحاب اليمين -وقد علمت أنهم الأبرار-:

(1) انظر: "الدر المنثور" للسيوطي (8/ 372).

(2)

انظر: "الدر المنثور" للسيوطي (4/ 640).

(3)

انظر: "الدر المنثور" للسيوطي (4/ 640).

(4)

رواه ابن ماجه (1745) عن أبي هريرة رضي الله عنه. والترمذي (3519) وحسنه عن رجل من بني سليم.

ص: 421

{فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (19) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (20) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (21) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (22) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (23) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ} [الحاقة: 19 - 24]؛ يعني: الصوم كما رواه ابن المنذر، والبيهقي في "الشعب" عن عبد الله (1) بن رفيع رحمه الله تعالى (2).

وروى ابن خزيمة، وابن حبان في "صحيحيهما"عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أَفْضَلُ الأَعْمالِ عِنْدَ اللهِ إِيْمانٌ لا شَك فِيهِ، وَغَزْوٌ لا غُلُولَ فِيهِ، وَحَجٌّ مَبْرورٌ"(3).

وروى الإِمام مالك، والشيخان، والترمذي، وابن ماجه عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "العُمرَةُ إِلَى العُمرَةِ كَفارَة لِما بَينَهُما، وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيسَ لَهُ ثَواب إلا الْجَنَةُ"(4).

والبخاري عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قلت:

(1) في مصدر التخريج: "عبد العزيز" بدل "عبد الله" لكن المصنف تابع السيوطي في "الدر المنثور" كعادته.

(2)

رواه البيهقي في "شعب الإيمان"(3949)، وكذا ابن عدي في "الكامل في الضعفاء"(2/ 312) كلاهما عن عبد العزيز بن رفيع.

(3)

رواه ابن حبان في "صحيحه"(4597)، وكذا الإِمام أحمد في "المسند"(2/ 258).

(4)

رواه الإِمام مالك في "الموطأ"(1/ 346)، والبخاري (1683)، ومسلم (1349)، والترمذي (933)، وابن ماجه (2888).

ص: 422

يا رسول الله! ترى الجهاد أفضل العمل؛ أفلا نجاهد؟

قال: "لَكِنْ أَفْضَلُ الْجِهادِ حَجٌّ مَبْرورٌ"(1).

والإمام أحمد، والطبراني عن ماعز رضي الله تعالى عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه سئل: أي الأعمال أفضل؟

قال: "إِيْمان باللهِ وَحْدَهُ، ثُمَّ الْجِهادُ، ثُمَ حَجَّةٌ بَرَّةٌ تَفْضُلُ سائِرَ الأَعْمالِ كَما بَيْنَ مَطْلِعِ الشَّمْسِ وَمَغْرِبِها"(2).

وعن عمرو بن عبسة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أَفْضَلُ الأَعْمالِ حَج مَبْرورٌ أَوْ عُمرَة مَبْرورَةٌ"(3).

واختلف في بر الحج والعمرة، والأصح الأشهر -كما قال النووي- أنه الذي لا يخالطه شيء من الإثم (4).

قلت: ويؤيده حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ حَجَّ هَذا البَيتَ، فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ، خَرَجَ مِنْ

(1) رواه البخاري (1448).

(2)

رواه الإِمام أحمد في "المسند"(4/ 342)، والطبراني في "المعجم الكبير" (20/ 344). قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (3/ 207): رجال أحمد رجال الصحيح.

(3)

رواه الإِمام أحمد في "المسند"(4/ 114). قال الهيثمي في "مجمع الزوائد"(3/ 207): رواه أحمد والطبراني، ورجاله رجال الصحيح.

(4)

انظر: "شرح مسلم" للنووي (9/ 119).

ص: 423

ذُنُوبِهِ كَيَومَ وَلَدَتْهُ أُمه". رواه الشيخان، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (1).

وروى أبو نعيم عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما عَمل أَحَبَّ إِلَيَ مِنْ جِهادٍ في سَبِيلِهِ وَحَجَّةٍ مَبْرورَةٍ مُتَقَبَّلَةٍ لا رَفَثَ فِيها وَلا فُسوقَ وَلا جِدالَ"(2).

وقيل: الحج المبرور: المقبول.

وقيل: الذي لا رياء فيه ولا سمعة.

وهما داخلان في القول الأول.

وروى ابن ماجه عن أنس رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم حج على رحل رَثٍّ [وقطيفة] تساوي أربعة دراهم، وكان يقول:"اللهُمَّ اجْعَلْها حَجَّةً مَبْرُورَةً لا رِياءَ فِيها وَلا سُمْعَة"(3).

وروى الإِمام أحمد عن جابر رضي الله تعالى عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيسَ لَهُ جَزاءً إِلَاّ الْجَنَّةُ".

فقيل: يا رسول الله! ما بر الحج؟

(1) رواه البخاري (1449)، ومسلم (1350)، والترمذي (811)، والنسائي (2627)، وابن ماجه (2889).

(2)

رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء"(10/ 401) وقال: غريب.

(3)

رواه ابن ماجه (2890) وأصله في الصحيح وقد تقدم.

ص: 424

قال: "إِفْشاءُ السَّلامِ، وإطْعامُ الطَّعامِ"(1).

وفي رواية بدل: "إفشاء السلام": "طِيبُ الكَلامِ"(2).

وفي رواية: "لِينُ الكَلامِ".

قلت: وهذا قدر زائد على خلو [الحج](3) من المأثم.

ويجمع ما بين هذا وبين ما سبق بأن أول بر الحج خلوه من الإثم، ثم كما استكثر الحاج من الخير والبر كان أبرَّ.

وقيل: الحج المبرور: الذي لا يعقبه معصية.

وقال المازري: يحتمل أن يراد أن صاحبه أوقعه على سبيل البر؛ أي: الصدق بأن لا يريد به غيره، أو غير وجه الله تعالى.

وقد يقال: إن هذا يرجع إلى القول الثالث.

وروى ابن أبي شيبة عن عمر رضي الله تعالى عنه قال: من حج هذا البيت لا يريد غيره خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه (4).

ومعنى قوله: لا يريد غيره؛ أي: غير قصد البيت؛ ليخرج من يحج بقصد التجارة، أو نحوها كالتسلية والنزهة.

(1) رواه الإِمام أحمد في "المسند"(3/ 325).

(2)

رواه الأزرقي في "أخبار مكة"(1/ 409)، والبيهقي في "شعب الإيمان"(4119).

(3)

كلمة غير واضحة في "ت".

(4)

رواه ابن أبي شيبة في "المصنف"(12642).

ص: 425

روى البخاري، وأبو داود، والنسائي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون، ويقولون: نحن متوكلون، ثم يقومون، فيسألون الناس، فأنزل الله تعالى:{وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} [البقرة: 197](1).

فأجمع ما يفسر به البر: التقوى، حتى الاحتراز عن الشبهات بقدر [ .... ](2).

قال تعالى: {وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ} [البقرة: 197]، وأولو الألباب هم الأبرار والصديقون.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُتقِينَ حَتَّى يَدَع ما لا بَأسَ بِهِ حَذَراً لِما بِهِ بَأسٌ". رواه البخاري في "تاريخه"، والترمذي -وحسنه- والحاكم وصححه (3).

وروى أبو نعيم عن طاوس رحمه الله تعالى قال: حج الأبرار على الرحال (4).

وروى الإِمام أحمد في "الزهد" عن سفيان قال: أول ما اتخذت

(1) رواه البخاري (1451)، وأبو داود (1730)، والنسائي في "السنن الكبرى"(11033).

(2)

كلمة غير واضحة في "ت".

(3)

تقدم تخريجه.

(4)

رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء"(4/ 6)، وكذا الإِمام أحمد في "الزهد" (ص: 376).

ص: 426

المحامل زمن الحجاج.

قال: وقال أبي: شَيَّعْتُ أمي خرجت حاخة، فما رأيت في القادسية محملاً، إنما الناس على الرحال.

قال سفيان: كان يقال: حج الأبرار على الرحال (1).

وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أنه دفع مع النبي يوم عرفة، فسمع النبي صلى الله عليه وسلم وراءه زجراً شديدًا، وضربًا للإبل، فأشار بسوط إليهم، وقال:"يا أيها النَّاسُ! عَلَيْكم بِالسَّكِينَةِ؛ فَإِن البِرَّ لَيسَ بِالإِيضاعِ"(2)؛ أي: بالإسراع.

وروى أبو داود عنه قال: أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم من عرفة وعليه السكينة، ورديفه أسامة رضي الله تعالى عنه، فقال:"يَا أيُّها النَّاس عَلَيكُم بِالسَّكِينَةِ؛ فَإِنَّ البِرَّ لَيسَ بِإِيْجافِ الخَيْلِ وَالإِبِلِ".

قال: فما رأيتها رافعة يديها حتى أتى مني (3).

روى عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، والأزرقي في "تاريخ مكة" عن عبد الله بن عثمان بن خيثم قال: قدم علينا وهب بن منبه رحمه الله تعالى، فاشتكى، فجئنا نعوده، فإذا عنده من ماء زمزم "فقلنا: لو استعذبت؛ فإن هذا ماء فيه غلظ.

(1) رواه الإِمام أحمد في "الزهد"(ص: 23).

(2)

رواه البخاري (1587).

(3)

رواه أبو داود (1920).

