الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وأما قول أسيد بن حضير لسعد بن عبادة: إنك منافق تجادل عن المنافقين؛ فالمعنى: إنك قاربت النفاق لمجادلتك عن المنافقين، أو: فعلت أفعال المنافقين.
ومن هنا يعلم أن ما شجر بين الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وما صدر من بعضهم من زلة لا يخرجهم عن العدالة والصلاح لأن ذلك يكون عن اجتهاد وإن أخطأ بعضهم، وكان لهم من الإحسان ما يكفر الزلة من الإساءة، ثم هم أقرب إلى التوبة والرجوع إلى الله تعالى من غيرهم.
ومذهب أهل السنة أن من أساء عشراً وأحسن واحدة، كفرت هذه الواحدة عن تلك العشرة؛ فكيف بمن يحسن عشراً ويسيء واحدة؟ بل كيف بمن معظم أعماله حسن وزلته واحدة؟ فافهم!
*
فائِدَةٌ ثامِنَةٌ وَثلاثونَ:
اعلم أن العبد الصالح ليس من شرطه أن يكون معصوماً، بل من شرطه أن يكون كارهاً للذنب قبل وقوعه منه، محزوناً منه بعد وقوعه، خائفاً من عقوبته، واجداً على نفسه، تائباً منه.
ولقد أحسن القائل: [من الطويل]
وَما كُنْتُ أَرْجُو أَنْ تَرى لِيَ زَلَّةً
…
وَلَكِنْ قَضاءُ اللهِ ما مِنْهُ مَهْرَبُ (1)
(1) البيت لأبي بكر بن بهلول، كما في "شعب الإيمان" للبيهقي (8341).
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ ساءَتْهُ سَيِّئَتُهُ وَسَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ فَهِيَ أَمارَةُ الْمُؤْمِنِ". رواه البخاري في "تاريخه" عن عمر رضي الله تعالى عنه (1).
وروى الطبراني في " الكبير " عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " مَنْ ساءَتْهُ سَيِّئاتُهُ، وَسَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ فَهُوَ مُؤْمِنٌ "(2).
وفي "الأوسط" عن علي رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ ساءَتْهُ سَيِّئَتُهُ فَهُوَ مُؤْمِنٌ "(3).
وحديث أبي أمامة عند الإمام أحمد، وابن حبان في "صحيحه"، والحاكم - وصححه - والضياء المقدسي في " الأحاديث المختارة "، ولفظهم:" إِذا سَرَّتْكَ حَسَنَتُكَ وَساءَتْكَ سَيِّئَتُكَ فَإِنَّكَ مُؤْمِنٌ "(4).
ورواه الطبراني في " الكبير " من حديث أبي موسى رضي الله تعالى عنه، ولفظه:" مَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ، وَساءَتْهُ سَيِّئَتُهُ فَهُوَ مُؤْمِنٌ "(5).
(1) رواه البخاري في " التاريخ الكبير "(4/ 155).
(2)
رواه الطبراني في "المعجم الكبير"(7539).
(3)
رواه الطبراني في "المعجم الأوسط"(7474).
(4)
رواه الإمام أحمد في "المسند"(5/ 251)، وابن حبان في "صحيحه"(176)، والحاكم في " المستدرك "(34).
(5)
ورواه الإمام أحمد في "المسند"(4/ 398).
وروى الديلمي عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " مَنْ ساءَتْهُ خَطِيئَتُهُ غُفِرَ لَهُ وَإِنْ لَمْ يَسْتَغْفِرْ"(1).
قلت: ووجه ذلك أن العبد إذا كره الخطيئة وسيء بها، كانت كراهته لها حسنة، والحسنة تكفر الخطيئة من الصغائر.
وأيضاً فإن ما يدخل عليه من السوء بسبب الخطيئة مصيبة، والمصيبة مكفرة أيضاً.
فإن استغفر فالاستغفار مكفر ثالث.
وهذا حال الصالحين؛ إذا أذنب أحدهم قامت قيامته، وعظمت مصيبته، وضاقت نفسه، وضاقت عليه الأرض بما رحبت كما وصف الله تعالى بذلك الثلاثة الذين خلفهم عن المتخلفين عن تبوك؛ فإنه لما رجع جاء إليه من تخلف عنه، وكانوا بضعاً وثمانين رجلاً، فاعتذروا فقبل عذرهم؛ إلا ما كان من كعب بن مالك، ومرارة بن ربيعة، وهلال بن أمية الواقفي رضي الله تعالى عنهم؛ فإنهم أقروا بأنهم تخلفوا عنه بغير عذر، وأقروا بذنوبهم، وصدقوا في ترك الاعتذار، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بهجرهم، فمكثوا خمسين يوما حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وحزنوا لذنوبهم (2)، فأنزل الله تعالى فيهم، فقال: {لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى
(1) رواه الديلمي في " مسند الفردوس "(5753) عن أنس رضي الله عنه.
ورواه عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه الطبراني في " المعجم الأوسط "(4472).
وضعف العراقي إسناده في "تخريج أحاديث الإحياء"(1/ 271).
(2)
في "أ": " لذنبهم "، والمثبت من "ت".
النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ} إلى قوله: {وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (118) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119)} [التوبة: 117 - 119](1).
قال السدي في الآية: كونوا مع كعب بن مالك، ومرارة بن ربيعة، وهلال بن أمية. رواه ابن أبي حاتم، وغيره (2).
فهؤلاء الثلاثة لما ساءتهم سيئتهم، وأحزنتهم، وضيقت صدورهم، تاب الله عليهم، وأمر المؤمنين أن يتأَسَّوا بهم. وفي "الصحيحين" في حديث كعب بن مالك رضي الله تعالى عنه عن توبته بعد أن وصف صدقه النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يتجوز في الاعتذار، وقول النبي صلى الله عليه وسلم له:"أَمَّا هَذا فَقَدْ صَدَقَ؛ فَقُمْ حَتَّى يَقْضِيَ اللهُ فِيكَ".
وصف تأنيب قومه له على ذلك؛ قال: فو الله ما زالوا يؤنبوني حتى أردت أن أرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكذِّب نفسي.
قال: ثم قلت لهم: هل لقي هذا معي من أحد؟
قالوا: نعم؛ رجلان قالا (3) مثل ما قلت، وقيل لهما [مثل ما قيل لك].
(1) انظر: "السيرة النبوية" لابن هشام (5/ 213).
(2)
رواه ابن أبي حاتم في "التفسير"(6/ 1907).
(3)
في " أ "، و" ت "" فقالا ".