الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن لم يكن في كتاب الله ولا في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فاقض بما قضى به الصالحون، فإن شئت فتقدم، وإن شئت فتأخر، ولا أرى التأخير إلا خيراً لك؛ والسلام (1).
والمراد بالصالحين في هذين الأثرين: العلماء العاملون، الراسخون في العلم المجتهدون؛ كعمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وابن مسعود، وأبي الدرداء رضي الله تعالى عنهم.
ولا يتناول ذلك عوام الصالحين من المتعبدين والمتزهدين.
وقد استقر الأمر الآن على تقليد الأئمة الأربعة رضي الله تعالى عنهم، والأخذ من قواعد مذاهبهم، ونصوص المعتبرين من أصحابهم رضي الله تعالى عنهم.
*
فائِدَةٌ حادِيَةٌ وَخَمسونَ:
روى ابن الجوزي في "صفة الصفوة" عن الربيع بن يونس قال: رأيت أمير المؤمنين المنصور ينازل أبا حنيفة رضي الله تعالى عنه في أمر القضاء، وهو يقول: اتق الله ولا تدع في أمانتك إلا من يخاف الله، والله ما أنا مأمون الرضا؛ فكيف أكون مأمون الغضب؟ ولو اتجه الحكم عليك ثم تهددني أن تغرقني في الفرات، أو أن أَلي الحكم، لاخترت أن أغرق، ولك حاشية يحتاجون إلى من يكرمهم لك فلا أصلح لذلك.
(1) رواه النسائي (5399).
فقال له: كذبت، أنت تصلح.
فقال: قد حكمت لي على نفسك؛ كيف يحل لك أن تولي قاضياً على أمانتك وهو كذاب (1).
قول أبي حنيفة رضي الله عنه: لا أصلح لذلك؛ يعني: القضاء؛ أي: لا أرى نفسي صالحاً له، ولا آمن على نفسي أن تستقيم في الرضا والغضب، وفيما لو توجه الحكم على الخليفة فمن دونه أو على حاشيته.
وهذه من آفات القضاء، ولذلك امتنع منه كثير من السلف الصالحين لاستضعاف أنفسهم عنه، وخوفهم من الفتنة فيه.
وقد روى الترمذي: أن عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه قال لابن عمر: اذهب فاقض بين الناس.
قال: أوتعافيني يا أمير المؤمنين؟
قال: وما تكره من ذلك وقد كان أبوك يقضي؟
قال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "مَنْ كانَ قاضِياً يَقْضِي بِالْحَقِّ فَبِالْحَرِيِّ أَنْ يَنْقَلِبَ مِنْهُ كفافاً"؛ فما أرجو بعد ذلك (2)؟
وفي رواية: فقال: لا أقضي بين رجلين.
قال: فإن أباك كان يقضي؟
قال: فإن أبي كان يقضي، فإن أشكل عليه شيء سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم،
(1) ورواه الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد"(13/ 328).
(2)
رواه الترمذي (1322) وقال: غريب وليس إسناده عندي بمتصل.
فإن أشكل على رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل جبريل عليه السلام، وإني لا أجد من أسأله.
وقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ عاذَ بِاللهِ تَعالَى فَقَدْ عاذَ"، وإني أعوذ بالله منك أن تجعلني قاضياً.
فأعفاه، وقال: لا تخبرن أحداً (1).
وروى البيهقي عن أيوب قال: وجدت أعلم الناس بالقضاء أشدَّ الناس منه فراراً، وأشدهم منه فَرَقاً.
ثم قال: وما كنت أدركت أحداً كان أعلم بالقضاء من أبي قلابة، وكان يراد على القضاء فنفر إلى الشام مرة، ونفر إلى اليمامة مرة، وكان إذا قدم البصرة كان كالمستخفي حتى يخرج (2).
وعن الشافعي صلى الله عليه وسلم قال: دخل سفيان الثوري رضي الله تعالى عنه على أمير المؤمنين المنصور، فجعل يتجانن عليه (3) ويمسح البساط، ويقول: ما أحسنه! بكم أخذتم هذا؟ ثم قال: البول! البول! حتى أُخرج؛ يعني: إنه احتال ليتباعد عنهم ويسلم من أمرهم (4).
(1) رواه ابن سعد في "الطبقات الكبرى"(4/ 146)، وعبد بن حميد في "مسنده"(48).
(2)
رواه البيهقي في "السنن الكبرى"(10/ 97).
(3)
في "السنن الكبرى": "عليهم".
(4)
رواه البيهقي في "السنن الكبرى"(10/ 98).
وذكر الحافظ المزي في "تهذيب الكمال" عن مسعر رحمه الله تعالى قال: دعاني أبو جعفر ليوليني، فقلت: إن أهلي يقولون: لا نرضى اشتراءك لنا في شيء بدرهمين؛ وأنت توليني! أصلحك الله! إن لنا قرابةً وحقاً؛ فأعفاه (1).
أراد بالقرابة: أم الفضل الهلالية والدة عبد الله بن عباس، وكان مسعر هلالياً.
وذكر عن أبي بكر بن أبي داود قال: كان المستعين بالله بعث إلى نصر بن علي - يعني: الجهضمي، أحد الحفاظ والأئمة بالبصرة - يشخصه للقضاء، فدعاه عبد الملك أمير البصرة، فأمره بذلك، فقال: أرجع فأستخير الله.
فرجع إلى بيته نصف النهار، فصلى ركعتين، وقال: اللهم إن كان لي عندك خير (2) فاقبضني إليك.
فنام، فأنبهوه فإذا هو ميت (3).
وعن الحسن بن علي الزنجاني قال: كان يحيى بن يحيى النيسابوري الحافظ، أحد الأئمة يحضر مجلس مالك، وكان يحضره
(1) انظر: " تهذيب التهذيب " لابن حجر (10/ 103)، ورواه أبو نعيم في "حلية الأولياء"(7/ 52).
(2)
في "أ" و"ت": "خيرة".
(3)
انظر: "تهذيب الكمال" للمزي (29/ 361).