الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فَصْلٌ
ينبغي للعبد طلب الولاية من الله تعالى مع التحري لما ورد في الحديث: "وَمَنْ يَتَحَرَّ الْخَيْرَ يُعْطَهُ"(1).
وقيل: لكل طالب نصيب.
وقد شرع لنا طلب الهداية والعافية، والولاية، والبركة، والوقاية في كل يوم مرة في صلاة الفجر في دعاء القنوت:"اللهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَعافِنِي فِيْمَنْ عافَيْتَ، وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ، وَبارِكْ لِي فِيما أَعْطَيْتَ، وَقِنِي شَرَّ ما قَضَيْتَ" إلى آخره (2).
وقوله: "تَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ"؛ أي: اجعلني من أهل ولايتك الذين حففتهم بعنايتك، وحفظتهم بحسن رعايتك، وأقبلت بقلوبهم عليك، ورددتها إذ شَرَدت إليك، فبذلك تتم الولاية وتكمل الرعاية.
(1) تقدم تخريجه.
(2)
رواه أبو داود (1425)، والترمذي (464) وحسنه، والنسائي (1745)، عن الحسن بن علي رضي الله عنهما -
وفي الحديث: "وإذا أَحَبَّ اللهُ عَبْداً لَمْ يَضُرَّهُ ذَنبٌ". رواه القشيري في "الرسالة"، وغيره عن أنس رضي الله تعالى عنه (1).
ومعناه: أن الله تعالى إذا أحب العبد فزل العبد زلة، أخذ بيده، فوفقه للتوبة، ورجع به إليه، فإن ذلك من تمام التولي.
وفي كتاب الله تعالى: {إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [آل عمران: 122].
قال جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما: فينا نزلت في بني حارثة وبني سلمة: {إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا} [آل عمران: 122]، وما يسرني أنها لم تنزل لقول الله تعالى:{وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا} [آل عمران: 122]. رواه الشيخان، وغيرهما (2).
قال قتادة: وذلك يوم أحد، هموا بأمر فعصمهم الله تعالى من ذلك.
قال: وقد ذكر لنا أنه لما نزلت هذه الآية قالوا: ما يسرنا أنا لم نهم بالذي هممنا، وقد أخبر الله أنه ولينا. رواه ابن جرير (3).
يعني: إن الطائفتين هموا بالفرار فشلاً - والفشل الجبن؛ كما رواه
(1) رواه القشيري في "رسالته"(ص: 126)، والديلمي في "مسند الفردوس"(2432).
(2)
رواه البخاري (4282)، ومسلم (2505).
(3)
رواه الطبري في "التفسير"(4/ 72).
ابن جرير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما - (1)، فعصمهم الله تعالى لولايته لهم، وكذلك عادة الله تعالى يأخذ بيد وليّه عند الزلات، ويقيله العثرات لأن أولياءه يتوكلون عليه ويتخذونه وكيلًا، فكفاهم؛ {وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا} [الأحزاب: 3].
ولذلك قال تعالى: {وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [آل عمران: 122]؛ أي: ليتولاهم ويكفيهم ما أهمهم، وما هموا به من عصيانه، وما عصوه فيرجع بهم إلى التوبة.
ولله تعالى في عصمة أوليائه أنواع من الإحسان؛ فتارة يحول بينهم وبين العصيان بالكلية، وتارة يهمون بالعصيان فيحول بينهم وبين الاسترسال بالهم وبلوغ الفعل، وتارة تقع منهم الزلات فيوفقهم للتوبة كما قال الله تعالى:{ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا} [التوبة: 118].
ومن النوع الأول ما رواه القشيري، وغيره عن الجنيد عن الحارث ابن أسد أنه قال: بيني وبين الله علامة أن لا يسوغني طعاما فيه شبهة (2).
وعن إسماعيل بن نجيد قال: كان أبو تراب يقول: بيني وبين الله تعالى عهد أن لا أمد يدي إلى حرام إلا قصرت يدي عنه (3).
وحكى ابن عطاء الله الإسكندري في "لطائف المنن" عن أستاذه
(1) رواه الطبري في "التفسير"(4/ 74).
(2)
رواه القشيري في "الرسالة"(ص: 34).
(3)
رواه القشيري في "الرسالة"(ص: 46).
أبي العباس المرسي رحمه الله تعالى قال: عزم علينا بعض صلحاء الإسكندرية في بستان له بالرمل، فخرجت أنا وجماعة من صلحاء الثغر، ولم يخرج معنا صاحب البستان ذلك الوقت، بل وصف لنا المكان، فتجارينا ونحن خارجون في الكلام في الورع، وكلٌّ قال شيئًا، فقلت لهم: إن الورع من ورعه الله.
فلما أتينا إلى البستان -وكان زمن ثمرة التوت- كلهم أسرع إلى الأكل وأكل، وكنت كما جئت لآكل أجد وجعاً في بطني فأرجع، فينقطع الوجع عني، فعلت ذلك مراراً فجلست ولم آكل شيئًا، وهم يأكلون، وإذا بإنسان يصيح: كيف يحل لكم أن تأكلوا من ثمرة بستاني بغير إذني؟ فإذا هم قد غلطوا بالبستان، فقلت لهم: ألم أقل لكم: إن الورع من ورعه الله سبحانه؟
وقوله: "وَعافِنِي فِيمَنْ عافَيتَ"؛ قال سهل بن عبد الله رحمه الله تعالى: أجمع العلماء أن تفسير العافية أن لا يكل الله العبد إلى نفسه، وأنه يتولاه، وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم:"لا تَكِلْنِي إِلَى نفسِي". رواه أبو الحسن بن جهضم.
