الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بالمغفرة على أصل الفطرة.
وأيضاً فإن المغفرة تشمل الذنوب كما في الحديث: أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول:
"إِنْ تَغْفِرِ اللَّهُمَّ تَغْفِرْ جَمَّا
…
وَأَيُّ عَبْدٍ لَكَ لا ألمَّا"
رواه الترمذي، وغيره (1).
وإذا غفرت ذنوب العبد كان صالحاً للقربة في الدنيا والآخرة.
*
فائِدَةٌ تاسِعَةٌ وَعِشْرونَ:
روى أبو يعلى، والطبراني في "الأوسط"، والبيهقي في "الشعب" عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ الْخَصْلَةَ الصَّالِحَةَ تَكُونُ فِي الرَّجُلِ فَيُصْلِحُ اللهُ بِها عَمَلَهُ كُلَّهُ، وَطُهُورُ الرَّجُلِ لِصَلاتِهِ يُكَفِّرُ اللهُ بِهِ ذُنوبَهُ وَتَبْقَى صَلاتُهُ لَهُ نافِلَةً"(2).
ووجه ذلك: أن الخصلة الصالحة إذا كانت من صفة الرجل، ولا تصلح إلا إذا كانت طاعة خالصة لله تعالى، والطاعة على حقيقة الشكر، والشكر يقتضي المزيد، فيزيده الله تعالى من طاعته، ثم يزيده توفيقاً إليها حتى تصلح أعماله كلها.
(1) رواه الترمذي (3284) عن ابن عباس رضي الله عنه، وقال: حسن صحيح غريب.
(2)
رواه أبو يعلى في "المسند"(3297)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (7102). قال ابن عدي في "الكامل" (2/ 23): بشار بن الحكم منكر الحديث، وأحاديثه عن ثابت إفرادات، وأرجو أنه لا بأس به.
وفي الحديث إشارة إلى أن الرجل متى وجد من العبد خصلة صالحة ينبغي أن يتوسم فيه الصلاح، ولا يسيء الظن به؛ فإن لخصلته أخوات.
وفيه وجه آخر، وهو أن الخصلة الصالحة تكفر خصالاً من السيئات، فيرجى له أن تكون تلك الخصلة سبباً لسعادته.
وقد قال الله تعالى: {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 102].
قال أبو عثمان النهدي رحمه الله تعالى: ما في القرآن آية أرجى عندي لهذه الأمة من قوله تعالى: {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ} [التوية: 102] الآية. رواه ابن أبي شيبة، وابن أبي الدنيا في "التوبة"(1)، والبيهقي في "الشعب"، وغيرهم (2).
وروى ابن أبي حاتم عن الأحنف بن قيس رحمه الله تعالى قال: عرضت نفسي على القرآن، فلم أجدني بآية أشبه مني بهذه الآية:{وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ} [التوبة: 102](3).
وروى البيهقي عن مطرف رحمه الله تعالى قال: إني لأستلقي من
(1) في "ت": "رواه ابن أبي شيبة في "التوبة" وابن أبي الدنيا".
(2)
رواه ابن أبي شيبة في "المصنف"(35379)، وابن أبي الدنيا في "التوبة" (ص: 84)، والبيهقي في "شعب الإيمان"(7165).
(3)
رواه ابن أبي حاتم في "التفسير"(6/ 1874)، وكذا الإمام أحمد في "الزهد" (ص: 236).
الليل على فراشي، وأتدبر القرآن، فأعرض نفسي على أعمال أهل الجنة، فإذا أعمالهم شديدة:{كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ} [الذاريات: 17]، {وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا} [الفرقان: 64]، {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا} [الزمر: 9]، فلا أراني منهم.
فأعرض نفسي على هذه الآية: {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ} إلى قوله: {نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ} [القمر: 42 - 46] فأرى القوم مكذبين، فلا أراني فيهم.
فأمرُّ بهذه الآية: {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا} [التوبة: 102]، وأرجو أن كون أنا وأنتم يا إخوتاه منهم (1).
قلت: لقد مر في بعض مجالسي من نحو عشرين سنة أني دعوت الله تعالى، فقلت: اللهم اجعلنا من الصالحين، فإن لم تجعلنا من الصالحين فاجعلنا من المخلطين الذين خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً، أو ما هذا معناه، فبعد انقضاء المجلس اعترض علي بعض السامعين، فقال: يا سيدي! كيف تدعو الله أن يجعلنا من المخلطين والمعصية مقررة فيهم؟
قلت: سبحان الله تعالى! والعمل الصالح مقرر فيهم أيضاً، وهو أولى أن يكون من المصرين، فإن لم يكن وابل فَطَلٌّ.
ثم وقفت على كلام مطرف هذا، فحمدت الله على موافقته.
(1) رواه البيهقي في "شعب الإيمان"(7166).