الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وعن معاذ رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إِنَّ أَطْيَبَ الكَسْبِ كَسْبُ التُّجَّارِ الَّذِينَ إِذا حَدَّثوا لَمْ يَكْذِبُوا، وَإِذا وَعَدُوا لَمْ يُخْلِفُوا، وَإِذا ائْتُمِنُوا لَمْ يَخُونوا، وَإِذا اشْتَرَوْا لَمْ يَذُمُّوا، وَإِذا باعُوا لَمْ يَمْدَحُوا، وَإِذا كانَ عَلَيْهِمْ لَمْ يَمْطُلُوا، وَإِذا كانَ لَهُمْ لَمْ يُعَسِّرُوا"(1).
قلت: وهؤلاء هم صالحو التجار، ومن أوصافهم أنهم لا يكثرون الأيمان على البيع والشراء وإن كان صدقاً، ولا يغشون، ولا يكتمون عيباً، ولا يتركون صلاة في وقتها لبيع ولا شراء، ويؤتون [95] الزكاة، ولا يبيعون على بيعِ مسلم ولا ذمي، ولا يشترون على شرائه، ولا يسومون على سَومه، ويحذرون من كل إثم، ويرغبون في كل خير.
*
فائِدَةٌ سادِسَةٌ وَسِتُّونَ:
روى أبو نعيم، وابن عساكر عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الرَّجُلُ الصَّالِحُ يَأْتِي بِالْخَبَرِ الصَّالِحِ، وَالرَّجُلُ السُّوءُ يَأْتِي بِالْخَبَرِ السُّوءِ"(2).
وفي لفظ: "يُحِبُّ الْخَبَرَ الصَّالِحَ".
(1) رواه ابن أبي حاتم في " العلل "(1/ 385) وقال أبوه: باطل، والحكيم الترمذي في " نوادر الأصول "(2/ 83)، والبيهقي في "شعب الإيمان"(4854).
(2)
رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء"(3/ 95)، وابن عساكر في " تاريخ دمشق "(45/ 361).
وروى أحمد بن منيع عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الْخَبَرُ الصَّالِحُ يَجِيْءُ بِهِ الرَّجُلُ الصَّالِحُ، وَالْخَبَرُ السُّوءُ يَجِيْءُ بِهِ الرَّجُلُ السُّوءُ"(1).
والمعنى أن من أخلاق الصالحين التبشير دون التنفير، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"بَشِّرُوا وَلا تُنَفِّرُوا، وَيَسِّرُوا وَلا تُعَسِّرُوا"(2).
وكذلك لا يحبون نقل الأراجيف، ولا إشاعة السوء والفواحش في المسلمين لأن ذلك من خلق الأشرار المنافقين كما قال الله تعالى في أهل الإفك:{إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النور: 19].
روى ابن أبي حاتم عن خالد بن معدان قال: من حدث بما أبصرت عيناه وسمعت أذناه - يعني: من السوء - فهو من الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا (3).
وقال الله تعالى: {الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ} [النور: 26] الآية.
قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في تفسيرها: الخبيثات من
(1) ذكره الحافظ في "المطالب العالية"(12/ 658) عن ابن منيع، ورواه الديلمي في "مسند الفردوس"(3001).
(2)
تقدم تخريجه.
(3)
رواه ابن أبي حاتم في "التفسير"(8/ 2550).
الكلام للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال للخبيثات من الكلام، والطيبات من الكلام للطيبين من الناس، والطيبون من الناس للطيبات من الكلام (1).
أوقال مجاهد في قوله تعالى، :{أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ} [النور: 26]: من كان طيباً فهو مبرأ من كل قول خبيث يقوله، يغفر الله له، ومن كان خبيثاً فهو مبرأ من كل قول صالح يقوله، يرده الله عليه، لا يقبله [منه]. رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم، والطبراني (2).
وقال عطاء بعد أن فسر الآية بنحو قول ابن عباس في قوله تعالى: {أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ} [النور: 26]: ألا ترى أنك تسمع بالكلمة الخبيثة من الرجل الصالح فتقول: غفر الله لفلان، ما هذا من خلقه، ولا من شيمه، ولا مما يقول، قال الله تعالى:{أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ} [النور: 26] أن يكون ذلك من شيمهم ولا من أخلاقهم، ولكن الزلل قد يكون. رواه عبد بن حميد (3).
وفيه إشارة إلى أن الرجل الصالح لا تضره الكلمة السوء إذا بدرت منه واستغفر منها.
(1) رواه ابن أبي حاتم في "التفسير"(8/ 2563)، والطبراني في "المعجم الكبير"(23/ 158).
(2)
رواه الطبري في "التفسير"(18/ 109)، وابن أبي حاتم في " التفسير"(8/ 2565)، والطبراني في "المعجم الكبير"(23/ 161).
(3)
انظر: "الدر المنثور" للسيوطي (6/ 186).
ولقد سبق قوله صلى الله عليه وسلم: "اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ الَّذِينَ إِذا أَساؤُوا اسْتَغْفَرُوا، وَإِذا أَحْسَنُوا اسْتَبْشَرُوا"(1).
نعم؛ من شرط الصالح إذا استغفر من الكلمة السوء والفعلة السوء أن يضيق لها صدره، ويخفق لها قلبه، ويلوم عليها نفسه.
ولا يظهر الاستغفار وفي قلبه ميل لتلك الكلمة، ولا تعلق بتلك الفعلة، ونفسه حينئذ لوامة.
وقد قال الله تعالى: {لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (1) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ} [القيامة: 1 - 2].
و(لا) زائدة لتأكيد الكلام، وإقسام الله تعالى بها تعظيم لها وتعريف بمقامها.
قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قوله: {بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ} [القيامة: 2]؛ قال: تندم على ما فات، وتلوم عليه. رواه ابن المنذر (2).
وقال الحسن رحمه الله تعالى في الآية: إن المؤمن لا تراه إلا يلوم نفسه؛ ما أردت بكلمتي، ما أردت بأكلتي، ما أردت بحديثي نفسي، ولا أراه إلا معاتبها، وإن الفاجر يمضي قدماً لا يعاتب نفسه. رواه ابن
(1) تقدم تخريجه.
(2)
انظر: "الدر المنثور" للسيوطي (8/ 343).