الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
*
فائِدَةٌ خامِسَةٌ وَخَمسونَ:
ألهمني الله تعالى في قوله تعالى حكاية عن الجن في سورة الجن: {وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ} [الجن: 11] مع قوله تعالى في الحديث القدسي: "أَعْدَدْتُ لِعِبادِيَ الصَّالِحِينَ ما لا عَيْنٌ رَأَتْ وَلا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ" كما رواه الإمام أحمد، والشيخان، والترمذي، وابن ماجه من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه (1)، دليلاً سمعياً للقول الراجح في الجن أنهم يثابون على الإحسان كما يعاقبون على الإساءة خلافاً لأبي حنيفة رضي الله تعالى عنه، وآخرين أنهم يعاقبون على المعصية، وليس لهم ثواب إلا النجاة من النار فقط احتجاجاً بأنه لا دليل من السمع على أن لهم ثواباً غير ذلك (2).
ولا يخفى أن في هذه الآية مع الحديث المذكور دليلاً واضحاً على أن لهم ثوابًا غير ذلك لأن الله تعالى يقول: "أَعْدَدْتُ لِعبادِيَ الصَّالِحِينَ"، وهم أعم أن يكونوا بشراً أو ملكاً أو جِنًّا، فتأمله: فإنه لطيف وهو من استنباطي؛ والله الموفق!
*
فائِدَةٌ سادِسَةٌ وَخَمسونَ:
حكى الشيخ عبد الله بن أسعد اليافعي رضي الله تعالى عنه في "روض
(1) رواه الإمام أحمد في "المسند"(2/ 438)، والبخاري (3072)، ومسلم (2824)، والترمذي (3197)، وابن ماجه (4328).
(2)
انظر: "تفسير القرطبي"(16/ 217).
الرياحين" في الحكاية الثالثة والعشرين بعد الأربعمئة عن بعض المشايخ قال: قال لي أبو بكر بن الشفق بطرسوس: إني سمعت من أبي الخير شيئاً لم يقبله قلبي منه.
قلت: وما هو؟
قال: ذكر أنه لقي عيسى بن مريم عليهما السلام.
قال: فقلت: أنا أحكي لك حكاية تصديقاً لأبي الخير: سمعت محمد بن حامد وقد ذكر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كَيفَ أَخافُ عَلى أُمَّةٍ أَنا أَوَّلُهُمْ وَعِيسى آخِرُهُمْ"(1)؟ فقال ابن حامد: إن عيسى ينزل ثلاث مرات؛ يظهر في أول مرة للأولياء، وفي الثانية للصلحاء، والثالثة ينزل ببيت المقدس فيراه الخاص والعام.
فقام ابن الشفق فدخل داره، فركب دابة وخرج علينا، فقلت له: أين تريد؟
فقال: إلى أبي الخير أستحله.
فقلت له: اجلس إلى الغد.
فقال: إني أخاف والله الموت.
فلما كان بعد أيام رجع إلى طرسوس، فدخلت إليه فقال: رجعت بأعجب مما مضيت فيه عما مضيت فيه، وذلك أني وصلت وقد صلى
(1) رواه الحكيم الترمذي في "نوادر الأصول"(2/ 93) عن عبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنه، ولفظه:"لن يخزي الله أمة أنا أولها والمسيح آخرها".