الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ومثل هذا لا ينبغي أن يعزم العبد على المعصية اعتماداً على التوبة، لأنه قد يحال بينه وبين التوبة كما قال تعالى:{وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ} [سبأ: 54].
ويحتمل أن يكون معنى قولهم: {وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ} [يوسف: 9] أي: صالحاً حالكم وبالكم من حيث إن قلوبكم لم تتشتت بسبب محبة أبيكم ليوسف وإقباله عليه، ويكون وداد أبيكم ونظره إليكم مقصوراً عليكم، ومن حيث إن يوسف إذا ذهب عن شقيقه لم يبق لشقيقه قوة في معارضتنا.
ولقد تكدر عليهم مرادهم، وتنغصت معيشتهم لحزن أبيهم لفراق ولده، وتوجه قلبه إلى طلبه.
كذلك من طلب صلاح شأنه بنفسه وتدبير نفسه لم يتم مراده، ولم يحصل على مرامه.
*
فائِدَةٌ حادِيَةٌ وَثَمانونَ:
في هذه الآية الكريمة أنه لا ينبغي للعبد أن يثق بنفسه في وعدها
بالصلاح وهي تطلب الدنيا، وأن الصلاح لا يتم لعبد وقلبه ملتاظ بالدنيا، وأن معاهدة العبد الله تعالى على العمل الصالح إن آتاه من الدنيا مالاً أو جاهاً أو منصباً مستنداً إلى حوله وقوته، غير مستعين بالله تعالى من أحوال المنافقين.
روى ابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والبيهقي في "دلائل النبوة" عن أبي أمامة الباهلي رضي الله تعالى عنه قال: جاء ثعلبة بن حاطب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! ادع الله أن يرزقني مالاً.
قال: "ويحَكَ يا ثَعْلَبَةُ! قَلِيلٌ تُطِيقُ شُكْرَهُ خَيْرٌ مِنْ كَثِيرٍ لا تُطِيقُهُ".
فقال: يا رسول الله! ادع الله أن يرزقني مالاً.
قال: "ويْحَكَ يا ثَعْلَبَةُ! قَلِيلٌ تُؤَدِّي شُكْرَهُ خَيْرٌ لَكَ مِنْ كَثِيرٍ لا تُطِيقُ شُكْرَهُ".
قال: يا رسول الله! ادع الله أن يرزقني مالاً.
قال: "ويحَكَ يا ثَعْلَبَةُ! أَما تُحِبُّ أَنْ تَكونَ مِثْلِي؟ فَلَوْ شِئْتُ أَنْ يُسَيِّرَ رَبِّي هَذِهِ الْجِبالَ مَعِيَ ذَهباً لسارَتْ".
قال: يا رسول الله! ادع الله [أن] يرزقني مالاً؛ فوالذي بعثك بالحق إن آتاني الله مالاً لأعطين كل ذي حق حقه.
قال: "ويْحَكَ يا ثَعْلَبَةُ! قَلِيلٌ تُطِيقُ شُكْرَهُ خَيْرٌ لَكَ مِنْ كَثِيرٍ لا تُطِيقُهُ".
قال: يا رسول الله! ادع الله تعالى.
فقال رسول الله: " اللَّهُمَّ ارْزُقْهُ مالاً ".
فاتخذ أو اشترى غنماً، وبورك له فيها، ونمت كما ينمو الدود حتى ضاقت به المدينة، فتنحى بها، وكان يشهد الصلاة بالنهار مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يشهدها بالليل، ثم نمت كما ينمو الدود، فتنحى بها، وكان لا يشهد الصلاة بالليل ولا بالنهار إلا من جمعة إلى جمعة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم نمت كما ينمو الدود، [فضاق به مكانه]، فتنحى بها، [فكان لا يشهد جمعة ولا جنازة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم]، فجعل يتلقى الركبان، ويسألهم عن الأخبار، وفقده رسول الله، فسأل عنه، فأخبروه أنه اشترى غنماً، وأن المدينة ضاقت به، وأخبروه خبره، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ويْحَ ثَعْلَبَةَ بْنَ حاطِبٍ! ويْحَ ثَعْلَبَةَ بْنَ حاطِبٍ! ".
ثم إن الله تعالى أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأخذ الصدقات، وأنزل الله تعالى:{خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} [التوبة: 103] الآية، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلين؛ رجلاً من جهينة، ورجلاً من بني سلمة يأخذان الصدقة، فكتب لهما أسنان الإبل والغنم، وكيف يأخذانها على وجهها، وأمرهما أن يمرَّا على ثعلبة بن حاطب ورجل من بني سليم، فخرجا، فمَرَّا بثعلبة، فسألاه الصدقة، فقال: أرياني كتابكما، فنظر فيه فقال: ما هذا إلا جزية، انطلقا حتى تفرغا، ثم مُرَّا بي، قال: فانطلقا.
وسمع بهما السلمي فاستقبلهما بخيار إبله، فقالا: إنما عليك دون هذا، فقال ما كنت أتقرب إلى الله إلا بخير مالي، فقبلا، فلما فرغا مَرَّا
بثعلبة، فقال: أرياني كتابكما، فنظر فيه فقال: ما هذا إلا جزية، انطلقا حتى أرى رأي، فانطلقا حتى قدما المدينة، فلما رآهما رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قبل أن يكلمهما:"وَيْحَ ثَعْلَبَةَ بْنَ حاطِب! " ودعا للسلمي بالبركة، وأنزل الله:{وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ} [التوبة: 75] الثلاث آيات.
قال: فسمع بعض أقارب ثعلبة، فأتى ثعلبة فقال: ويحك! ويحك يا ثعلبة! أنزل الله فيك كذا وكذا.
قال: فقدم ثعلبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! هذه صدقة مالى.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إِنَّ اللهَ قَدْ مَنَعَنِي أَنْ أَقْبَلَ مِنْكَ".
قال: فجعل يبكي، ويحثي التراب على رأسه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"هَذا عَمَلُكَ بِنَفْسِكَ".
فلم يقبل منه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مضى، ثم أتى أبا بكر رضي الله تعالى عنه، فقال: يا أبا بكر! اقبل مني صدقتي فقد عرفت منزلتي من الأنصار.
فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: لم يقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقبلها؟ فلم يقبلها أبو بكر.
ثم ولي عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، فأتاه فقال: يا أبا حفص! يا أمير المؤمنين! اقبل مني صدقتي.
قال: وثقل عليه بالمهاجرين والأنصار وأزواج رسول الله!