ص: 427

قال: ما أريد أن أشرب حتى أخرج منها غيره، والذي نفس وهب بيده إنها لفي كتاب الله زمزم، لا تنزف ولا تدم، وإنها لفي كتاب الله برءٌ، وشراب الأبرار، وإنها لفي كتاب الله مضنونة، وإنها لفي كتاب الله طعام طعم، وشفاء سقم، والذي نفس وهب بيده لا يعمد إليها أحد، فيشرب منها حتى يتضلع، إلا نزعت منه داءً، وأحدثت له شفاءً (1).

وروى الأزرقي، وأبو نعيم في "الطب النبوي" عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: صلوا في مصلى الأخيار، واشربوا من شراب الأبرار.

قيل له: ما مصلى الأخيار؟

قال: تحت الميزاب.

قيل له: وما شراب الأبرار؟

قال: ماء زمزم (2).

وروى الأزرقي عن عكرمة بن خالد قال: بينا أنا ليلة في جوف الليل عند زمزم جالس؛ إذ نفر يطوفون عليهم ثياب بيض، لم أرَ بياض ثيابهم بشيء قط، فلما فرغوا صلوا قريبًا، فالتفت بعضهم، فقال لأصحابه: اذهبوا بنا نشربْ من شراب الأبرار.

(1) رواه عبد الرزاق في "المصنف"(9121)، والأزرقي في "أخبار مكة"(2/ 50)، وكذا أبو نعيم في "حلية الأولياء"(4/ 64).

(2)

رواه الأزرقي في "أخبار مكة"(1/ 318).

ص: 428

فقاموا فدخلوا زمزم، فقلت: والله لو دخلت على القوم فسألتهم! فقمت فدخلت، فإذا ليس فيها أحد من البشر (1).

وروى أبو نعيم في "الحلية" عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: ليس البرُّ في حسن اللباس والزي، ولكن البرَّ السكينة والوقار.

وروى أبو يعلى عن عمار رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما تَزيَّنَ الأَبْرارُ بِمِثْلِ الزُّهْدِ في الدُّنْيا"(2).

وروى أبو نعيم عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعلي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: "يا عَلِيُّ! إِنَّ اللهَ قَدْ زَّيَنَكَ بِزِينَةٍ لَمْ يَتَزَيَّنِ العِبادُ [بِزِينَةٍ]، أَحَبَّ إِلَى اللهِ مِنْها، هِيَ زِينة الأَبْرارِ عِندَ اللهِ؛ الزُّهْدِ في الدنْيا، فَجَعَلَكَ لا تَرْزَأُ مِنَ الدُّنْيا شَيئًا، وَلا تَرْزَأُ الدُّنْيا مِنكَ شَيئًا، وَوَهَبَ لَكَ حُبَّ الْمَساكِينِ، فَجَعَلَكَ تَرْضى بِهِمْ أتباعًا وَيرْضَوْنَ بِكَ إِمامًا"(3).

ويروى أن في بعض الكتب [

] (4).

(1) رواه الأزرقي في "أخبار مكة"(2/ 51).

(2)

رواه أبو يعلى في "المسند"(1617). قال الهيثمي في "مجمع الزوائد"(10/ 286): فيه سليمان الشاذكوني، وهو متروك.

(3)

رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء"(1/ 71)، وكذا الطبراني في "المعجم الأوسط" (2157). قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (9/ 121): فيه علي ابن الحزور، وهو متروك.

(4)

غير واضح في "ت" بمقدار نصف سطر.

ص: 429

وروى الخطيب في "الجامع"، وابن عساكر، وغيرهما عن سهل ابن سعد رضي الله تعالى عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم:"عَمَلُ الأَبْرارِ مِنَ الرِّجالِ الْخِياطَةُ، وَعَمَلُ الأَبْرارِ مِنَ النساءِ الْمِغْزَلُ"(1).

و[

] (2) الأبرار من شأنهم الأكل من عمل اليد، لكنهم يختارون الخياطة للرجال، والمغزل للنساء لأنهما صنعتان لطيفتان نظيفتان لا يشغلان الصانع عن ذكر الله تعالى، ولا عن التفكر في مصنوعاته.

لكن من شأنهم أن لا يعينوا على إثم، فلا يخيطيون ما لا يجوز لبسه للرجال كالحرير الصِّرف، وما أكثرُه حرير، ولا للرجال ولا للنساء كالثوب [ .... ] لأن ذلك كله من باب التعاون على الإثم، وليس ذلك من عمل الأبرار.

وكذلك [ .... ] هم لا يقتصرون على هذه الحرفة، وإنما هو من أعمالهم، وإنما شأنهم الأكل من عمل اليد.

وفي حديث "البخاري" عن المقدام رضي الله تعالى عنه: "ما أَكَلَ أَحَدٌ طَعامًا خَيراً مِنْ أَنْ يَأكلَ مِنْ عَمَلِ يَدهِ، وَإِن نبِيَّ الله تَعالَى دَاودَ

(1) رواه الخطيب في "تاريخ بغداد"(9/ 15)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (36/ 199). قال الذهبي في "ميزان الاعتدال" (3/ 306): لازم ذلك الحياكة، إذ لا تتأتى خياطة ولا غزل إلا بحياكة، فقبح الله من وضعه.

(2)

كلمة غير واضحة في "ت".

ص: 430

كانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدهِ" (1).

والمشهور من عمل داود عليه السلام أنه كان زرَّاداً يعمل الدروع.

وفي كتاب الله تعالى: {وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (10) أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ} [سبأ: 10، 11].

قال ابن شوذب رحمه الله تعالى: كان داود عليه السلام يرفع في كل يوم درعًا، فيبيعها بستة آلاف درهم؛ ألفين له ولأهله، وأربعة آلاف يطعم بها بني إسرائيل [الخبز] حواري. رواه الحكيم الترمذي في "نوادره"، وابن أبي حاتم في "تفسيره"(2).

ويروى أنه عليه السلام كان يعمل الخوص أيضًا.

قال في "الإحياء": وقد كان غالب أعمال الأخيار من السلف عشر صنائع: الخوز، والتجارة، والحمل، والخياطة، والحذو، والقصارة، وعمل الخفاف، وعمل الحديد، وعمل المغازل، ومعالجة صيد البر والبحر، والوراقة (3).

وهذا باعتبار غالب صنائعهم، وإلا فقد كان من السلف بزَّازون، وخفَّافون، وحاكةٌ، وأبَّارون.

روى الإِمام أحمد -بإسناد حسن - عن أبي هريرة رضي الله تعالى

(1) تقدم تخريجه.

(2)

انظر: "الدر المنثور" للسيوطي (6/ 676).

(3)

انظر: "إحياء علوم الدين" للغزالي (2/ 84).

ص: 431

عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خَيرُ الكَسْبِ كَسبُ العامِلِ إِذا نَصَحَ"(1).

وروى هو والبزار عن رافع بن خديج رضي الله تعالى عنه قال:

قيل: يا رسول الله! أي الكسب أطيب؟

قال: "عَمَلُ الرّجُلِ بِيَدهِ"، وَكُل بَيعٍ مَبْرورٍ" (2).

وأخرجه الطبراني في "الكبير" من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.

ورواه البزار، والحاكم -وصححه- عن سعيد بن عمير، عن عمه - قال الحاكم: وذكر يحيى بن معين أن عم سعيد البراء بن عازب رضي الله تعالى عنهما - (3).

وَالبَيعُ الْمَبْرورُ] (4):

مِنْ بَرَّ: إذا صدق.

(1) رواه الإِمام أحمد في "المسند"(2/ 334). وحسن العراقي إسناده في "تخريج أحاديث الاحياء"(1/ 418).

(2)

رواه الإمام أحمد في "المسند"(4/ 141)، والبزار في "المسند"(3731).

قال الهيثمي في "مجمع الزوائد"(4/ 60): فيه المسعودي وهو ثقة، ولكنه اختلط، وبقية رجال أحمد رجال الصحيح.

(3)

رواه البزار في "المسند"(3798)، والحكم في "المستدرك"(2159)، وكذا البيهقي في "شعب الإيمان" (1225) مرسلاً وقال: قال البخاري: وأسنده بعضهم وهو خطأ.

(4)

إلى هنا ينتهي السقط المشار إليه في نسخة المؤلف والمرموز لها بـ "م"، وكان الاستدراك من النسخة "ت" كما ألمحنا سابقًا (ص: 383).

ص: 432

أو هو البيع المقرون بالبر والإحسان من النصح والإنصاف وغيرهما.

وروى الدارمي، والترمذي وصححه، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم وصححاه، وغيرهم عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة، عن أبيه، عن جده رضي الله عنه: أنه خرج مع النبي صلى الله عليه وسلم، فرأى الناس يتبايعون، فقال:"يا مَعْشَرَ التُّجَّارِ"، فاستجابوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ورفعوا أعناقهم وأبصارهم إليه، فقال:"إِنَّ التُجَّارَ يُبعَثُونَ يَومَ القِيَامَةِ فُجَّارًا، إِلَّا مَنِ اتَّقَى الله، وَبرَّ، وَصَدَقَ"(1).

وقال ابن ماجه في رواية: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فإذا الناس يتبايعون بكرة، فناداهم:"يَا مَعْشَرَ التُّجَّارِ"(2)، فلما رفعوا أبصارهم ومدوا أعناقهم، قال

، فذكره.

وروى الترمذي وصححه، عن قيس بن أبي غرزة قال: خرج علينا رسول صلى الله عليه وسلم ونحن نسمى السماسرة، فقال:"يَا مَعْشَرَ التُّجَّارِ! إِنَّ الشَّيْطَانَ وَالإثْمَ يَحْضُرانِ البَيعَ؛ فَشَوِّبُوا بَيْعَكُم بِالصدَقَةِ"(3).

