الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
*
فائِدَةٌ حادِيَةٌ وَأَرْبعونَ:
روى سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، والبيهقي في " الشعب "، والمفسرون عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: لا يَصلُح الكذبُ في جِدٍّ ولا هزل، ولا أن يَعِدَ أحدُكم صبيَّه شيئاً ثم لا ينجزُه؛ اقرؤوا إن شئتم:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [التوبة: 119].
قال: وهي قراءة عبد الله هكذا بكسر المهملة.
قال: فهل تجدون (1) لأحد رخصة في الكذب (2)؟
وهل يباح الكذب للمصلحة، أو لا؟
كلام ابن مسعود هذا يدل على الثاني، وهو قول جماعة؛ منهم: أبو القاسم الطبراني، وأقضى القضاة الماوردي؛ قالوا: وما جاء في هذا من الإباحة فإنما المراد به التورية واستعمال المعاريض، لا صريح الكذب كأن يَعِدَ زوجته أن يحسن إليها ويكسوها، وينوي إن سمحت نفسه (3).
وفي الحديث: " إِنَّ فِي الْمَعارِيضِ مَنْدُوحَةً عَنِ الكَذِب". رواه ابن
(1) في "أ" و"ت ": " تحبون ".
(2)
رواه سعيد بن منصور في " السنن "(5/ 295)، وابن أبي شيبة في "المصنف"(25601)، والبيهقي في "شعب الإيمان"(4789)، والطبري في "التفسير"(11/ 63).
(3)
انظر: "شعب الإيمان" للبيهقي (4/ 203 - 204).
السني عن عمران بن حصين، وأبو نعيم عن علي رضي الله تعالى عنهما (1).
قال النووي رحمه الله تعالى في "الأذكار": ومعنى التورية أن يقصد بعبارته مقصوداً صحيحا ليس هو كاذباً بالنسبة إليه، وإن كان كاذباً في ظاهر اللفظ (2).
وهذا معنى التعريض أيضاً.
ولعل التورية إطلاق لفظ يحتمل معنيين، يوهم بأحدهما السامع، ويقصد بقلبه الآخر.
والصحيح القول الأول، وهو قول الأكثرين: جواز الكذب للمصلحة كخدعة الحرب.
نعم إن أمكنه التورية فلا يعدل إلى الصريح، وإلا جاز له العدول إليه.
(1) ورواه البيهقي في "السنن الكبرى"(10/ 199) مرفوعاً وموقوفاً ورجح الموقوف.
وكذا رواه موقوفا ابن أبي شيبة في "المصنف"(5/ 282)، والبخاري في "الأدب المفرد"(857) عن عمران بن حصين رضي الله عنه.
ورواه ابن عدي في "الكامل"(1/ 35) عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وقال: وهذا الحديث لا أعلم يروى عن عطاء بن السائب إلا من هذا الطريق. قال ابن طاهر في "ذخيرة الحفاظ"(2/ 942): فيه نصر بن طريف، ونصر هذا أحد المعروفين بالكذب.
(2)
انظر: "الأذكار" للنووي (ص: 302).
وفي " الصحيحين " عن أم كلثوم رضي الله تعالى عنها: أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " لَيْسَ الكَذَّابُ الَّذِي يُصْلِحُ بَينَ النَّاسِ فَيَنْمِي خَيراً، أَوْ يَقُولُ خَيراً ".
زاد مسلم في رواية له: قالت أم كلثوم: ولم أسمعه يرخص في شيء مما يقول الناس إلا في ثلاث: الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته والمرأة زوجها (1).
قال النووي: وأحسن ما ضبط به الكذب المباح: ما ذكره حجة الإسلام من أن الكلام وسيلة للمقاصد، وكل مقصود محمود أمكن التوصل إليه بالصدق فالكذب فيه حرام، فهو مباح إن كان المقصود مباحاً، وواجب إن كان واجباً (2).
وقال جدي شيخ الإسلام رضي الدين الغزي في ألفيته المسماة بِـ: "الجوهر الفريد": [من الرجز]
وَاعْلَمْ بِأَنَّ الكِذْبَ فِي الْمَصالِحِ
…
مَعَ التَّوَرِّي شَأْنُ كُلِّ صالِحِ
لِقَصْدِ صِدْقٍ وَهْوَ واجِبٌ لَدى
…
دَفْعٍ لِمَنْ [قد] صالَ يَبْغِي وَاعْتَدَى
(1) رواه البخاري (2546)، ومسلم (2605).
(2)
انظر: " إحياء علوم الدين " للغزالي (3/ 137)، و"الأذكار" للنووي (ص: 302).