الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قال أبو شبيل (1): بلغني أنه من كتب هذه الأسماء في شيء - يعني: أسماء أهل أصحاب الكهف واسم كلبهم - وطرحه في حريق، سكن الحريق (2).
قلت: وهذه فضيلة أخرى لهذا الكلب بسبب عشرة الصالحين، وهي أنه ضم اسمه إلى أسمائهم في هذه الخصوصية العظيمة.
*
فائِدَةٌ خامِسَةَ عَشْرَةَ:
روى الإمام أحمد، والبخاري عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"بَيْنَما أَيُّوبُ عليه السلام يَغْتَسِلُ عُرْياناً خَرَّ عَلَيهِ رِجْلُ (3) جَرادٍ مِنْ ذَهَبٍ، فَجَعَلَ يَحثِي فِي ثَوبِهِ، فَناداهُ اللهُ تَعالَى: أَلَمْ أَكُ أَغْنَيْتُكَ عَمَّا تَرى؟ قالَ: بَلى يا رَبِّ! وَلَكِنْ لا غِنَى لِي عَنْ بَرَكَتِكَ"(4).
وصحح الحاكم من حديثه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لَمَّا عافَى اللهُ أَيُّوبَ أَمْطَرَ عَلَيهِ جَراداً مِنْ ذَهَبٍ، فَجَعَلَ يَأْخُذُ بِيَدِهِ وَيَجْعَلُهُ فِي ثَوبِهِ، فَقِيلَ لَهُ: يا أَيُّوبُ أَما تَشْبَعُ؟ قالَ: وَمَنْ يَشْبَعُ مِنْ فَضْلِكَ وَرَحْمَتِكَ؟ "(5).
(1) في "أ" و "ت": "أبو عبد الرحمن السلمي".
(2)
انظر: "المعجم الأوسط" للطبراني (6113)، و"الدر المنثور" للسيوطي (5/ 376).
(3)
جاء على هامش "أ": "الرِجل - بالكسر -: الجراد الكثير".
(4)
رواه الإمام أحمد في "المسند"(2/ 314)، والبخاري (3211).
(5)
رواه الحاكم في "المستدرك"(4116)، وكذا الطبراني في "المعجم الأوسط"(2533).
وذكر الدميري: أن الشافعي رضي الله تعالى عنه قال في هذا الحديث: نِعمَ المالُ الصالح مع العبد الصالح (1).
قلت: هو حديث أخرجه الإمام أحمد، والحاكم - وصححه - عن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "نِعْمَ الْمالُ الصَّالِحُ لِلرَّجُلِ الصَّالِحِ"(2).
وفيه دليل على أنه لا منافاة بين الصلاح والمال إذا كان مأخوذاً من حقه، موضوعاً في محله، وقد طلب سليمان بن داود عليهما السلام من الله تعالى ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده، فلما أوتيه طلب من الله تعالى أن يُوزِعه للشكر، ويدخله في الصالحين، فقال:{رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ} [النمل: 19]
ولولا أن سليمان عليه السلام علم أن الملك وكثرة الأموال وعروض الدنيا لا يمنع من أن يكون الرجل صالحاً لم يسأل الله تعالى أن يدخله في الصالحين؛ بل الصالح الغني من أقوى الصلحاء لاستقامة قلبه مع الغنى على تقوى الله تعالى.
ولقد قال بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم: ابتلينا بفتنة الضراء
(1) انظر: "حياة الحيوان الكبرى" للدميري (ص: 270).
(2)
رواه الإمام أحمد في "المسند"(4/ 197)، وكذا ابن حبان في "صحيحه"(3210).
فصبرنا، وابتلينا بفتنة السراء فلم نصبر (1).
وروى أبو نعيم عن أحمد بن أبي الحواري رحمه الله تعالى قال: قلت لأبي سليمان رحمه الله تعالى: كان عثمان بن عفان، وعبد الرحمن ابن عوف موسرين.
قال: اسكت؛ إنما كان عثمان وعبد الرحمن خازنين من خزان الله في أرضه، ينفقان في وجوه الخير (2).
وروى عبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد الزهد" عن يحيى بن أبي كثير قال: كان للنبي صلى الله عليه وسلم من سعد بن عبادة كل يوم جفنة تدور معه حيثما دار من نسائه.
قال: وكان يقول في دعائه: اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي مالاً؛ فَإِنَّهُ لا يُصْلحُ الفِعالَ إِلَاّ الْمالُ (3).
قلت: وينبغي للغني إذا أراد أن يكون من الصالحين أن يقتدي بالأغنياء الصالحين كسليمان، ويوسف عليهما السلام، وعثمان، وعبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنهما؛ فإن سليمان عليه السلام كان يطبخ في مطبخه جِفان الطعام الطيِّب، فإذا أفطر أفطر على خبز
(1) رواه الترمذي (2464) وحسنه عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه.