(1) رواه الدارمي في "السنن"(2538)، والترمذي (1210) وصححه، وابن ماجه (2146)، وابن حبان في "صحيحه"(4910)، والحاكم في "المستدرك"(2144).

(2)

رواه ابن ماجه (2146).

(3)

رواه الترمذي (1208) وصححه.

ص: 433

وأخرجه الإِمام أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، ولفظه: كنا نسمى في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم السماسرة، فأتانا رسول الله في صلى الله عليه وسلم فسمَّانا باسم هو أحسن منه، فقال:"يَا مَعْشَرَ التُجَّارِ! إِنَّ البَيع يَحْضُرُهُ الحَلِفُ وَاللغْوُ؛ فَشَوبُوهُ بِالصَّدَقَةِ"(1).

أي: امزجوه بالصدقة، لعل برَّ الصدقة يدفع إثم الحلف واللغو.

وروى الطبراني، والبيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يَا مَعْشَرَ التجَّارِ! إِنَّ اللهَ بَاعِثُكُمْ يِوْمَ القِيَامَةِ فُجَّارًا، إِلا مَنْ صَدَقَ، وَبرَّ، وَأَدَّى الأَمَانة"(2).

ومعنى تأدية الأمانة أن لا يكتم عيبًا يعلمه.

وروى ابن الجوزي عن جعفر الحذاء رحمه الله، قال سعيد بن حرب رحمه الله، عن يوسف بن أسباط رحمه الله قال: ما أقدم عليه أحدًا من هذه الأمة: البر عشرة أجزاء؛ تسعة منها في طلب الحلال، وسائر البر في جزء واحد (3).

(1) رواه الإمام أحمد في "المسند"(4/ 6)، وأبو داود (3326)، والنسائي (3797)، وابن ماجه (2145).

(2)

رواه الطبراني في "المعجم الكبير"(12499). قال الهيثمي في "مجمع الزوائد"(4/ 72): رواه الطبراني في "الكبير" وفيه الحارث بن عبيد وهو ضعيف.

(3)

رواه ابن الجوزي في "صفة الصفوة"(4/ 265)، وكذا رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء"(8/ 243).

ص: 434

وروى أبو منصور الديلمي في "مسند الفردوس" عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "العِبَادَةُ عَشَرَةُ أَجْزَاءٍ؛ تِسْعَة مِنْهَا في الصَّمْتِ، وَالعَاشِرُ كَسْبُ اليَدَيْنِ مِنَ الحَلالِ"(1).

قال العراقي: وهو منكر (2).

وأورده في "الإحياء" بلفظ: "العِبَادهَ عَشَرةُ أَجْزَاءٍ؛ فَتِسْعَةٌ مِنْهَا في طَلَبِ الحَلالِ"(3).

وروى إبراهيم الحربي في "غريبه" عن نعيم بن عبد الرحمن - قيل: وهو من الصحابة، والأصح أنه تابعي كما قال ابن أبي حاتم، وابن حبان (4)، وبقية رجاله ثقات -؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عَلَيْكُمْ بِالتِّجَارَةِ؛ فَإِنَّ فِيْهَا تِسْعَةَ أَعشَارِ الرزْقِ"(5).

وروى الديلمي، وابن النجار في "تاريخه" عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يَا مَعَاشِرَ قُرَيْشٍ! لا تَغْلِبَنَكُمُ المَوَالِي عَلى التَّجَارَةِ؛ فَإِنَّ الرّزْقَ عِشْرُونَ بَابًا؛ تِسْعَةَ عَشَرَ مِنْهَا لِلتَّاجِرِ، وَواحدٌ لِلصَّانِعِ،

(1) رواه الديلمي في "مسند الفردوس"(4222).

(2)

انظر: "تخريج أحاديث الإحياء" للعراقي (1/ 437).

(3)

انظر: "إحياء علوم الدين" للغزالي (2/ 90).

(4)

انظر: "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (8/ 461)، و "الثقات" لابن حبان (5/ 477).

(5)

قال العراقي في "تخريج أحاديث الإحياء"(1/ 419): مرسل.

ص: 435

وَمَا أَمْلَقَ تَاجِرٌ صَدُوقٌ، إِلا تَاجِرٌ حَلافٌ مَهِيْنٌ" (1).

وهذا لا يلزم منه تفضيل التجارة على الحرفة؛ فقد قال كثير من العلماء: إنَّ الزراعة أفضل من التجارة، وفي الحرفة مهنة، وفي التجارة سلطنة (2).

وروى أبو يعلى، والطبراني في "الكبير"، والبيهقي في "الشعب" عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"اطلُبُوا الرزْقَ فِيْ خَبَايَا الأَرْضِ"(3)؛ يعني: الزراعة.

وأخرجه الدارقطني في "أفراده" والبيهقي بلفظ: "الْتَمِسُوْا"(4).

وقال القرطبي في تفسير قوله تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ} [البقرة: 261]: إن فيه دليلاً على أن اتخاذ الزرع من أعلى الحرف التي يتخذها الناس،

(1) رواه الديلمي في "مسند الفردوس"(820)، وكذا رواه ابن أبي الدنيا في "إصلاح المال" (ص: 73) ولكن عن ابن مسعود رضي الله عنه.

(2)

انظر: "المجموع" للنووي (9/ 54).

(3)

رواه أبو يعلى في "المسند"(4384)، والطبراني في "المعجم الأوسط"(895)، والبيهقي في "شعب الإيمان"(1233)، كلهم من طريق هشام بن عبد الله بن عكرمة. قال ابن حبان في "المجروحين" (3/ 91): لا يعجبني الاحتجاج بخبره إذا انفرد.

(4)

رواه الدارقطني في "أطراف الغرائب والأفراد"(5/ 499)، والبيهقي في "شعب الإيمان"(1234).

ص: 436

والمكاسب التي يشتغل بها العمال، ولذلك ضرب اللهُ به المثل.

ثمَّ ذكر أنَّ الزراعة من فروض الكفايات.

قال: ولقي عبد الله بن عبد الملك ابن شهاب الزهريّ، فقال: دلني على مال أعالجه، فأنشأ ابن شهاب يقول:[من الطويل]

أقوْلُ لِعَبْدِ اللهِ يَوْمَ لَقِيْتُه

وَقَدْ شَدَّ أَحْلاسَ الْمَطِيّ مُشَرِّقا

تتَبَّعْ خَبايا الأَرْضِ وَادع مَلِيْكَها

لَعَلَّكَ يَوْمًا أَنْ تُجابَ فترْزَقا

فَيُؤْيتْكَ مالًا واسِعًا ذا مَثابَةٍ

إِذا ما مِياهُ الأَرْضِ غابَتْ (1) تَدَفُّقا (2)

واعلم أن طلب المال من حِلِّه ليصرف في محله، لا يناقض البر، كما سبق أنه لا يناقض الصلاح.

وقد روى البيهقي في "الشعب" عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: دينك لمعادك، ودرهمك لمعاشك، ولا خير في أمر بلا درهم (3).

وروى الإِمام أحمد، وابن ماجه، والحاكم وصححه، عن معاذ بن

(1) في "تفسير القرطبي": "غارت".

(2)

انظر: "تفسير القرطبي"(3/ 305 - 306).

(3)

رواه البيهقي في "شعب الإيمان"(1254).

ص: 437

عبد الله بن خبيب، عن أبيه، عن عمه رضي الله عنه: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا بَأْسَ بِالغِنَى لِمَنِ اتَّقَى الله، وَالصِحَّةُ لِمَنِ اتَّقَى خيرٌ مِنَ الغِنَى، وَطِيْبُ النَّفْسِ مِنَ النعْيِمِ"(1).

وروى أبو نعيم عن سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى قال: لا خير فيمن لا يريد جمع المال من حِلِّه؛ يعطي منه حقه، ويكفُّ بهِ وجهَهُ عن الناسِ (2).

وفي رواية: لا خيرَ فيمن لا يحبُّ هذا المال؛ يصلُ بهِ رحِمَهُ، ويؤدي به أمانته، ويستغني به عن خلقِ ربهِ (3).

وعن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب: أنه ترك ألفين أو ثلاثة آلاف دينار، وقال: ما تركتها إلا لأصون بها ديني، وفي رواية:[ترك مئة دينار، وقال](4): أصون بها ديني وحسبي (5).

واكتساب المال وجمعه بحسن النية مع الاهتمام لأمر آخرته، من

(1) رواه الإِمام أحمد في "المسند"(5/ 372)، وابن ماجه (2141)، والحاكم في "المستدرك"(2131).

(2)

رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء"(2/ 173)، وكذا ابن أبي الدنيا في "إصلاح المال" (ص: 35).

(3)

رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء"(2/ 173).

(4)

زيادة من "حلية الأولياء" لأبي نعيم.

(5)

رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء"(2/ 173).

ص: 438

أعمال البر، مع الاقتصاد في الطلب، وترك التكاثر؛ لقوله تعالى:{أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ} [التكاثر: 1] الآية.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أجملُوا (1) في طَلَبِ الدُّنيَا؛ فَإِنَّ كُلًّا مُيسَّرٌ لِما خُلِقَ لَه".

وفي رواية: "لِما كُتِبَ لَهُ مِنْهَا". رواه ابن ماجه، والطبراني في "الكبير"، والحاكم وصححه، عن أبي حميد رضي الله عنه (2).

