الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فَصْلٌ
واعلم أن الأولياء من شأنهم الاختفاء والستر لأنهم معادن الأسرار الإلهية، ومن شأنها التحجب والاستتار.
ويحكى أن في بعض الكتب: أوليائي تحت حبائي، لا يعرفهم أحد سواي؛ أي: لا يعلم بهم من كل وجه أحد سواي، وقد يعرَّف بهم العباد أو بعضهم بتعريف الله تعالى على حسب ما يقسم لهم من المعرفة.
نعم؛ لا يطلع على الأولياء في الغالب إلا الأولياء لأنهم محارم.
وقد قال أبو يزيد رضي الله تعالى عنه: أولياء الله عرائس الله، ولا يرى العرائس إلا المحرمون (1).
وقال يحيى بن معاذ رضي الله تعالى عنه: الولي ريحان الله في الأرض يشمه الصديقون، فتصل رائحته إلى قلوبهم، فيشتاقون به إلى مولاهم، ويزدادون عبادة على تفاوت أخلاقهم (2).
(1) تقدم.
(2)
تقدم تخريجه.
وقال الشيخ تاج الدين بن عطاء الله في "الْحِكَم": سبحان من لم يجعل الدليل على أوليائه إلا من حيث الدليل عليه، ولم يوصل إليهم إلا من أراد أن يوصله إليه (1).
وليس للولي أن يظهر ولايته إذا تحققها من نفسه إلا إذا أذن الإظهار، أو كان داعيا إلى الله تعالى بإذنه.
ويعرف الإذن بالكشف، أو بإذن بعض أولياء الله تعالى له، أو بتيسير الدعوة والكلام لِما قيل: علامة الإذن التيسير.
قال أبو العباس المرسي رحمه الله تعالى: يكون الولي مشحونًا بالعلوم والمعارف، والحقائق لديه مشهودة، حتى إذا أعطي العبارة كان كالإذن له من الله في الكلام (2).
وإنما منع الولي في الأصل من الإظهار لأن سر الولاية لا يحتمله عقول أكثر الخلق.
ولقد قال الشيخ أبو العباس المرسي رحمه الله تعالى: لو كشف عن حقيقة الولي لعبد من دون الله؛ لأن أوصافه من أوصافه، ونعوته من نعوته (3).
ويكون اختفاء الولي سببًا داعيا لقلوب الناس إلى تحسين الظن بكل
(1) انظر: "الحكم العطائية" لابن عطاء الله السكندري (ص: 286).
(2)
انظر: "الطبقات الكبرى" للشعراني (ص: 302).
(3)
انظر: "الطبقات الكبرى" للشعراني (ص: 302).
مسلم كما أخفيت ليلة القدر في ليالي رمضان طلباً إلى الاجتهاد في كل ليلة، وكما أخفيت ساعة الإجابة في كل ليلة وفي يوم الجمعة للاجتهاد في كل اليوم وكل الليلة، وكما أخفيت الصلاة الوسطى للاجتهاد في كل الخمس، وكما أخفي رضا الله تعالى في طاعاته للاجتهاد في كلها، وغضبه في معاصيه للحذر من كلها.
ولأن سر الولاية من الأسرار الإلهية الباقية، فلا يظهر منه في دار الفناء إلا ما يحتاج إليه في جذب بعض القلوب القاسية إلى زمن البقاء، فيظهر الله تعالى سر الولاية والولي لينقاد صاحب ذلك القلب إلى الله وأمره، أو يصل إليه ما قسم له من طاعته، وبذلك يرتفع مقام الولي ويكثر أجره.
ومن ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لأَنْ يَهْدِيَ اللهُ بِكَ رَجُلًا واحِداً خَيْر لَكَ مِنْ حُمُرِ النَّعَمِ". رواه الشيخان (1).
وفي رواية: "خَيْرٌ لَكَ مِنَ الدُّنْيا وَما فِيها". رواه ابن المبارك (2).
وفي حديث آخر: "لأَنْ يَهْدِيَ اللهُ عَلى يَدِكَ رَجُلاً خَيرٌ لَكَ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَغَرَبَتْ". رواه الطبراني في "الكبير" - بسند حسن - عن أبي رافع رضي الله تعالى عنه (3).
(1) رواه البخاري (2847)، ومسلم (2406) عن سهل بن سعد رضي الله عنه.
(2)
رواه ابن المبارك في "الزهد"(1/ 484) عن ابن أبي جعفر.
(3)
رواه الطبراني في "المعجم الكبير"(994). قال الهيثمي في "مجمع الزوائد"(5/ 334): رواه الطبراني عن يزيد بن أبي زياد مولى ابن عباس، ذكره =
ومن هنا يعلم أن الولي إذا أعطي مقام الدعوة إلى الله تعالى بالوراثة عن النبي صلى الله عليه وسلم فلا بد من ظهوره للعباد؛ إذ لا يكون الداعي إلى الله تعالى إلا ظاهراً، وكذلك لو أمر برد بدعة أو دفع شبهة فلا بد أن يكون ظاهراً.
وقد روى أبو نعيم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"إِنَّ لله عِنْدَ كُل بِدْعَةٍ كِيدَ بِها الإِسْلامُ وَلِيًّا مِنْ أَوْلِيائِهِ يَذُبُّ عَنْ دِينهِ"(1).
ثم لا بد لمن يظهر من الأولياء لما تقدم أن يكسوه الله تعالى كسوتين: الجلالة، والبهاء.
