الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والسادس: أن كل عبد يسأل إلا أن السؤال يختلف؛ فتارة يكون سؤال تثريب وعقوبة، وتارة يكون سؤال تمحيص لما بقي عليه من خطيئة ونحوها، وتارة يكون سؤال امتنان ليعترف العبد (1).
قلت: هذا القول هو الصحيح.
ثم أعتقد أن من عباد الله تعالى من لا يسأل عن شيء بالكلية فضلاً من الله تعالى وعفواً؛ إذ لا يلزم من قوله: {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ} [التكاثر: 8] أن يسأل كل الناس، ولا أن يسأل العبد عن كل شيء؛ بل يكفي في صدق هذه العبارة أن يسأل المعظم عن المعظم؛ والله سبحانه وتعالى أعلم!
*
فائِدَةٌ سابِعَةٌ وَأَرْبعونَ:
روى الخطيب في " شرف أصحاب الحديث " عن محمود بن خالد قال: قلت لأبي حفص عمر [و] بن أبي سلمة: تحب أن تحدث؟
قال: ومن يحب أن يسقط اسمه من الصالحين (2)؟
وعن أبي بكر بن أبي مريم قال: كتب عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه إلى والي حمص: مُرْ لأهل الصلاح من بيت المال ما يغنيهم لئلا يشغلهم شيء عن تلاوة القرآن وما حملوا من الأحاديث (3).
(1) انظر: " تفسير القرطبي "(20/ 177).
(2)
رواه الخطيب البغدادي في "شرف أصحاب الحديث"(ص: 51).
(3)
رواه الخطيب البغدادي في "شرف أصحاب الحديث"(ص: 64).
وفي كلامه إشارة إلى أن أهل الصلاح هم القراء والمحدثون.
وقد شهد النبي صلى الله عليه وسلم للمحدثين بالعدالة، وهي داخلة في صفة الصلاح؛ إذ لا يتحقق الصلاح إلا بها.
وروى الخطيب عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم[يقول]: "يَرِثُ هَذا العِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدولُهُ "(1).
وأخرجه الحاكم في "المستدرك"، وفي "التاريخ" عن إبراهيم بن عبد الرحمن العذري رضي الله تعالى عنه - واختلف في صحبته - وزاد:"يَنْفُونَ عَنْهُ تَحْرِيفَ الغالِينَ، وَانْتِحالَ الْمُبْطِلينَ، وَتَأْوِيلَ الْجاهِلِينَ"(2).
وأخرجه ابن عدي في "الكامل"، ومن طريقه الخطيب بهذه الزيادة عن أبي هريرة إلا أنه قال:"يَحْمِلُ هَذا العِلْمَ"(3).
وبه أخرجه الخطيب أيضاً من رواية إبراهيم بن عبد الرحمن العذري أيضاً.
ثم روى من طريق أبي بكر الخلَاّل قال: قرأت على زهير بن صالح: ثنا مهنا - وهو ابن يحيى - قال: سألت أحمد - يعني: ابن حنبل - عن حديث معاذ بن رفاعة عن إبراهيم بن عبد الرحمن العذري رضي الله
(1) رواه الخطيب البغدادي في " شرف أصحاب الحديث "(ص: 28).
(2)
ورواه ابن عدي في " الكامل في الضعفاء "(1/ 147).
(3)
رواه ابن عدي في "الكامل في الضعفاء"(1/ 146)، وكذا الخطيب البغدادي في " شرف أصحاب الحديث " (ص: 28).
تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يَحْمِلُ هَذا العِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدولُهُ؛ يَنْفُونَ عَنْهُ تَحْرِيفَ الْجاهِلِينَ، وَانْتِحالَ الْمُبْطِلينَ، وَتَأْوِيلَ الغالِينَ".
فقلت لأحمد: كأنه كلام موضوع؟
قال: لا، هو صحيح.
فقلت له: ممن سمعته أنت؟
قال: من غير واحد.
قال أحمد: معاذ بن رفاعة لا بأس به.
فهذا نص من الإمام أحمد بتصحيح الحديث، وكفى به (1).
ومن عدله رسول الله كيف لا يكون صالحاً؟
نعم؛ قد يطلب الحديث والعلم من ليس بعدل، فلا يكون من حملة العلم والحديث، ولا من ورثته حتى يحمل أعباءه ويقوم بشرطه وأدبه، وحينئذ يكون من صالحي الأمة وخيارها.
قال الإمام أحمد بن حنبل رضي الله تعالى عنه: ليس قوم عندي خيراً من أهل الحديث ليس يعرفون إلا الحديث (2).
ورأى أصحابَ الحديث وقد خرجوا من عند محدث والمحابر
(1) رواه الخطيب البغدادي في "شرف أصحاب الحديث"(ص: 29).
(2)
رواه الخطيب البغدادي في "شرف أصحاب الحديث"(ص: 48).
بأيديهم، فقال أحمد: إن لم يكونوا هؤلاء الناس فلا أدري من الناس (1)! وقال أبو بكر بن عياش رحمه الله تعالى: ما أحد خيراً من أصحاب الحديث (2).
وقال عمر بن حفص بن غياث: سمعت أبي وقالوا له: أما ترى أصحاب الحديث وكيف تغيروا؟ كيف قد فسدوا؟ قال: هم على ما هم خيار القبائل (3).
وقال عثمان بن أبي شيبة رضي الله تعالى عنه، وكان رأى بعض أصحاب الحديث يضطربون فقال: أما إن فساقهم خير من عُبَّاد (4) غيرهم (5).
وقال الإمام أحمد أيضاً: أهل الحديث أفضل من تكلم في العلم (6).
وقال: إن لم يكن أصحاب الحديث الأبدال فمن يكون!
وقال سفيان الثوري رضي الله تعالى عنه: إن لم يكن أصحاب الحديث هم الأبدال فلا أدري من الأبدال!
وقال الخليل بن أحمد رحمه الله تعالى: إن لم يكن أهل القرآن
(1) رواه الخطيب البغدادي في "شرف أصحاب الحديث"(ص: 49).
(2)
رواه الخطيب البغدادي في "شرف أصحاب الحديث"(ص: 140).
(3)
رواه الخطيب البغدادي في "شرف أصحاب الحديث"(ص: 47).
(4)
في "أ": "عابد"، والمثبت من "ت".
(5)
رواه الخطيب البغدادي في "شرف أصحاب الحديث"(ص: 49).
(6)
رواه الخطيب البغدادي في "شرف أصحاب الحديث"(ص: 48).