وروى ابن ماجه عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أيُّهَا النَّاسُ! اتّقُوا اللهَ، وَأَجْمِلوا في الطَّلَبِ؛ فَإِنَّ نفسًا لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَوفيَ رِزْقَهَا وإنْ أَبْطَأَ عَنْهَا، فَاتَّقُوا الله وَأَجْمِلُوا في الطَّلَبِ، خُذُوا مَا حَلَّ، وَدَعُوا مَا حَرُمَ"(3).

وروى الطبراني في "الكبير" عن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أَوْحَى اللهُ تَعَالَى إِلَى إِبرَاهِيْمَ عليه السلام: يِا خَليْليْ! حَسِّنْ خُلُقَكَ وَلوْ مَعَ الكُفَّارِ، تَدْخُلْ مَدَاخِلَ الأَبْرَارِ، وإن كَلِمَتِي سَبقَتْ لِمَنْ حَسُنَ خُلُقُهُ

(1) في "م": "اعملوا"، والمثبت من:"سنن ابن ماجه"(2142)، "والمستدرك" للحاكم (2133).

(2)

رواه ابن ماجه (2142)، والحاكم في "المستدرك"(2133)، وكذا البيهقي في "السنن الكبرى"(5/ 264). وضعف الإِمام النووي إسناد ابن ماجه، وصحح إسناد البيهقي في "المجموع"(9/ 142).

(3)

رواه ابن ماجه (2144)، وكذا الحاكم في "المستدرك"(2135).

ص: 439

أَنْ أُظِلَّهُ تَحْتَ ظِلِّ عَرْشْي، وَأَنْ أَسْقِيَهُ مِنْ حَظِيْرَةِ قُدُسِي، وَأَنْ أُدْنِيَهُ مِنْ جِوَارِي" (1).

قلت: وقد سبق في الحديث تفسير البِر بحُسنِ الخُلُقِ، وهو شامل للسخاء، والكرم، والحياء، والخوف، والرجاء، والحلم، والصبر، والعفو، والصفح، والاحتمال، وكظم الغيظ، وكف الغضب، والشهوة، ومخالفة النفس والهوى، والتوكل، والثقة بالله، والاستعانة به، والتفويض إليه والتسليم؛ وكل ذلك من صفات الأبرار.

وروى أبو نعيم في (الحلية) عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مِنْ كُنُوزِ البر كِتْمَانُ المَصَائِبِ وَالأَمْرَاضِ وَالصَّدَقَةُ (2) "(3).

وروى ابن أبي الدنيا في "الصمت" عن وهب بن منبه رحمه الله تعالى قال: ثلاث من كنَّ فيه أصاب البر: سخاوة النفس، والصبر على الأذى، وطيب الكلام (4).

وروى الإِمام أحمد عن أبي سعيد الخدري أنَّه قال: من سقى

(1) رواه الطبراني في "المعجم الأوسط"(6506). قال الزيلعي في "تخريج أحاديث الكشاف"(2/ 326): رواه الطبراني، وابن عدي في "الكامل" من حديث مؤمل بن عبد الرحمن، وليَّنَ مؤمل، وقال: عامة حديثه غير محفوظ.

(2)

زاد في "م": "في المدارة".

(3)

رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء"(8/ 197).

(4)

رواه ابن أبي الدنيا في "الصمت وآداب اللسان"(ص: 180).

ص: 440

مؤمناً على ظمأ، سقاه الله يوم: القيامة من الرحيق المختوم (1).

وهذا شراب الأبرار؛ لقوله تعالى: {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ} إلى قوله: {يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ} [المطففين: 223 - 25].

وروى أبو نعيم عن عمر بن ذر رحمه الله تعالى قال: من أجمع على الصبر في الأمور فقد حوى الخير، والتمس معاقل البر، وكمال الأجور (2).

وروى ابن أبي الدنيا في "الورع" عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أنه قال لجلسائه: ما الذي نقيم به وجوهنا عند الله يوم القيامة؟ قال بعض القوم: الصلاة، قال عمر: قد يصلي البَرّ والفاجرُ، قالوا: الصيام، قال عمر: قد يصوم البَرُّ والفاجِرُ، قالوا: الحج، قال عمر: قد يحج البَرُّ والفاجر، قال عمر: الذي نقيم به وجوهنا عند الله أداء ما افترض علينا، وتحريم ما حرم علينا، وحسن النية فيما عند الله تعالى (3).

وروى الإِمام أحمد في "الزهد" عن مالك بن دينار قال: قال عيسى ابن مريم عليهما السلام: إن ابن آدم لو عمل بأعمال البر حتى يبلغ عمله عنان السماء وحب في الله ليس، [وبغض في الله ليس](4)،

(1) رواه الإِمام أحمد في "المسند"(3/ 13)، وكذا أبو داود (1682)، والترمذي (2449) وقال: حديث غريب، وقد رُوِيَ عن أبي سعيد موقوفًا، وهو أصح عندنا وأشبه.

(2)

رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء"(5/ 111).

(3)

رواه ابن أبي الدنيا في "الورع"(ص: 109).

(4)

زيادة من "تاريخ دمشق" لابن عساكر.

ص: 441

ما أغنى ذلك عنه شيئًا (1).

وروى أبو نعيم عن الحارث بن أسد المحابسي رحمه الله قال: حدثني الحسن بن أحمد الشامي قال: سمعت ذا النون المصري رحمه الله يقول: قرأت في التوراة: إن الأبرار الذين يؤمنون، والذين في سبيل خالقهم يمشون، وعلى طاعته يمضون؛ أولئك في وجه الجبار ينظرون (2).

وعن السَّرَي السَّقَطي قال: ثلاث من أخلاق الأبرار: القيام بالفرائض، واجتناب المحارم، وترك الغفلة.

قال: وثلاث من أخلاق الأبرار يبلغنَ بالعبد رضوان الله: كثرة الاستغفار، وخفض الجناح، وكثرة الصدقات.

قال: وثلاث من أبواب سخط الله: اللعب، والمرح، والغيبة.

قال: والعاشر [من هذه الثلاث](3) عمود الدين، وذروته، وسنامُه: حسن الظن بالله (4).

وإنما صح أن يكون هذا عاشرًا باعتبار أنه أشار بالثلاثة التي هي من أبواب السخط إلى أضداد تركها؛ أعني السكوت، والإمساك عن اللعب، وعن المرح وعن الغيبة، وهذه أمهات الباطل، ومن أكثر باطلًا على حق

(1) رواه ابن عساكر في "تاريخ دمشق"(47/ 445).

(2)

رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء"(10/ 82).

(3)

زيادة من "حلية الأولياء" لأبي نعيم (10/ 123).

(4)

رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء"(10/ 123).

ص: 442

فليس ببار ولا مبرور، بل هو خاسر، كما قال تعالى:{وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ} [الجاثية: 27].

وروى أبو نعيم عن عبد العزيز بن أبي خالد قال: مرَّ سفيان الثوري رحمه الله بالغاضري، وهو يتكلم ببعض ما يضحك به الناس، فقال له: يا شيخ أما علمت أن لله يوما يخسرُ فيه المبطلون؟ فما زالت تُعرَفُ في وجهِ الغاضري حتى لقي الله عز وجل (1).

وروى البيهقي في "شعبه" عن ابن عمر رضي الله عنهما: أنه مرَّ على قوم وعليه بردةٌ حسناء، فقال رجل من القوم: إن أنا سلبته بردته فما لي عندكم؟ فجعلوا له شيئًا، فأتاه، فقال: يا أبا عبد الرحمن! بردتك هذه لي، فقال: إني اشتريتها أمس، قال: قد أعلمتك وأنت في حرج من لبسها، فخلعها ليدفعها إليه، فضحك القوم، فقال: ما لكم؟ فقالوا له: هذا رجل بطال، فالتفت إليه، فقال له: يا أخي! أما علمت أن الموت أمامك لا تدري متى يأتيك صباحاً أو مساءً، ليلاً أو نهارًا، ثم القبر وهول المطلع، ومنكر ونكير، وبعد ذلك القيامة يوم يخسر المبطلون؟ فأبكاهم، ومضى (2).

وروى الإِمام أبو الفتوح محمَّد بن محمَّد بن علي الطائي في "أربعينه" عن أبي بكر الآجري رحمه الله تعالى قال: كان ابن المبارك كثيرًا ينشد بهذه الأبيات: [من الخفيف]

(1) ورواه البيهقي في "شعب الإيمان"(4835).

(2)

رواه البيهقي في "شعب الإيمان"(4834).

ص: 443

اغْتَنِمْ رَكْعَتَيْنِ زُلْفَى إِلَىْ الله

إِذا كُنْتَ فارِغا وَمُسْتَرِيْحا

وإذا ما هَمَمْتَ بِالنُّطْقِ بِالْبا

طِلِ فَاجْعَلْ مَكانَهُ تَسْبِيْحاً

فَاغْتِنامُ السُّكُوْتِ أَفْضَلُ مِنْ خَوْ

ضٍ وَإِنْ كُنْتَ بِالْكَلامِ فَصِيْحاً (1)

وروى أبو نعيم عن حبيب الفارسي رحمه الله تعالى قال: لأن أكون في صحراء ليس علي إلا ظلة وأنا بارٌ بربِّي، أحبُّ إلى من جنتكم هذه (2).

