الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وليس المراد بكلام الشيخ أرسلان أن لا يكون في العبد حركة في شيء من المباحات؛ فإن الأنبياء فمن دونهم ليس لهم غنى عن ذلك.
وقد نَظَمْتُ "الرسالة الأرسلانية" في أرجوزة، وقلت في معنى هذا الكلام:[من الرجز]
ما أَنْتَ صالِحٌ لَنا ما دامَ فِيكْ
…
بَقِيَّةٌ لِمَنْ سِوانا تَقْتَضِيكْ
فَخَلَّ عَنِ السِّوى وَحَوِّلْ عَنْكا
…
نُفْنِكَ عَنْكَ ننْتَقِذْكَ مِنْكا
فَعُدْتَ صالِحاً لَنا فَنُوْدِعَكْ
…
مِنْ سِرِّنا شَيئاً بِهِ نُمَتِّعَكْ
*
فائِدَةٌ ثامِنَةَ عَشْرَةَ:
روى أبو نعيم عن وهب بن منبه قال: الويل لكم إذا سماكم الناس صالحين (1)!
قلت: وفي معناه وجوه:
أحدها: أن العبد إذا أثنى الناس عليه بالصلاح فقد يسكن لهذه التسمية، ويعتقد الكمال في نفسه والصلاح، وقد سبق أن من تمام الصلاح الإزراء على النفس، واعتقاد العيب فيها والنقص.
(1) رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء"(4/ 69).
والثاني: أن يكتفي بهذه الشهرة، ويترك الاجتهاد في الطاعة، و (1) يسترسل في المعاصي؛ فيهلك.
والثالث: أن تحمله هذه التسمية والشهرة على تكليف الناس إكرامه وتعظيمه، والقيام بخدمته حتى كأنه يرى ذلك حقاً عليهم لازماً، فإن قصروا فيه مقتهم، وسبَّهم وطعن عليهم؛ وهذا هلاك أيضاً.
والرابع: أن يعجب بصلاحه، ويحتج على دعواه وعجبه به لهذه الشهرة، ويحتقر من هو دونه.
والخامس: أن يفتن بهذه الشهرة، فيقف عند حاله، ولا يفتش عن عيوب نفسه، ويغفل عن تهذيبها حتى يخرج عن سمت الصالحين.
ومن ثم كان بعض السلف إذا أثنى عليه الناس يقول: اللهم اجعلني خيراً مما يظنون، ولا تفتني بما يقولون، ولا تؤاخذني بما لا يعلمون (2).
وأجاد أبو العتاهية في قوله: [من الوافر]
يَظُنُّ النَّاسُ بِي خَيْراً وإنِّي
…
لَشَرُّ النَّاسِ إِنْ لَمْ تَعْفُ عَنِّي (3)
(1) في " أ": "أو"، والمثبت من "ت".
(2)
رواه البخاري في "الأدب المفرد"(761)، وابن أبي شيبة في "المصنف"(35703) عن عدي بن أرطأة، ولفظ البخاري:"كان الرجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا زكي قال: اللهم لا تؤاخذني بما يقولون واغفر لي ما لا يعلمون".
(3)
انظر: "الأغاني" للأصبهاني (4/ 115).