(2)
رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء"(9/ 262).
(3)
ورواه ابن أبي شيبة في "المصنف"(26618).
الشعير وجريش الملح (1).
وكان يوسف عليه السلام يجوع وبيده خزائن الأرض، فيقال له في ذلك، فيقول: أخاف أن أشبع فأنسى الجائعين (2).
وكان عثمان رضي الله عنه يطعم الناس طعام الإمارة، ويفطر على خبز الشعير والخل والزيت، واشترى بئر رومة بعشرين ألفاً، وحمل جيش العسرة على ألف بعير وسبعين فرساً، وتصدق بالألوف (3).
قال عبد الرحمن بن سمرة رضي الله تعالى عنه: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جيش العسرة، فجاء عثمان رضي الله تعالى عنه بألف دينار، فنثرها بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ولى، فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقلب الدنانير، وهو يقول:"ما يَضُرُّ عُثمانَ ما فَعَلَ بَعدَ هَذا اليَومِ". رواه أبو نعيم، وغيره (4).
وكان عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه كثيرَ الصدقات؛ شاطرَ الفقراء على ماله مرات.
(1) انظر: "الزهد" للإمام أحمد (ص: 91) بمعناه.
(2)
رواه الدينوري في "المجالسة وجواهر العلم"(ص: 38) عن وهب بن منبه.
(3)
انظر: "فضائل عثمان" لعبد الله ابن الإمام أحمد (ص: 57)، و"تاريخ الخلفاء" للسيوطي (ص: 151).
(4)
رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء"(1/ 59)، وكذا الإمام أحمد في "المسند"(5/ 63)، والترمذي (3701) وحسنه.
قال المِسور بن مَخرمة رضي الله تعالى عنه: باع عبد الرحمن بن عوف أرضاً له من عثمان بأربعين ألف دينار، فقسم ذلك المال بين بني زهرة وفقراء المسلمين وأمهات المؤمنين، وبعث إلى عائشة رضي الله تعالى عنها بمال من ذلك المال، فقالت عائشة: أما إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يَحْنُو عَلَيْكُنَّ بَعْدِي إِلَاّ الصَّالِحُونَ"؛ سقى الله ابن عوف من سلسبيل الجنة (1).
وقال أبو هريرة (2) رضي الله تعالى عنه: تصدق عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه على عهد رسول الله بشطر ماله أربع مرات (3)، ثم تصدق بأربعين ألفاً (4)، ثم تصدق بأربعين ألف دينار، ثم حمل على خمس مئة فرس في سبيل الله، ثم حمل على ألف وخمس مئة راحلة في سبيل الله، وكان عامة ماله من التجارة (5).
وقال الحسن رحمه الله تعالى: باع طلحة أرضاً بسبع مئة ألف،
(1) رواه إسحاق بن راهويه في"المسند"(1755)، والآجري في "الشريعة"(5/ 2303)، وله شاهد عند الترمذي (3749) وصححه من حديث أبي سلمة، عن عائشة رضي الله عنها.
(2)
في مصدر التخريج: "الزهري" بدل "أبي هريرة".
(3)
كذا في "ت" و "أ": "أربع مرات"، وفي مصدر التخريج:"أربعة آلاف".
(4)
في "أ": "ألف دينار" بدل "ألفاً".
(5)
رواه ابن المبارك في "الزهد"(1/ 183)، والطبراني في "المعجم الكبير"(265) كلاهما عن الزهري.
فبات ذلك المال عنده ليلة، فبات أرِقاً من مخافة ذلك المال، حتى أصبح ففَرَّقه (1).
وقالت سعدى بنت عوف امرأة طلحة رضي الله تعالى عنه وعنها: لقد تصدق طلحة يوماً بمئة ألف (2)، ثم حبسه عن الرواح إلى المسجد أن جمعت له بين طرفي ثوبه (3).
وقالت أيضاً: كانت غلة طلحة كل يوم ألفاً وافياً، وكان يسمى طلحة الفياض (4).
وقال سعيد بن عبد العزيز رحمه الله تعالى: كان للزبير بن العوام رضي الله عنه ألف مملوك يؤدون إليه الخراج، وكان يقسمه كل ليلة، ثم يقوم إلى منزله وليس معه شيء منه (5).
روى ذلك كله أبو نعيم.
وفي نفس الأمر ما كان غنى هؤلاء إلا حجة على جميع الأغنياء الذين لم ينفقوا أموالهم.
(1) رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء"(1/ 89).
(2)
في "ت" و"أ": "بألف".
(3)
رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء"(1/ 88).
(4)
رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء"(1/ 88)، وكذا الحاكم في "المستدرك"(5615).
(5)
رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء"(1/ 90).