والمراد بالبر أن يكون محسنا فيما بينه وبين الله تعالى، وهو الإحسان الذي بيَّنه النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الصحيحين:"أَنْ تَعْبُدَ الله كَأَنكَ تَرَاهُ؛ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإنهُ يَرَاك"(3)؛ والمعنى أن تعبدهُ وأنت شاهده بقلبك، وهو عبارة عن حضور القلب مع الله تعالى، "فإن لم تكن تراه فإنه يراك"؛ أي: فإن لم تعبده على المشاهدة، فعلى المراقبة، بأن تعلم أنَّه رقيب

(1) ورواه ابن أبي الدنيا في "الصمت وآداب اللسان"(ص: 289)، والبيهقي في "شعب الإيمان"(5084).

(2)

رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء"(6/ 153).

(3)

تقدم تخريجه.

ص: 444

عليك، مُطَّلع على سرك وعلانيتك، وهذه الصفة لا بد منها حتى يكون العبد باراً بربه عز وجل.

وروى أبو نعيم عن عمران بن مسلم -وهو المعروف بالقصير- قال: كان جعفر بن زيد رحمه الله تعالى يقول في كلامه: ما أحلى ذكرَك في أفواه الأبرار، وأعظمك في قلوب المؤمنين (1).

فيه إشارة أن لذكر الله تعالى من أفواه الأبرار -أعني: الصادقين- مزية لم تكن لذكره من أفواه غيرهم؛ لأن كل كلام يبرز من فم متكلم يبرز وكسوة قلب ذلك المتكلم عليه، فإذا كان الكلام ذكرًا لم يكن أحسن منه، ولا أعلى.

وفي الحديث الصحيح: "مَثَلُ المُؤْمِنِ الَّذِيْ يَقْرَأُ القُرْآنَ مَثَلُ الأُتْرُجَّةِ؛ طَعْمُهَا طَيِّبٌ، وَريحُهَا طَيِّبَهٌ"(2).

وروى أبو نعيم عن إبراهيم بن شيبان رحمه الله تعالى قال: من أراد أن يكون معدودًا في الأحرار، مذكوراً عند الأبرار، فليخلص عبادة ربه؛ فإن المحقق في العيون مُسَلَّم من الأغيار (3).

وروى ابن أبي الدنيا في كتاب "الإخلاص والنية" عن مالك بن دينار رحمه الله تعالى قال: إنَّ الأبرار تغلي قلوبهم بأعمال البر؛ فانظروا

(1) رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء"(6/ 179).

(2)

رواه البخاري (4732)، ومسلم (797) عن أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه.

(3)

رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء"(10/ 361).

ص: 445

ما همومكم رحمكم الله! (1).

وعن يزيد الرقاشي رحمه الله قال: للأبرار همم تبلغهم أعمال البر، وكفاك بهمة دعتكَ إلى خير خيرًا (2).

وعن نعيم بن صبيح السعدي -وكان يعدُّ من حكماء بني تميم- قال: همم الأبرار متصلة بمحبة الرحمن، وقلوبهم تنظر إلى مواضع العز من الآخرة بنور أبصارهم، فأهواؤهم بها متعلقة، وأنفسهم إليها منطلقة، وأعينهم نحوها طامحة، قد جلا رجاؤهم إياها عنهم كلَّ كربة، وهوَّن عليهم كلَّ شدة، مسجونون في طرق الدنيا بين أهلها، مغمومون لطول البقاء فيها عند محبة أهل الدنيا لطول العمر فيها، تخبرهم دواعي الخير من أنفسهم أنْ لا راحة لهم دون الخروج منها، والكينونة عند مسرة أهلها فيها، فأنفسهم أشد اشتياقا إلى مفارقة الدنيا من الظمآن إلى الشراب عند انقطاع الرَّجاء، سكنت مشارق الجنة قلوبهم، ومخاوف النار أجوافهم، فأهملوا لذلك العيون، وغضوا عن الدنيا لذلك الجفون، وَسَمَوْا بالقربة إلى معالي العز.

وروى الدينوري في "المجالسة"، وابن أبي حاتم عن الحسن: أنه سئل عن الأبرار: من هم؟ قال: هم الذي لا يؤذون الذَّرَّ (3).

(1) رواه ابن أبي الدنيا في "الهم والحزن"(ص: 76).

(2)

ورواه أبو نعيم في "حلية الأولياء"(3/ 51).

(3)

رواه الدينوري في "المجالسة وجواهر العلم"(ص: 15)، وابن أبي حاتم في "التفسير"(3/ 846).

ص: 446

والمراد بالذَّرِّ: النمل الصغير.

والمعنى: إن أذاهم مأمون لا يتوقع منهم أنهم يؤذون شيئًا حتى الذَّرَّ.

ويوافق هذا ما رواه الأصبهاني في "الترغيب" عن أبي قرة رحمه الله قال: دخلنا على فضيل بن عياض بمكة، فقال لي: من أين أنتم؟ قلنا: إننا من أهل خراسان، فقال: اتقوا الله، وكونوا من حيث شئتم، واعلموا أنَّ العبد لو أحسن الإحسان كلهُ، وكانت له دجاجة فأساء إليها، لم يكتب من المحسنين (1).

وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله كتب الإحسان على كل شيء". رواه الإِمام أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث شداد بن أوس رضي الله عنه (2).

بل روى ابن أبي حاتم عن الشعبي قال: قال عيسى بن مريم عليهما السلام: إنَّما الإحسان أن تُحسِنَ إلى من أساء إليك، ليس الإحسان أن تحسن إلى من أحسن إليك (3).

وصدق عليه السلام؛ لأن هذا مكافأة، وحقيقة الإحسان التفضل.

(1) ورواه ابن أبي حاتم في "التفسير"(1/ 333).

(2)

تقدم تخريجه.

(3)

رواه ابن أبي حاتم في "التفسير"(9/ 3085)، وكذا الإِمام أحمد في "الزهد" (ص: 91).

ص: 447

وروى الإمام أحمد، والبخاري، وأبو داود، والترمذي عن عبد الله ابن عمرو رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم. قال: "لَيْسَ الوَاصِلُ بِالمُكَافِئِ، وَلَكِنَ الوَاصِلَ الّذِي إِذَا قُطِعَتْ رَحِمُه (1) وَصَلهَا"(2).

والذي أراه: أن من وصل من الإحسان إلى هذه المرتبة، فقد تجاوز إلى مقام الصديقين الأخيار.

روى الحافظ عبد الرزاق، والبيهقي من طريقه عن معمر عن ابن أبي إسحاق الهمداني، عن ابن أبي حسين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أَلا أَدلُّكُمْ عَلى خَيْرِ أَخْلاقِ أَهْلِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ؟ أَنْ تَصِلَ مَنْ قَطَعَكَ، وَتُعْطِيَ مَنْ حَرَمَكَ، وَتَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَك"(3).

قال البيهقي: هذا مرسل حسن.

ورواه البيهقي موصولًا من حديث علي رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أَلا أَدُلُّكَ عَلى خَيْرِ أَخْلاقِ الأَوَّليْنَ وَالآخِرِيْنَ؟ " قال: قلت: بلى يا رسول الله، قال: "تُعْطِيْ مَنْ حَرَمَكَ، وَتَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَكَ،

(1) ضبطها الإِمام النووي في "رياض الصالحين"(ص: 76): "قَطَعَتْ رحمُهُ" بفتح القاف والطاء، و"رحمُه" مرفوع.

(2)

رواه الإِمام أحمد في "المسند"(2/ 163)، والبخاري (5645)، وأبو داود (1697)، والترمذي (1908).

(3)

رواه عبد الرزاق في "المصنف"(20237)، والبيهقي في "شعب الإيمان"(8300).

ص: 448

وَتَصِلُ مَنْ قَطَعَكَ" (1).

ومن حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أَلا أُخْبِرُكَ بِأَفْضَلِ أَخْلاقِ أَهْلِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ؟ تَصِلُ مَنْ قَطَعَكَ، وَتُعْطِي مَنْ حَرَمَكَ، وَتَعْفو عَمَّنْ ظَلَمَكَ"(2).

وروى الإِمام أحمد، والطبراني عن معاذ بن أنس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"أَفْضَلُ الفَضَائِلِ أَنْ تَصِلَ مَنْ قَطَعَكَ، وَتُعْطِيَ مَنْ حَرَمَكَ، وَتَصْفَحَ عَمَّنْ شَتَمَكَ"(3).

وروى ابن أبي الدنيا في "مكارم الأخلاق" عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"لَنْ يَنَالَ عَبدٌ صَرْيحَ الإِيْمَانِ حَتى يَصِلَ منْ قَطَعَهُ، وَيَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَهُ، وَيَغْفِرَ لِمَنْ شَتَمَهُ، وَيُحْسِنَ إِلى مَنْ أَسَاءَ إِلَيْهِ"(4).

ومعنى قوله: "صريح الإيمان": خالصهُ وأفضلهُ، وهي رتبةٌ الصديقية كما علمت، وهي حال أبي بكر رضي الله عنه حين حلف أن لا ينفق على مِسْطَح بعد أن تكلم في حديث الإفك، وكان ابن خالتهِ، وكان من فقراء

(1) رواه البيهقي في "شعب الإيمان"(7956).

(2)

رواه البيهقي في "شعب الإيمان"(7959)، وكذا الطبراني في "المعجم الكبير"(17/ 269)، والحاكم في "المستدرك"(7285).

(3)

رواه الإِمام أحمد في "المسند"(3/ 438)، والطبراني في "المعجم الكبير" (20/ 188). قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (8/ 189): فيه زبان بن فائد، وهو ضعيف.

(4)

رواه ابن أبي الدنيا في "مكارم الأخلاق"(ص: 23).