كما قال ابن عطاء الله في "لطائف المنن": أما الجلالة؛ فليعظمه العباد فيقفوا على حدود الأدب معه، فيضع الله تعالى في قلوب العباد حبه لمن ينصره بما يكون أمره ونهيه مسموعين لمن يأمره وينهاه، وهو من إعزاز الحق لعباده المؤمنين كما قال تعالى:{وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} [المنافقون: 8].
وأما البهاء؛ فليحليهم به في قلوب عباده، فينظروا إليه بعين الاستحسان والمحبة، فيكون ذلك باعثًا لهم إلى الانقياد إليه (2).
= المزي في الرواة عن أبي رافع، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وبقية رجاله ثقات.
(1)
رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء"(10/ 400).
(2)
وانظر: "فيض القدير" للمناوي (2/ 207).
قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا} [مريم: 96]؛ أي: محبة في قلوب العباد، وقبولاً؛ يكون ذلك تمكينا لهم في مقام الاختلاف لهم عنهم الذي وعدهم به في قوله تعالى:{وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا} [النور: 55].
وقال ابن خفيف الشيرازي رحمه الله تعالى في كتابه "المسائل والجوابات": حكي أن الإِمام أحمد بن حنبل رضي الله تعالى عنه قال: يعطى الولي ثلاث خصال: عز من غير عشيرة، وإنشاء من غير جند، ورزق من غير كَدٍّ.
قال ابن خفيف: قلت: يعطى الولي ثلاثة أشياء: المحبة في قلوب الأبرار، والهيبة في قلوب الفجار، والملاحة في عيون الخلق، انتهى.
ومن علامة الولي حلاوة لسانه، وطلاوة كلامه كما قيل فيما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم: إِنَّ عَلَيْهِ لَطَلاوَةً، وَإِنَّ لَهُ لَحَلاوَةً، وإنَّ أَعْلاهُ لَمُثْمِرٌ، وَإِنَّ أَدْناهُ لَمُغْدِقٌ (1).
وفي نفس الأمر أعظم الدليل على الرجل لسانه.
(1) قاله الوليد بن المغيرة عن القرآن لما سمعه، كما رواه البيهقي في "دلائل النبوة"(2/ 198) عن ابن عباس رضي الله عنه.
ومن لطائف يحيى بن معاذ رضي الله عنه قال: أفواه الرجال حوانيتها، وشفاهها مغاليقها، وأسنانها مغاليقها؛ فإذا فتح الرجل باب حانوته تبين لك العطار من البيطار. رواه ابن نعيم (1).
وقال ابن عطاء الله في "لطائف المنن": سمعت شيخنا -يعني: أبا العباس المرسي رحمه الله تعالى- يقول: كلام المأذون له - يعني: في التكلم - يخرج وعليه كسوة وطلاوة، وكلام الذي لم يؤذن له يخرج مكسوف الأنوار؛ حتى إن الرجلين ليتكلمان بالحقيقة الواحدة، فتقبل من أحدهما، وترد على الآخر (2).
وروى ابن أبي الدنيا في "الإخلاص والنية"، وغيره عن أبي بحر البكراوي قال: اجتمع بمكة الفضل الرقاشي وعمر بن ذر، فشهدتهما، فتكلم الفضل، فأطال وأكثر، ووعظ وذهب من الكلام في مذاهب، فما رأيت أحدًا رق لكلامه، ثم سكت، فتكلم ابن ذر، فحيث تكلم بكى الناس ورقوا (3).
وعن ابن السَّمَّاك قال: قال ذر بن عمر بن ذر لأبيه: ما بال المتكلمين يتكلمون فلا يبكي أحد، وإذا تكلمت سمعت البكاء من ها هنا وها هنا؟
(1) رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء"(10/ 60).
(2)
وانظر: "الطبقات الكبرى" للشعراني (ص: 302).
(3)
ورواه أبو نعيم في "حلية الأولياء"(5/ 113).
فقال: يا بني! ليست النائحة المستأجرة كالنائحة الثكلى (1).
وقال أبو العباس المرسي: إن أولياء هذا الوقت ليريدون بشيء الغنى واليقين؛ فالغنى لكثرة ما عند الناس من الإفلاس، واليقين لكثرة ما عند الناس من الشكوك.
وأراد بالغنى غنى النفس المشار إليه بقوله صلى الله عليه وسلم: "لَيس الغِنَى عَنْ كَثْرَةِ العَرَضِ، وَالغِنَى غِنَى النَّفْسِ" رواه الإِمام أحمد، والشيخان، وغيرهم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه (2).
وروى أبو الحسن بن جهضم في "بهجة الأسرار" عن سهل بن عبد الله التُّستَري رحمه الله تعالى قال. إنّ الله تعالى اصطنع إلى أوليائه ثلاث خصال: لا يطمعهم من حيث يطمعون، ويشوش عليهم تدبيرهم لأنفسهم، ولا يظفر بهم عدوهم؛ يريد عز وجل ألا يرجوا غيره، ولا يخافوا سواه؛ لأنه البارُّ بهم اللطيف الكريم (3).
وقال بعض العارفين: إن لله تعالى في أوليائه لطيفة، وذلك أن يضطرهم ويبتليهم حتى يسألوا الناس ويقصدونهم في حاجتهم، ثم يبقى
(1) ورواه أبو نعيم في "حلية الأولياء"(5/ 111).
(2)
رواه الإِمام أحمد في "المسند"(2/ 243)، والبخاري (6881) ، ومسلم (1051).
(3)
رواه الرافعي في "التدوين في أخبار قزوين"(1/ 396) لكن من كلام أبي علي الدقاق.