الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
رواه الإمام مالك، والشيخان، وأبو داود (1).
واعلم أنه يحتج بسيدنا يوسف عليه السلام، وبكل مملوك صالح على من لم يكن كذلك كما تقدم نظير ذلك في صلحاء الأغنياء.
روى الإمام أحمد في "الزهد" عن مجاهد قال: ويجاء بالعبد يوم القيامة فيقول له: ما منعك أن تكون عبدتني؟
فيقول: ابتليتني، فجعلت علي أرباباً فشغلوني.
فيجاء بيوسف عليه السلام، فيقال: أنت كنت أشد عبودية أم هذا؟
فيقول: بل هذا.
فيقول الله تعالى: لم يمنعه ذلك أن عبدني (2).
*
فائِدَةٌ خامِسَةٌ وَثلاثونَ:
روى الطبراني في "الأوسط" - بإسناد حسن - عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ ذَهَبَ بَصَرُهُ فِي الدُّنْيا جَعَلَ اللهُ لَهُ نُوراً يَومَ القِيامَةِ إِنْ كانَ صالِحاً"(3).
ففي هذا الحديث إشارة إلى أن استكمال الأعمى للكرامة يوم
(1) رواه الإمام مالك في "الموطأ"(2/ 981)، والبخاري (2408)، ومسلم (1664)، وأبو داود (5169).
(2)
تقدم تخريجه.
(3)
رواه الطبراني في "المعجم الأوسط"(1220)، وكذا ابن عدي في "الكامل في الضعفاء" (2/ 13) وقال: بشر بن إبراهيم الأنصاري منكر الحديث.
القيامة مشروط بالصلاح؛ فإن لم يكن صالحاً - بأن كان كافراً أو فاسقاً - فلا كرامة له إلا أن يؤمن أو يتوب؛ فإنه بالكفر والفسق يكون أعمى القلب؛ {وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا} [الإسراء: 72].
والمراد بذلك أعمى القلب؛ كما روي: أن ابن أم مكتوم رضي الله تعالى عنه - وكان أعمى - لما نزلت هذه الآية حزن، فأنزل الله تعالى:{فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج: 146](1).
ولا يختص ذلك بالعمى، بل سائر الأمراض والبلايا إذا نزلت بالعبد؛ فإن كان صالحاً فهي كرامة في حقه، وما ورد من أن أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الصالحون؛ فهو مع الصبر والرضا بخلاف غيرهم، فقد يشدد في البلاء عليهم ويجزعون ويسخطون.
وقد روى الإمام أحمد - ورواته ثقات - عن محمود بن لبيد رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إِذا أَحَبَّ اللهُ قَوماً ابْتلاهُمْ؛ فَمَنْ صَبَرَ فَلَهُ الصَّبْرُ، وَمَنْ جَزعَ فَلَهُ الْجَزَعُ"(2).
وروى الترمذي - وحسنه - وابن ماجه عن أنس رضي الله تعالى عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إِنَّ عِظَمَ الْجَزاءِ مَعَ عِظَمِ البَلاءِ، وإِنَّ اللهَ إِذا أحَبَّ قَوماً
(1) انظر: "تفسير الثعلبي"(7/ 27).
(2)
رواه الإمام أحمد في "المسند"(5/ 428). قال المنذري في "الترغيب والترهيب"(4/ 142): رجاله ثقات.
ابْتلاهُمْ؛ فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السُّخْطُ" (1).
وروى مسلم عن كعب بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَثَلُ الْمُؤْمِنِ مَثَلُ الْخامَةِ مِنَ الزَّرْعِ؛ تُفيَّئُها الرِّياحُ مَرَّةً، وَتَعْدِلُها حَتَّى يَأْتِيَهُ أَجَلُهُ، وَمَثَلُ الْمُنافِقِ كَمَثَلِ الأَرزةِ الْمُجْدِبَةِ الَّتِي لا يُصِيبُها شَيءٌ حَتَّى يَكُونَ انْجِعافُها مَرَّة واحِدَةً"(2).
خامة الزرع - بالمعجمة، وتخفيف الميم -: الطاقة الغضة منه.
ومعنى: تفيئها - بالفاء -: تقلبها يميناً وشمالاً، أو تميلها مرة.
وتعدلها؛ أي: ترفعها.
والأرزة - بفتح الهمزة، وإسكان الراء، وحكي فتحها، وبعدها زاي مفتوحة -: شجرة تشبه شجرة الصنوبر تكون بالشام وبلاد الأرمن.
وقيل: هي شجرة الصنوبر.
والمجدبة - بالجيم، والدال المهملة -: الثابتة المنتصبة.
والانجعاف - بالجيم، والعين المهملة -: الانقلاع.
ومعنى الحديث: إن المؤمن كثير الأسقام والبلاء في نفسه وأهله وماله، إلا أن ذلك يكفر ذنوبه، ويرفع درجاته، ويصلح شأنه، كما أن لعب الريح بالخامة يصلحها ولا يضرها، والمنافق ليس كذلك، بل إذا أخذه الله لم يفلته، فيأخذه أخذة رابية.
(1) رواه الترمذي (2396) وحسنه، وابن ماجه (4031).
(2)
رواه مسلم (2810)، وكذا البخاري (5319).
واعلم أن للمنافق باعتبار البلاء طريقين:
أحدهما: أن الله تعالى يعفيه من البلاء بالكلية في حياته الدنيا، ثم يقلعه قلعة واحدة، وإلى ذلك الإشارة لحديث مسلم.
والثاني: أن الله تعالى يبتليه، ولكن لا يلهمه الصبر في البلاء، فيفجر ويسخط، وإذا انتهى بلاؤه عاد إلى ما كان عليه، فهو في مرور البلاء عليه وانحساره عنه كالبهيمة لا يعرف الحكمة في البلاء ولا في العافية.
كما روى أبو داود عن عامر الرامي رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذا أَصابَهُ السَّقَمُ ثُمَّ أَعْفاهُ اللهُ عَنْهُ كانَ كَفَّارَةً لِما مَضى مِنْ ذُنوبِهِ، وَمَوْعِظَةً فِيما يُسْتَقْبَلُ، وَإِنَّ الْمُنافِقَ إِذا مَرِضَ ثُمَّ أُعْفِيَ كانَ كَالبَعِيرِ عَقلَهُ أَهْلُهُ ثُمَّ أَرْسَلُوهُ، فَلَمْ يَدْرِ لِمَ عَقَلُوهُ، وَلَمْ يَدْرِ لِمَ أَرْسَلوهُ"(1).
واعلم أن الله تعالى يحتج بسيدنا أيوب عليه السلام وسائر الصالحين من أهل البلاء بصبرهم ورضاهم وطاعتهم على من لم يصبر ولم يَرضَ.
قال مجاهد في أثره المتقدم: ويجاء بالمريض فيقول: ما منعك أن تعبدني؟
قال: فيقول: يا رب! ابتليتني.
(1) رواه أبو داود (3089). وفي إسناده راو لم يسم.