وفي كلامه أن العافية تمام الولاية، وأول الولاية الهداية، فلذلك بدأ النبي صلى الله عليه وسلم بطلب الهداية، ثم العافية، ثم الولاية في دعاء القنوت.
وسئل الجنيد عن العافية فقال: العافية واسطة بين الهداية والولاية.
قيل له: هل له في السنة أثر؟
قال: نعم؛ قوله صلى الله عليه وسلم: "اللهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَعافِنِي فِيمَنْ عافَيْتَ، وَتَوَلنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ".
وقال أبو عبد الرحمن السلمي: سئل أبو حفص عن العافية، فقال: الناس طلبوا العافية فأخطؤوا الطريق، وأخطؤوا السؤال، سألوا الله العافية ولم يعرفوا أن البلاء يتولد من العافية، ومحلها أن آدم عليه السلام كان في الجنة معافى منعمًا، فتولد من العافية البلاء.
فالواجب على الإنسان أن يطلب من الله تعالى أن يتولاه في العافية وإمساك العافية.
قلت: فالإنسان في العافية محتاج إلى العافية في العافية، وإنما يعافيه في عافيته إذا تولاه وكان له ولياً، فلا يكله إلى نفسه طرفة عين، والعافية في العافية ثمرة الشكر في العافية لأن الله تعالى يقول:{لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ} [إبراهيم: 7].
وروي أن الله تعالى أوحى إلى موسى عليه السلام: ارحم عبادي المبتلى والمعافى.
قال: فما بال المعافى؟
قال: لقلة شكره على معافاتي (1).
ومعنى الهداية التوفيق إلى طاعة الله وخدمته، فإذا استجاب الله تعالى لقوله: "اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن
(1) انظر: "الرسالة القشيرية"(ص: 214).
توليت"؛ وفقه للطاعة، وإذا شرد عنها شردة وفقه إلى التوبة، وعافاه في الطاعة من الإعجاب والرياء ونحوهما، وفي المعصية من الإصرار، وتولى نصره على عدوه، وحفظه منه ومن شؤم نفسه وتزكيتها، وتولاه فلم يكله إلى نفسه طرفة عين ورجع بقلبه إليه.
قال أبو تراب النخشبي رحمه الله تعالى: رأيت رجلًا بالبادية، فقلت له: من أنت؟
قال: أنا الخضر الموكل بالأولياء؛ أردُّ قلوبهم إذا شردت عن الله تعالى.
يا أبا تراب! التلف في أول قدم، والنجاة في آخر قدم (1).
وما أحسنَ قولَ سمنون المحب رحمه الله تعالى كما رواه عن السلمي في "طبقاته"، والرفاعي في "أماليه":[من المنسرح]
كانَ لِي قَلْبٌ أَعِيشُ بِهِ
…
ضاعَ مِنِّي في تَقَلُّبِه
رَبِّ فَارْدُدْهُ عَلَيَّ فَقَدْ
…
ضاقَ صدْرِي في تَطَلُّبِه
وَأَغِثْ ما دامَ بي رَمَق
…
يا غِياثَ الْمُسْتَغِيثِ بِهِ (2)
وكان أحمد بن الطيب رحمه الله تعالى يقول في وجوده: [من المجتث]
سَلَبْتَ مِنِّي فُؤادِي
…
فَارْدُدْ فُؤادِي إِليَّهْ
(1) انظر: "الطبقات الكبرى" للشعراني (ص: 120).
(2)
رواه السلمي في "طبقات الصوفية"(ص: 161).
شَوَّشْتَ عَقْلِيَّ عَلَيَّ
…
فَجُدْ بِعَقْلِي عَلَيَّهْ
رواه ابن جهضم في "بهجة الأسرار".
وروى فيه عن يحيى بن معاذ الرازي رحمه الله تعالى قال: لن يصل إلى قلبك روح التوحيد ولله في قلبك حق لم تؤده، ومن لم يصلح لخدمته كيف يصلح لولايته؟ ومن مل خدمته لم يصل إلى رؤيته.
وروى عبد الله ابن الإِمام أحمد في "زوائد الزهد" عن الوضين بن عطاء رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أحس من الناس بغفلة عن الموت [168] جاء فأخذ بعضادتي الباب، فهتف ثلاثًا، ثم نادى: "يا أيُّهَا النَّاسُ! يا أَهْلَ الإِسْلامِ! قَدْ أتَتْكُمُ الْمَوْتَةَ لازِمَةً راكِبَةً، جَاءَ الْمَوْتُ بِما جاءَ بِهِ جاءَ بِالرَّوْحِ وَالرَّاحَةِ، وَالكَرَّةِ الْمُبارَكَةِ لأَوْلِياءِ الرَّحْمَنِ مِنْ أَهْلِ دارِ الْخُلُودِ الَّذِينَ كانَ سَعْيُهُمْ وَرَغْبَتُهُمْ فِيها لَهُ.
جاءَ الْمَوْتُ بِما جاءَ بِالْحَسْرَةِ وَالنَّدامَةِ، وَالكَرَّةِ الْخاسِرَةِ لأَوْلِياءِ الشَّيْطانِ مِنْ أَهْلِ دارِ الغُرُورِ الَّذِينَ كانَ سَعْيُهُمْ وَرَغْبَتُهُمْ فِيها لأَهْلِها.
أَلا إِنَّ لِكُلِّ ساعٍ غايَةً، وَغايَةُ كُلِّ ساعٍ الْمَوْتُ، فَسابِقٌ وَمَسْبُوقٌ" (1).
***
(1) ورواه البيهقي في "شعب الإيمان"(10569).