ص: 449

المهاجرين، فأنزل الله تعالى:{وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النور: 22].

روى ابن المنذر عن الحسن رحمه الله: أنَّ أبا بكر رضي الله عنه صار يضعف لمسطح بعد ما نزلت هذه الآية [ضعفي](1) ما كان يعطيه (2).

قلت: وفي قوله تعالى: {أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ} [النور: 22] إشارة إلى أنَّ الإحسان إلى المسيء، ووصل القاطع خلق من أخلاق الله تعالى؛ ألا ترى أن تقدير الآية: ألا تحبون أن يغفر الله لكم ما أسأتم؟ والمغفرة إحسان من الله تعالى؛ أي: عاملوا عباده الفقراء المهاجرين إذا أساؤوا إليكم بمعاملة الله لكم من إحسانه إليكم وأنتم تسيئون، وإن كانت إساءة العبد إنما تعود إليه، كما قال تعالى:{إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} [الإسراء: 7]، والله تعالى منزهٌ عن وصول الإساءة إلى جنابه المقدس، وإنما الإشارة بذلك إلى الإنصاف من نفس العبد؛ فإنه إذا أساء وطلب الإحسان مع إساءته، ثم عامل غيره بمقابلة الإساءة بالإساءة، فما تم إنصافه، وإن كان لا سبيل عليه؛ لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (39) وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (40) وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ

(1) زيادة من "الدر المنثور" للسيوطي (6/ 163).

(2)

كذا عزاه السيوطي في "الدر المنثور"(6/ 163) إلى ابن المنذر.

ص: 450

سَبِيلٍ (41) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [الشورى: 39 - 42].

فالمنتصر بقدر حقه بارّ، والعافي عن حقه صِدِّيْقٌ، والمتجاوز عن مثل ما أسيء إليه ظالم، ولو بشيء قليل؛ لقوله تعالى:{مِثْلُهَا} .

ثم من كان مسيئاً فالأولى في حقه العفو عن أخيه المؤمن رجاءَ أن يعفى عنه، فإن أخذ حقه ثم طلب العفو عن جنايته فهو في نفسه لم يتسمْ بالإنصاف، وإن كان تحت المشيئة.

وروى الخرائطي في "مكارم الأخلاق" عن أبي عمرو الشيباني قال: بلغنا أنَّ موسى عليه السلام سأل ربه عز وجل فقال: أي ربِّ! أيُّ عبادك أعدلُ؟ قال: من أنصف من نفسه (1).

وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: من ينصف الناس من نفسه يعطى الظفرَ في أمرِه، والذل في الطاعة أقرب إلى البر من التعزز في المعصية (2).

وعن عمار بن ياسر رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يَسْتكمِلُ العَبْدُ الإِيِمَانَ حَتَّى تَكُونَ فِيْهِ ثَلاثُ خِصَالٍ"، قلتُ: وما هن؟ قال: "الإِنْفَاقُ مِنَ الإِقْتَارِ، والإِنْصَافُ مَنْ نَفْسِهِ، وَبَذْلُ السَّلامِ".

ورواه أبو نعيم من طريق الطبراني، وزاد:"وَبَذْلُ السَّلامِ لِلعَالَمِ".

(1) رواه الخرائطي في "مكارم الأخلاق"(ص: 81).

(2)

رواه الخرائطي في "مكارم الأخلاق"(ص: 81).

ص: 451

وعلَّقهُ البخاري موقوفًا (1).

وروى الدينوري في "المجالسة" عن الحسن: أنه نظر إلى القراء وهم على باب ابن هبيرة، فقال: ما أجلسكم ها هنا؟ تريدون الدخول على هؤلاء؟ أما والله ما مخالطتكم مخالطة الأبرار، تفرقوا فرق اللهُ بين أرواحكم وأجسادكم، خصفتم نعالكم، وشمرتم ثيابكم، وجززتم رؤوسكم، فضحتم القراء فضحكم اللهُ، أما والله لو زهدتم فيما عندهم لرغبوا فيما عندكم، ولكنكم رغبتم فيما عندهم، فزهدوا فيما عندكم، فأبعد الله مَنْ أَبْعَد (2).

وروى الإِمام أحمد في "الزهد" عن الحسن: أنه رأى على باب بعض الأمراء هؤلاء الذين يُقَالُ لهم القراء، فقال: ما يجلسكم على أبواب هؤلاء [ .... ](3) لا والله ما هذه مجالس الأبرار.

وروى الدينوري، وأبو نعيم عن داود بن أبي هند قال: مكتوب في صحف إبراهيم عليه السلام: يا دنيا! ما أهونك على الأبرار الذين تصنعت لهم، وتزينتِ لهم، إني قذفت في قلوبهم بغضكِ والصدود عنكِ، وما خلقت خلقا أهون عليَّ منكِ، كل شأنك صغير، وإلى الفناء

(1) رواه الخرائطي في "مكارم الأخلاق"(ص: 126)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء"(1/ 141)، وذكره البخاري (1/ 19) معلقاً.

(2)

رواه الدينوري في "المجالسة وجواهر العلم"(ض: 78).

(3)

كلمة غير واضحة في "م".

ص: 452

تصيرين، قضيت عليكِ يوم خلقتكِ أن لا تدومي لأحد، وأن بخل بكِ صاحبكِ وشحَّ بك، طوبى للأبرار الذين أطلعوني من قلوبهم على الرضا من ضميرهم، وعلى الصدق والاستغناء، طوبى لهم، ما لهم عندي من الجزاء إذا وفدوا إليَّ من قبورهم النور يسعى أمامهم، والملائكة حافُّون بهمُ، حتى أبلغهم ما يرجون من رحمتي (1).

وروى ابن عساكر في "تاريخهِ" عن سفيان الثوري رحمه الله تعالى قال: قال المسيح عليه السلام: إنما تُطلَبُ الدنيا لتُبر؛ فتركك لها أبر (2).

وروى الدينوري عن خلف بن تميم قال: التقى إبراهيم بن أدهم وشقيق رحمهما الله بمكة، فقال إبراهيم لشقيق: ما بدء أمرك الذي بلَّغك هذإ؟ فقال: سرت في بعض الفلوات، فرأيت طيراً مكسور الجناحين في فَلَاة من الأرض، فقلت: انظروا من أين رُزِقَ هذا؟ فقعدتُ حذاءه، فإذا أنا بطائر قد أقبل في منقاره جرادة، فوضعها في منقار الطير المكسور الجناحين، فقلت لنفسي: يا نفسُ! الذي قيض هذا الطير الصحيح لهذا الطير المكسور الجناحين في فلاة من الأرض هو قادر على أن يرزقني حيث ما كنت، قال: فتركت التكسب، واشتغلتُ بالعبادة، فقال له إبراهيم: يا شقيق! ولم لا تكون الطير الصحيح الذي أطعم العليل حتى

(1) رواه الدينوري في "المجالسة وجواهر العلم"(ص: 201)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء"(10/ 158).

(2)

رواه ابن عساكر في "تاريخ دمشق"(47/ 427).

ص: 453

تكون أفضل منه؟ أما سمعت عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أنَّ اليد العليا خير من اليد السفلى"(1)، ومن علامة المؤمن أن يطلب أعلى الدرجتين في أموره كلها حتى يبلغ منازل الأبرار، فأخذ بيد إبراهيم فقبَّلها، وقال له: أنت أستاذي يا أبا إسحاق (2).

وروى البيهقي في "الشعب" عن يوسف بن أسباط رحمه الله تعالى قال: الجوع رأس كل بر فيما بين السماء والأرض، ويورث العقل الدقيق (3).

وروى ابن أبي الدنيا، ومن طريقه ابن الجوزي في "صفة الصفوة" عن محمَّد بن النضر الحارثي رحمه الله تعالى قال: كان يقال: الجوع يبعث على البر، كما تبعث البِطنة على الأشر (4).

وروى ابن جهضم في "بهجة الأسرار" عن بشر بن الحارث رحمه الله تعالى قال: أفضل ما تعبد الله به سكون القلب إلى روح نزول الرزق، وأفضل أعمال البر الصبرُ على الفقر.

والصبر على الفقر والشدائد من أخلاق الأبرار، فإذا تناهى إلى الرضا كان من أخلاق الصديقين.

(1) رواه البخاري (6076)، ومسلم (1034) عن حكيم بن حزام.

(2)

رواه الدينوري في "المجالسة وجواهر العلم"(ص: 564).

(3)

ورواه ابن أبي الدنيا في "الجوع"(93) ولفظه: "الجوع رأس كل بر في الأرض".

(4)

رواه ابن الجوزي في "صفة الصفوة"(3/ 160).

ص: 454

كما ذكر المحب الطبري في "الرياض النضرة" ما رواه أبو الحسن علي بن أحمد بن نعيم البصري في "جزئه" الذي ألفهُ في فضل الشيخين عن ابن عمر رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يَا أَبا بَكْرِ! هَذَا جِبْرِيْلُ عليه السلام يُقْرِئُكَ السَّلامَ، وَيقُولُ لَكَ: أَرَاضٍ أَنْتَ في فَقْرِكَ هَذَا أَمْ سَاخِطٌ؟ " فبكى أبو بكر، وقال: أسخط على ربي! أنا عن ربي راضٍ، أنا عن ربي راضٍ، أنا عن ربي راضٍ (1).

