الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فَصْلٌ
تقدم أن الصالحين ينبغي للعبد محبتهم وصحبتهم، وزيارتهم والتبرك بهم وبآثارهم، وطلب الدعاء منهم، فكذلك الأولياء لأنهم هم (1).
وقد قال شاه الكرماني رحمه الله تعالى: ما تعبد متعبد بأكثر من التحبب إلى أولياء الله تعالى بما (2) يحبونه.
وقال: أيضًا: محبة أولياء الله تعالى دليل على محبة الله. رواه أبو عبد الرحمن السلمي في "طبقاته"(3).
وروى ابن باكويه الشيرازي عن أبي موسى الدئيلي قال: سمعت رجلًا سأل أبا زيد فقال: دلني على عمل أتقرب به إلى ربي.
فقال: أَحِبَّ أولياء الله؛ فإن الله ينظر إلى قلوب أوليائه، فلعله أن
(1) كذا في "أ" و "ت".
(2)
في "أ" و "ت": (كما) بدل "بما".
(3)
رواه السلمي في "طبقات الصوفية"(ص: 157).
ينظر إلى اسمك في قلب وليّه فيغفر لك (1).
وروى أبو نعيم عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أَوْحَى اللهُ إِلَى نبِيٍّ مِنَ الأَنْبِياءِ عليهم السلام أَنْ قُلْ لِفُلانٍ العابِدِ: أَمَّا زُهْدُكَ في الدُّنْيا فتَعَجَّلْتَ راحَةَ نفسِكَ، وَأَمَّا انْقِطاعُكَ إِلَيَّ فتَعَزَّزْتَ بِي؛ فَماذا عَمِلْتَ في ما لِيَ عَلَيْكَ؟
فَقالَ: يا رَبِّ! وَماذا لَكَ عَلَيَّ؟
قالَ: هَلْ والَيْتَ لِي وَلِيًّا؟ أَوْ عاديتَ لِي عَدُوًّا؟ " (2).
وروى الحكيم الترمذي في "نوادره" عن واثلة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يَبْعَثُ اللهُ تَعالَى يَومَ القِيامَةِ عَبْدًا لا ذَنْبَ لَهُ، فَيَقُولُ لَهُ: بِأَيِّ الأَمْرَيْنِ أَحَبُّ إِلَيْكَ أَنْ أَجْزِيَكَ؟ بِعَمَلِكَ أَمْ بِنِعْمَتِي عَلَيْكَ؟
قالَ: يا رَبِّ! أَنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي لَمْ أَعْصِكَ.
قالَ: خُذوا عَبْدِي بنعَمَةٍ مِنْ نِعَمِي، فَما تَبْقَى لَهُ حَسَنة إِلَاّ اسْتَغْرَقَتْها تِلْكَ النِّعْمَةُ، فَيَقُولُ: يا رَبِّ! بِنِعْمَتِكَ وَرَحْمَتِكَ.
فَيَقُولُ: بِنِعْمَتِي وَرَحْمَتِي.
وُيؤْتَى بِعَبْدٍ مُحْسِنٍ في نَفْسِهِ لا يَرَى أَنَّ لَهُ سَيئةً، فَيُقالُ لَهُ: هَلْ كُنْتَ تُوالِي أَوْلِيائِي؟
(1) انظر: "صفة الصفوة" لابن الجوزي (4/ 112).
(2)
رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء"(10/ 316).
فَيَقُولُ: يا رَبِّ! كُنْتُ مِنَ النَّاسِ سِلْمًا.
قالَ: هَلْ كُنتَ تُعادِي أَعْدائِي؟
قالَ: يا رَبِّ! لَمْ أكُنْ أُحِبُّ أَنْ يَكُونَ بَيْني وَبَينَ أَحَدٍ شَيْءٌ.
فَيقُولُ اللهُ عز وجل: وَعِزَّتي، لا يَنالُ رَحْمَتِي مَنْ لَمْ يُوالِ أَوْلِيائِيَ وَيُعادِ أَعْدائِيَ" (1).