وروى أبو نعيم عن مجاهد قال: يؤتى بثلاثة نفر يوم القيامة؛ بالغني، والمريض، والعبد المملوك، فيقول سبحانه وتعالى للغني: ما منعك من عبادتي؟
فيقول: أكثرت لي من المال فطغيت.
فيؤتى بسليمان بن داود في ملكه، فيقال له: أنت كنت أشد شغلاً أم هذا؟
قال: بل هذا.
قال: فإن هذا لم يمنعه شغله عن عبادتي.
قال: ثم يؤتى بالمريض، فيقول: ما منعك من عبادتي؟
قال: رب أشغلت علي جسدي.
قال: فيؤتى بأيوب عليه السلام في ضره؛ قال له: أنت كنت أشد ضراً أم هذا؟
قال: [فيقول: لا، بل هذا.
قال: ] فإن هذا لم يمنعه ذلك أن عبدني.
قال: ثم يؤتى بالمملوك، فيقول: ما منعك من عبادتي؟
فيقول: رب! فضلت علي أرباباً يملكوني.
فيؤتى بيوسف الصديق عليه السلام في عبوديته، فيقال: أنت أشد عبودية أم هذا؟
قال: بل هذا.
قال: فإن هذا لم يشغله شيء عن عبادتي (1).
قلت: وفي قوله في يوسف: لم يشغله شيء عن عبادتي، ولم يقل: لم تشغله العبودية إشارةٌ لطيفة؛ فإن يوسف ابتلي بالضراء، فألقي في الجُبِّ، واستُرِقَّ، وبيع بثمن بخس، وامتحن بامرأة العزيز، وبالنسوة، وبالتهمة، وبالسجن سنين، ثم ابتلي بالسراء، فاحتاج إليه الملك في تأويل الرؤيا، وطُلب إليها فتعزز حتى استنصف، ثم ملك خزائن الأرض، ثم تزوج امرأة العزيز، ثم جمع بينه وبين أبيه وإخوته، فلم يمنعه شيء من ذلك من عبادة ربه.
ثم إن للأثر (2) عن مجاهد حكم المرفوع؛ لأن مثل ذلك لا يقال رأياً.
وقد رواه الإمام أحمد في "الزهد" مفرقاً، ولفظه: "يُجاءُ يَومَ القِيامَةِ بِثَلاثَةٍ: الغَنِيِّ وَالْمَمْلُوكِ وَالْمَرِيضِ، فَيُؤْتَى بِالغَنِيِّ فَيَقولُ: ما مَنَعَكَ أَنْ تَكونَ عَبداً تَقِيًّا؟ فَيَقولُ: رَبِّ! كَثَّرْتَ لِي مِنَ الْمالِ، فَيَذْكُرُ ما ابْتُلِيَ بِهِ. قالَ: فَيُجاءُ بِسُلَيمانَ بْنِ داوُدَ عليهما السلام فِي مُلْكِهِ، فَيُقالُ: كُنتَ (3) أَغْنَى أَمْ هَذا؟
(1) رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء"(3/ 288).
(2)
في"أ" و"ت": "الأثر".
(3)
في "أ": "كنت".
فَيَقولُ: بَلْ هَذا.
قالَ: فَلَمْ يَمْنَعْهُ ذَلِكَ أَنْ عَبَدَنِي" (1).
فالمال إذا مالَ بصاحبه عن التقوى كان وبالاً عليه في الآخرة، وأقيمت عليه الحجة يوم القيامة بصالحي الأغنياء، وإن استقام صاحبه ولم يمل معه كان زيادة في مقام صاحبه.
على أن الاستقامة مع الغنى (2) أمر عزيز، ومن ثم قال عيسى بن مريم عليهما السلام: بحق أقول لكم: إن أكناف السماء لخالية من الأغنياء؛ أي: من ذكرهم، ومن ذكر أعمالهم.
قال: ولَدخول جَملٍ في سَمِّ الخياط أيسر من دخول غني الجنة. رواه الإمام أحمد في "الزهد"(3).
وروى ابنه في "زوائده" عن وهب أيضاً قال: مر رجل عابد على رجل عابد، فقال: مالك؟
قال: أعجب من فلان؛ إنه كان قد بلغ من عبادته ومالت به الدنيا!
فقال: لا تعجب ممن تميل به، ولكن اعجب ممن استقام (4).
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما ذِئْبانِ جائِعانِ أُرْسِلا فِي غَنَمٍ بِأَفْسَدَ لَها مِنْ
(1) انظر: "الدر المنثور" للسيوطي (5/ 661).
(2)
"الغنى" غير واضح في "أ" و"ت".
(3)
رواه الإمام أحمد في "الزهد"(ص: 92) عن وهب بن منبه.
(4)
رواه عبد الله ابن الإمام أحمد في "الزهد"(ص: 52).