وروى أبو نعيم، والبيهقي في "الشعب"، والخطيب في "التاريخ" عن السري السقطي رحمه الله تعالى قال: قلوب الأبرار معلقة بالخواتيم، وقلوب المقربين معلقة بالسوابق؛ أولئك يقولون: ماذا من الله سبق، وهؤلاء يقولون: بم يختم لنا (2).

وروى عبد الله ابن الإِمام أحمد في "زوائد الزهد" عن مالك بن دينار قال: قال عيسى بن مريم عليهما السلام؛ لو أنَّ ابن آدم عمل بأعمال البر كلها حتى يبلغ عمله عنان السماء، وحبَّ في الله ليس، وبغضَ في الله ليس، ما أغنى عنه ذلك شيئًا (3).

(1) ذكره المحب الطبري في "الرياض النضرة في مناقب العشرة"(2/ 20)، ورواه البيهقي في "المحاسن والمساوئ" (ص: 34)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء"(7/ 105).

(2)

رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء"(10/ 121)، والبيهقي في "شعب الإيمان"(866).

(3)

تقدم تخريجه.

ص: 455

وروى ابن أبي الدنيا في كتاب (الرقة والبكاء) عن أبي عمران الجوني رحمه الله قال: لكل أعمال البر جزاء، وفي كلها خير إلا الدمعة تخرج من عين العبد ليس لها قيل ولا وزن حتى تطفا منها بحار من النيران (1).

وروى أبو نعيم عن أبي عبد الله الساجي (2) رحمه الله قال: خصال لا يعبد الله بمثلها؛ لا تسأل إلا الله، ولا ترد شيئًا على الله، ولا تبخل بشيء على الله؛ فإنه من عرف الله، فقد بلغ الله.

قال: وقال سفيان الثوري رحمه الله: ليس من علامات الهدى شيء أبين من حبِّ لقاء الله، فإذا أحب العبد لقاء الله فقد تناهى في البر.

قال أبو نعيم في معنى قوله: ولا تبخل على الله: يعني: تمسك لله، وتعطي لله (3). انتهى.

وأما قوله: فإنه من عرف الله فقد بلغ الله؛ أي: وصل إليه؛ أراد أنَّ الوصول إلى الله في الدنيا هو الوصول إلى معرفتهِ سبحانه.

قلت: ولا شك أن نهاية البر في الدنيا معرفة الله، وفي الآخرة لقاؤه، وهما أطيب شيء في الدارين.

وروى ابن جهضم عن أبي الحسن عمرو بن عثمان الصَّدَفي قال:

(1) رواه ابن أبي الدنيا في "الرقة والبكاء"(42).

(2)

في "م": "النباحي"، والمثبت من "حلية الأولياء" لأبي نعيم (9/ 313).

(3)

رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء"(9/ 313 - 314).

ص: 456

أعمال البر كلها على وجهين؛ سر وعلانية، فمن لم يقدر على تصحيح النية فيما يعمل من السر كان فيما يعلن من عمله أبعد، ومن قدر على تصحيح النية في العلانية كان فيما يسر من عمله أقوى، ومن لم يقدر على تصحيح النية في القليل من العمل كان في الكثير منه أبعد.

وهذا موافق لما تقدم عن أبي عامر السكوني رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "تَمَامُ البِرِّ أَنْ تَعْمَلَ في السِّرِّ عَمَلَ العَلانِيَةِ"(1).

وقال أبو عبد الرحمن السلمي في "الحقائق" في قول تعالى: {وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ} [آل عمران: 193]: من رضيت ظواهرهم للخلق، وبواطنهم لك.

وقال: قال أبو عثمان: الأبرار هم الذين أسقطوا عن أنفسهم أشغال الدنيا، واشتغلوا بما يقربهم إلى مولاهم.

قال: وقال سهل رضي الله عنه: الأبرار هم المتمسكون بالسنة.

قال: وقال بعضهم: هم الناظرون إلى الخلق بعين الحق (2).

وقال في قوله تعالى: {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (13) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ} [الانفطار: 13، 14]: سمعت عبد الله الرازي يقول: سمعت محمد ابن الفضل رحمه الله يقول في قوله: إِنَّ اَلأبَرارَ {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ} [الانفطار: 13] قال: في التنعم بذكر مولاهم، {وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ} [الانفطار: 14]: في

(1) تقدم تخريجه.

(2)

انظر: "حقائق التفسير" للسلمي (1/ 134).

ص: 457

التقلب في الشهوات والغفلات (1).

وقال في قوله تعالى: {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ} [المطففين: 22] في سورة المطففين: قال أبو سعيد الخرّاز رحمه الله: للأبرار علامات؛ أولها: أن يكون معصومًا عن المخالفات بعصمة الله تعالى، محفوظًا بطاعة الله تعالى، لا يؤذي أحدًا من المخلوقين، ويرحم الضعفاء لضعفهم، ويعرف نعم الله عليه في جميع الأحوال، ويرى نقصانه في جميع الأحوال (2).

قلت: ومن أسماء الله تعالى: البَرُّ -بالفتح -؛ ومعناه: المحسن، والواسع الإحسان، الكثير البر، والصادق، والوَصول، والعَطوف، ويرجع معنى العطف إلى الرحمة، وغايتها إرادة الخير.

وسيأتي أن من أسماء الله تعالى ما يَحسُنُ من العبد التخلُّق بهِ، ومنها البَرُّ؛ فمن أحسنَ وأكثر من الإحسان، وصَدَقَ في الكلام، وعطف على الأنام، ورحم الضعفاء فهو من عمل الأبرار.

وفي الحديث المسلسل بالأولية عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"الرَّاحِمُوْنَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ؛ ارْحَمُوْا مَنْ فِي الأَرْضِ، يَرْحَمْكُمْ مَنْ في السَّمَاءِ".

وقد رواه الإِمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، والحاكم في "المستدرك"(3).

(1) انظر: "حقائق التفسير" للسلمي (2/ 378).

(2)

انظر: "حقائق التفسير" للسلمي (2/ 381).

(3)

تقدم تخريجه.

ص: 458

وروى الإِمام أحمد، والبخاري في "الأدب المفرد"، والبيهقي في "الشعب" من حديثه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"ارْحَمُوا تُرْحَمُوا، واغْفِرُوا يُغَفَرْ لَكُمْ؛ ويلٌ لأَقْمَاعِ القَوْلِ، ويلٌ للِمُصِرِّيْنَ الَّذِيْنَ يُصِرَّونَ عَلى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ"(1).

وروى الإِمام أحمد، والشيخان، وأبو داود، والترمذي عن أبي هريرة، والشيخان عن جرير رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ لا يَرْحَمْ لا يُرحَمْ"(2).

وروى الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن حبان، والحاكم وصححاه عن أبي هريرة رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تُنْزَعُ الرَّحْمَةُ إِلا مِن شَقِي"(3).

وسبب ذلك أن الرحمة لا تنزع إلا من القلب القاسي، وقد قال تعالى:{فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [الزمر: 22].

(1) رواه الإمام أحمد في "المسند"(2/ 165)، والبخاري في "الأدب المفرد"(380)، والبيهقي في "شعب الإيمان"(7236).

(2)

رواه الإِمام أحمد في "المسند"(2/ 228)، والبخاري (5651)، ومسلم (2318)، وأبو داود (5218)، والترمذي (1911) عن أبي هريرة، والبخاري (5667)، ومسلم (2319)، عن جرير.

(3)

رواه الإِمام أحمد في "المسند"(2/ 301)، وأبو داود (4942)، والترمذي (1923)، وابن حبان في "الصحيح"(466)، والحاكم في "المستدرك"(7632).

ص: 459

وروى البيهقي في "الشعب" عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تُكْثِرُوا الكَلامَ بِغَيْرِ ذِكْرِ الله؛ فَإنَّ كَثْرَةَ الكَلامِ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللهِ قَسْوَةُ القَلْبِ، وَإِنَ أبْعَدَ النَّاسِ مِنَ الله القَلْبُ القَاسِي"(1).

وفيه إشارة إلى أنَّ سبب القسوة كثرة الخوض في فضول الكلام، وأن ذكر الله سبب لحصول الرحمة في القلب.

وروى الإِمام أحمد في "الزهد" عن أبي الجلد رحمه الله: أنَّ عيسى عليه السلام أوصى الحواريين: لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله عز وجل فتقسو قلوبكم، وإن القاسي قلبه بعيد عن الله ولكنه لا يعلم (2).

ومن أسباب القسوة: ما رواه أبو بكر بن مردويه عن عائشة رضي الله عنها، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"تُوْرِثُ القَسْوَةُ في القَلْبِ ثَلاثَ خِصَالٍ: حُبَّ الطَّعَامِ، وَحُبَّ النَّوْمِ، وَحُبَّ الرَّاحةِ"(3).

قلتُ: ومن أسباب القسوة: طول العهد بالعيش، وإمهال العبد في الطيش، وذلك من مكر الله عز وجل؛ قال تعالى:{أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} [الحديد: 16].

(1) رواه البيهقي في "شعب الإيمان"(4951)، وكذا رواه الترمذي (2411) وحسنه.

(2)

رواه الإمام أحمد في "الزهد"(ص: 56).

(3)

كذا عزاه السيوطي في "الدر المنثور"(7/ 220) إلى ابن مردويه.

ص: 460

وكل شيء يوجب القسوة، أو يكون ناشئاً عنها، فليس من أخلاق الأبرار، ولا من أعمالهم.

وأما ما رواه أبو عبيد القاسم بن سلام، وأبو نعيم بإسناد صحيح، عن أبي صالح قال: لما قدم أهل اليمن في زمن أبي بكر الصديق رضي الله عنه فسمعوا القرآن، فجعلوا يبكون، قال أبو بكر الصديق: هكذا كنا، ثم قست القلوب (1).

