الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أعطاه صحبة الصالحين، ومنعه القبول منهم.
وأعطاه الأعمال الصالحة، ومنعه الإخلاص فيها.
وأعطاه الحكمة، ومنعه الصدق فيها (1).
ونقل السلمي في "الحقائق" عن أبي عثمان رحمه الله تعالى أنه قال: علامة قسوة القلب أن لا تعمل فيه الموعظة، ولا تؤثر فيه النصيحة، ولا تظهر فيه بركة مجالسة الصالحين (2).
وروي عن معروف الكرخي رحمه الله تعالى ورضي عنه قال: إذا أراد الله بعبد خيراً زوى عنه الخذلان، وأسكنه بين الفقراء الصادقين، وإذا أراد بعبد شراً عطله عن الأعمال الصالحة حتى تكون على قلبه أثقل من الجبال، وأسكنه بين الأغنياء (3).
*
فائِدَةٌ تاسِعَةٌ:
ينبغي للعبد إذا قصرت همته عن مراتب الصالحين أن يحزن لذلك، ويؤفف على نفسه، ويعاتبها على التقصير عنهم، كما روى ابن أبي الدنيا عن مالك بن دينار قال: إذا ذكر الصالحون فأُفِّ لي وتف (4).
(1) انظر: "إحياء علوم الدين" للغزالي (4/ 378)، وعزاه السلمي في "تفسيره"(2/ 398) إلى أبي عبد الله النهرواني.
(2)
انظر: "تفسير السلمي"(2/ 310).
(3)
انظر: "الطبقات الكبرى" للشعراني (ص: 105).
(4)
رواه ابن أبي الدنيا في "محاسبة النفس"(ص: 29).
وروى هو وأبو نعيم عن أيوب السختياني قال: إذا ذكر الصالحون كنت عنهم بمعزل (1).
وروى ابن الجوزي في "صفة الصفوة" عن سفيان الثوري رحمه الله تعالى قال: جلست ذات يوم أحدث ومعنا سعيد بن السائب الطائفي رحمه الله تعالى، فجعل سعيد يبكي حتى رحمته، فقلت: يا سعيد! ما يبكيك وأنت تسمعني أذكر أهل الخير وفعالهم؟
فقال: يا سفيان! وما يمنعني من البكاء؛ وإذا ذكرت مناقب أهل الخير كنت منهم بمعزل (2)؟
وروى ابن الجوزي عن أسود بن سالم: أن داود الطائي رحمه الله تعالى كان يقول: سبقني العابدون، وقُطِع بي دونهم؛ فيا لهفاه (3)!
وروى الدينوري عن عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى قال: سمعت محمد بن نصر الحارثي رحمه الله تعالى يقول: ثلاث كلمات نفعني الله بهن:
سمعته يقول: إذا ذكر الصالحون كنت عنهم بمعزل.
(1) رواه ابن أبي الدنيا في "محاسبة النفس"(ص: 30)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء"(3/ 6).
(2)
رواه ابن الجوزي في "صفة الصفوة"(2/ 283)، وكذا ابن أبي الدنيا في "محاسبة النفس" (ص: 31).
(3)
رواه ابن الجوزي في "صفة الصفوة"(3/ 138)، وكذا أبو نعيم في "حلية الأولياء"(7/ 336).
وسمعته يقول: لا يستقيم طلب الآخرة إلا بالمبادرة إليها.
وسمعته يقول: إنما تنتظرون ثلاثة، فما يحبسكم عن العمل؟ إما نعمة تزول، وإما مصيبة تنزل، وإما مَنِية تقضى (1).
وروى أبو نعيم عن محمد بن بشير الدعاء قال: ذكر عند مخلد بن الحسين رحمه الله تعالى من أخلاق الصالحين، فقال:[من الكامل]
لا تعرِضَنَّ بِذِكرِنا فِي ذِكْرِهِم
…
لَيسَ الصَّحِيحُ إِذا مَشى كَالْمُقْعَدِ (2) ويحتمل أن يكون قول مالك بن دينار: إذا ذكر الصالحون فأف لي وتف، وقول أيوب وغيره: إذا ذكر الصالحون كنت عنهم بمعزل، وأمثال ذلك؛ أن يكون من باب الإزراء على النفس، كقول بعض المجتهدين في العبادة عند فراغه منها لنفسه: يا حاويَ كل سوء! ما رضيتك له طرفة عين.
وهذا خلق عظيم من أخلاق الصالحين.
ومن هذا القبيل قول إبراهيم عليه السلام: {وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ} [الشعراء: 82].
وقول يوسف عليه السلام: {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ
(1) رواه الدينوري في "المجالسة وجواهر العلم"(ص: 58).
(2)
رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء"(8/ 266).
إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي} [يوسف: 53].
وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم في حديث الصحيحين: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي وَجَهْلِي، وَإِسْرافِي فِي أَمْرِي، وَما أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي جِدِّي وَهَزْلِي، وَخَطَئِي وَعَمْدِي؛ وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدِي"(1).