وروى أبو الحسن بن جهضم عن يحيى بن معاذ رحمه الله تعالى قال: ولي الله ريحانه في أرضه؛ فإذا شمه المريدون وصارت رائحته إلى قلوبهم، فيشتاقون به إلى ربهم، ومجالستك إياه تلهيك عن الأهل والمال، وتشغلك عن جميع الأشغال (2).
وقال: من هجر الأقرباء في الله عوضه الله تعالى صحبة الأولياء. وفي معنى كلامه الأول ما قدمناه عن الجد رحمه الله تعالى: [من الوافر]
جُلُوسُكَ مَعْ رِجالِ اللهِ يُلْهِي
…
عَنِ الدُّنْيا وَعَنْ أَهْل وَشُغْلِ
(1) رواه الحكيم الترمذي في "نوادر الأصول"(4/ 84)، وكذا الطبراني في "المعجم الكبير" (22/ 59). قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (10/ 349): رواه الطبراني، وفيه بشر بن عون، وهو متهم بالوضع.
(2)
تقدم نحوه.
وروى أبو نعيم عن أبي إسحاق إبراهيم بن داود القصار أنه كان يقول: حسبك من الدنيا شيئان: حرمة وَلي، وصحبة فقير (1).
وروى أبو عبد الرحمن السلمي عن أبي القاسم الجنيد رحمه الله تعالى قال: من نظر إلى ولي من أولياء الله تعالى، فقبله وكرمه، أكرمه الله على رؤوس الأشهاد (2).
وعن أبي عثمان النيسابوري رحمه الله تعالى قال: من صحب نفسه صحبه العجب، ومن صحب أولياء الله وفق للوصول إلى الطريق لله (3).
وعن علي بن سهل الأصبهاني قال: الإنس بالله أن تستوحش من الخلق إلا من أهل ولاية الله تعالى؛ فإن الإنس بأهل ولاية الله هو الإنس بالله (4).
وذكر سيدي محمَّد بن عراق رحمه الله تعالى في كتابه المسمى بِ: "السفينة العراقية المشحونة بنفائس الآي القرآنية الجارية بالأنفاس النبوية" عن الفقيه الأجل محمَّد بن الحسين البجلي: أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام قال: فقلت: يا رسول الله! أي الأعمال أفضل؟
قال: وُقُوفُكَ بَيْنَ يَدَيْ وَلِي مِنْ أَوْلِياءِ اللهِ تَعالَى كَحَلْبِ شاةٍ، أَوْ
(1) رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء"(10/ 354).
(2)
رواه السلمي في "طبقات الصوفية"(ص: 134).
(3)
رواه السلمي في "طبقات الصوفية"(ص: 144).
(4)
رواه السلمي في "طبقات الصوفية"(ص: 188).
شَيِّ بَيْضَةٍ خَيْر لَكَ مِنْ أَنْ تَعْبُدَ الله إرْبا إرْبًا (1).
قال: فقلت: يا سيدي! حيا كان أو ميتًا؟
قال: "حَيًّا كانَ أَوْ مَيْتاً".
والمراد بالوقوف بين يديه أن يتواضع له، ويطلب مرضاته، ويرجو بركاته، [وإذا كان ميتاً أن يترحم عليه ويرجو بركاته]، ولا بأس أن تدل غيرك من المسلمين على مقام من تعرفه بالولاية لينتفع المدلول به وباعتقاده.
وقد روى ابن أبي الدنيا، ومن طريقه الدينوري عن حماد بن زيد قال: سمعت أيوب رحمه الله يقول: ما أحب الله عبدًا إلا أحب أن [لا] يشعر به (2).
وأما بغض أولياء الله تعالى والوقيعة فيهم فإنها من الكبائر الفواحش الموجبة للمقت والسخط.
روى أبو نعيم عن أبي تراب النخشبي قال: إذا ألفت القلوب الإعراض عن الله صحبتها الوقيعة في الأولياء (3).
(1) هل هذا إلا كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ} [الزمر: 3]. فسامح الله المؤلف على إيراده مثل هذه المنامات التي هي أضغاث أحلام.
(2)
رواه الدينوري في "المجالسة وجواهر العلم"(ص: 166).
(3)
رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء"(10/ 49).