فقال أبو نعيم: معنى قوله: قست القلوب: قويت، واطمئنت لمعرفة الله تعالى (2).

وأصل القسوة الصلابة، ثم استعيرت لفساد القلب وبعده عن الخير.

أو هو من: قسا الدرهم: إذا ذاق، فهو قسي.

فالقساوة في كلام أبي بكر رضي الله عنه بمعنى صلابة القلب للخير لا عن الخير، فالقساوة المذمومة صلابته عن الخير، قال تعالى لبني إسرائيل:{ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} [البقرة: 74].

قال ابن عباس: أي: إن من الحجارة لألين من قلوبكم عما تدعون

(1) رواه أبو عبيد في "فضائل القرآن"(1/ 154)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء"(1/ 34).

(2)

انظر: "حلية الأولياء" لأبي نعيم (1/ 43).

ص: 461

إليه من الخير. رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم (1).

فالأبرار قلوبهم لينة لخلقِ الله، وصدورهم منشرحة لذكر الله تعالى، كما في الحديث:"المُؤْمِنُونَ هَينُوْنَ لَينُوْنَ كَالجَمَلِ الأَنِفِ؛ إنْ قِيْدَ انْقَادَ، وإنْ أُنِيخَ عَلى صَخْرَةٍ اسْتَنَاخَ". رواه ابن المبارك عن مكحول مرسلاً، ووصله البيهقي عن ابن عمر رضي الله عنهما (2).

وقد اشتمل هذا الفصل على أكثر من سبعين خصلة هي من صفات الأبرار، فعليك بالاتصاف بها لتكون من الأخيار، ولا تطمح في التشبه بهم وأنتَ متصف بصفات الفجار، متخلق بأخلاق الأشرار.

قال الله تعالى: {أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ} [ص: 28]؛ أي: لا يكون ذلك أصلاً؛ إذ لو تساووا لبَطلَ الوعد والوعيد، ولم يكن لإيراد الكتب وإرسال الرسل فائدة.

وروى أبو يعلى عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم: "كَمَا لا يُجْتَنَى مِنَ الشَّوْكِ العِنَبُ، كَذَلِكَ لا يَنَالُ الفُجَّارُ مَنَازِلَ الأَبْرَارِ"(3).

(1) رواه ابن أبي حاتم في "التفسير"(1/ 147).

(2)

رواه ابن المبارك في "الزهد"(1/ 130) مرسلاً، والبيهقي في "شعب الإيمان"(8129) موصولًا، وقال: المرسل أصح.

(3)

انظر: "المطالب العالية" لابن حجر (13/ 201).

ص: 462

ورواه أبو نعيم عن يزيد بن مرثد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كَمَا لا يُجْتَنَى مِنَ الشَّوْكِ العِنَبُ، كَذَلِكَ لا يُنْزَلُ الفُجَّارُ مَنَازِلَ الأَبْرَارِ؛ فَاسْلُكُوْا أَيَّ طَريقٍ شِئْتُم، فَأَيُّ طَرِيْقٍ سَلَكْتُمْ وَرَدْتُمْ عَلَى أَصْلِهِ"(1).

أي: من طريق الخير وطريق الشر؛ فإن الطريقين مبينان في هذه الشريعة المطهرة ليهلكَ من هلك عن بينة فتظهر الحجة عليه، ويحيا من حيَّ عن بينة، فتظهر الحجة في الإحسان إليه، ولله الحجة البالغة.

قال سبحانه: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} [البلد: 10].

قال ابن مسعود رضي الله عنه: سبيل الخير، وسبيل الشر. رواه المفسرون، والطبراني، وصححه الحاكم (2).

وقال مجاهد: عرَّفناه سبيل الخير والشر. رواه ابن المنذر، وغيره (3).

وروى هو، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله:{وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} ؛ قال: الهدى والضلالة (4).

(1) رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء"(10/ 31).

(2)

رواه ابن أبي حاتم في "التفسير"(10/ 3434)، والطبراني في "المعجم الكبير"(9097)، والحاكم في "المستدرك"(3934).

(3)

انظر: "الدر المنثور" للسيوطي (8/ 521).

(4)

رواه الطبري في "التفسير"(30/ 200)، وابن أبي حاتم في "التفسير"(10/ 3434).

ص: 463

وروى مثله سعيد بن منصور عن محمَّد بن كعب، وابن جرير عن عكرمة، والضحاك (1).

وروى الطبراني عن أبي أمامة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يَا أيُّهَا النَّاسُ! إِنَّمَا هُمَا نَجْدَانِ؛ نَجْدُ خَيْرٍ، وَنَجْدُ شَرٍّ؛ فَمَا جَعَلَ نَجْدَ الشَّرِّ أَحَبَّ إِليْكُمْ مِنْ نَجْدِ الخَيْرِ؟ "(2).

وروى ابن مردويه عن أبي هريرة نحوه، إلا أنه قال:"فَلا يَكُنْ نَجْدُ الشَّرِّ أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ نَجْدِ الْخَيْرِ"(3).

فَنَجْدُ الْخَيْرِ هُوَ طَرِيْقُ الأَبْرارِ وَالأَخْيارِ، وَنَجْدُ الشَّر هُوَ طَرِيْقُ الْفُجَّارِ وَالأَشْرارِ.

فأي طريق سلكهُ العبد أتى منه إلى منازل أهله، وكان معهم كما في حديث يزيد بن مرثد.

ثمَّ إنَّ من تمام سلوك الأبرار أن يتبرأ السالك عليه من الحول والقوة؛ فإن عمل البر سلوك في طلب، والتبري من الحول والقوة وصول إلى

(1) عزاه السيوطي في "الدر المنثور"(8/ 521) إلى سعيد بن منصور عن محمَّد ابن كعب، ورواه الطبري في "التفسير"(30/ 200) عن عكرمة، وعن الضحاك.

(2)

رواه الطبراني في "المعجم الكبير"(8020). قال الهيثمي في "مجمع الزوائد"(8/ 256): رواه الطبراني من حديث فضال -بن الزبير- وهو ضعيف.

(3)

كذا عزاه السيوطي في "الدر المنثور"(8/ 522) إلى ابن مردويه، وكذا رواه إسحاق بن راهويه في "مسنده"(447).

ص: 464

[الله](1) وعثور على الكنز المطلوب.

وروى الإِمام أحمد، والترمذي وصححه، والنسائي عن قيس بن سعد بن عبادة رضي الله عنهما: أن أباه دفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم يخدمه، قال: فخرج عليَّ النبي صلى الله عليه وسلم وقد صليت ركعتين واضطجعت، فضربني برجله، وقال:"أَلا أَدُلّكَ عَلى بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ؟ " قلت: بلى، قال:"لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا باللهِ"(2).

وروى ابن أبي شيبة عن أبي هريرة، وروى ابن أبي شيبة، والإمام أحمد، والنسائي نحوه عن معاذ بن جبل رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بَاللهِ كَنْزٌ مِنْ كُنُوْزِ الجَنَّةِ"(3).

وعن أبي ذر رضي الله عنه: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أَلا أَدُلُّكَ عَلى كَنْزٍ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ؟ لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بَاللهِ"(4).

(1) غير واضح في "م"، ولعل الصواب ما أثبت.

(2)

رواه الإِمام أحمد في "المسند"(3/ 422)، والترمذي (3581) وصححه، والنسائي في "السنن الكبرى"(10187).

(3)

رواه ابن أبي شيبة في "المصنف"(35264)، وكذا الترمذي (3651) عن أبي هريرة رضي الله عنه، وابن أبي شيبة في "المصنف"(35265)، والإمام أحمد في "المسند"(5/ 242)، والنسائي في "السنن الكبرى"(10189) عن معاذ ابن جبل رضي الله عنه.

(4)

رواه ابن أبي شيبة في "المصنف"(35260)، والإمام أحمد في "المسند"(5/ 145)، والنسائي في "السنن الكبرى"(9842)، وكذا ابن ماجه (3825).

ص: 465

وعن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه قال: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أكثر من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله؛ فإنه كنز من كنوز الجنة (1).

وعن زيد بن ثابت رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: "أَلا أَدُلُّكُمْ عَلى كَنْزٍ مِنْ كُنُوْزِ الْجَنَّةِ؟ تُكْثِرُوْنَ مِنْ: لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا باللهِ"(2).

وإنما أمر بالإكثار من هذه الكلمة ليتمكن معناها في القلب، وهو البراءة من حول العبد وقوته، وهو سر الكلمة، فلا بِرَّ للعبد وهو يرى لنفسه حولاً أو قوة أو عملًا، بل من شأن البَرِّ الإزراء على نفسه والاتهام لها، فلا يرى نفسه أهلاً أن يكون من الأبرار، ألا ترى إلى قول أولي الألباب:{وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ} [آل عمران: 193] لما في المعية من الإشعار بالمباينة.

بل وصف الله تعالى السابقين من الأبرار بذلك في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (57) وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (58) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ (59) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (60) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} [المؤمنون: 57 - 61].

روى الإِمام أحمد، والترمذي، وابن ماجه، وابن أبي الدنيا في كتاب "الخائفين"، والحاكم وصححه، والبيهقي، والمفسرون عن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت: يا رسول الله! قول الله: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا

(1) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف"(35262).

(2)

رواه ابن أبي شيبة في "المصنف"(35263).

ص: 466