وأمثال ذلك كثيرة.
وقال الفضيل بن عياض: أخذت بيد سفيان بن عيينة في هذا الوادي - يعني: وادي مكة - وكان أمثل أهله يومئذ، فقلت له: إن كنت تظن أنه على وجه الأرض شر مني ومنك فبئسما تظن. رواه ابن الجوزي (2).
وفي "حلية أبي نعيم" عن محمد بن واسع رحمه الله تعالى: أنه نظر إلى ابن له يخطر بيده، فقال له: تعال! ويحك! تدري ابن من أنت؟ أمك اشتريتها بمئتي درهم، وأبوك فلا أكثر الله في المسلمين ضَرْبه، أو نحوه (3).
وعن محمد بن أسلم الطوسي رحمه الله تعالى: أنه كان يقول: والله الذي لا الله إلا هو ما رأيت نفساً تصلي إلى القبلة شراً عندي من نفسي (4).
(1) رواه البخاري (6035)، ومسلم (2719) عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.
(2)
رواه ابن الجوزي في "صفة الصفوة"(2/ 240)، وكذا أبو نعيم في "حلية الأولياء"(8/ 101).
(3)
رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء"(2/ 350).
(4)
رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء"(9/ 244).
وإنما آثر الصالحون والعارفون الإزراء بالنفس، ودعوا إليه؛ خشيةً من الانخداع بصفة الصلاح والركون إليها، فيرائي الرجل ويطلب تعظيم نفسه من الناس، ونظرهم إليه؛ فيهلك.
كما روى ابن الجوزي عن الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى قال: لو قيل لك: يا مرائي لغضبت، ولشق عليك، وتشكو فتقول: قال لي: يا مرائي، وعساه قال حقا؛ من حبك للدنيا تزينت وتصنعت للدنيا.
ثم قال: اتق الله أن تكون مرائيا وأنت لا تشعر، تصنعت وتهيأت حتى عرفك الناس فقالوا: هو رجل صالح، فأكرموك وقضوا لك الحوائج، ووسَّعوا لك المجالس؛ وإنما عرفوك بالله، ولولا ذلك لهُنت عليهم (1).
وروى ابن باكويه الشيرازي عن أبي عثمان النيسابوري قال: خرجنا جماعةً مع أستاذنا أبي حفص النيسابوري إلى خارج نيسابور، فجلسنا، فتكلم الشيخ علينا، وطابت أنفسنا، ثم بصرنا بِأَيلِ قد نزل من الجبل حتى بَرَك بين يدي الشيخ، فأبكاه ذلك بكاءً شديدًا، فلما هدأ الشيخ سألناه فقلنا له: يا أستاذ! تكلمت علينا وطابت قلوبنا، فلما جاء هذا الوحش وبرك بين يديك أزعجك وأبكاك، فأحببنا أن نعرف فقه ذلك!
فقال: نعم؛ رأيت اجتماعكم حولي وقد طابت قلوبكم، فوقع في
(1) رواه ابن الجوزي في "صفة الصفوة"(2/ 240)، وكذا أبو نعيم في "حلية الأولياء"(8/ 94).
قلبي: لو أن شاة ذبحتها ودعوتهم عليها، فما تحكم هذا الخاطر حتى جاء هذا الوحش فبرك بين يدي، فخيل لي أني مثل فرعون الذي سأل ربه أن يجري له النيل فأجراه له.
قلت: فما يؤمنني أن يكون الله يعطيني كل حظ في الدنيا، وأبقى في الآخرة فقيراً لا شيء لي؛ فهذا الذي أزعجني (1).
وعن أبي سليمان الداراني رحمه الله تعالى قال: لو اجتمع الخلق جميعاً على أن يضعوني كاتضاعي عند نفسي ما قدروا على ذلك (2).
وقد ضمَّنت كلامه في قولي: [من مجزوء الرمل]
قُلْ لِنَفْسِي: إِنْ تُراعِي
…
حَقَّ رَبِّي لَنْ تُراعِي
إِنَّما فَقْرٌ وَضَعْفٌ
…
وَانْتِقاصٌ مِنْ طِباعِي
مَنْ يَضَعْ مِنِّي وَيجْهَدْ
…
لَمْ يَضَعْنِي كَاتِّضاعِي
إِنَّ عِرْفانِي بِنَفْسِي
…
قَدْ كَفانِي وَعْظَ واعِ
إِنَّما الدُّنْيا مَتاعٌ
…
لَمْ يَدُمْ فِيها انْتِفاعِي
إِنَّما يُسْعَى لِدارٍ
…
لَمْ تَضعْ فِيها الْمَساعِي
دارُ تَكْرِيْمٍ إِلَيْها
…
قَدْ دَعانا كُلُّ داعِي
(1) انظر: "صفة الصفوة" لابن الجوزي (4/ 121).
(2)
انظر: "صفة الصفوة" لابن الجوزي (4/ 229).