الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ومنهم أن يكون ذكاؤه وحذقه في تحريف الكلام وتصحيفه، أو يكون فكره في استخراج عيوب الناس وهجائهم، أو المبالغة في المديح والتشبيب والهجاء، ثم ترى الواحد منهم لا يعرف حكم وضوئه ولا صلاته، ولا بيعه ولا شرائه، ولا تصرفاته التي فيها خلاصه في الدار الآخرة.
نعم؛ يعرف طريق المكاسب والمكر والخديعة في البيع والشراء والحيلة في الحساب، وبذل بعض أنواع النقود دون بعض لما فيه من التفاوت وانتقاص الغريم من حقه.
ومن كان عقله كذلك فهو فاسد العقل، مطموس القلب، متعرض للهلاك والندامة والحسرة في الدار الآخرة.
وإنما العاقل: الأريب، الصالح العقل من فطانته وحذقه في أمور دنيه (1).
ولقد أحسن القائل: [من الطويل]
أَلا إِنَّ خَيرَ العَقْلِ ما دلَّ أَهْلَهُ
…
عَلى البِرِّ وَالتَّقْوى وَنيْلِ الْمَكارِمِ
*
فائِدَةٌ خامِسَةٌ وَأَربعونَ:
روى أبو داود، والترمذي - وصححه - عن عبد الله بن عمرو رضي الله
(1) في "أ": "آخرته" بدل " دينه "، والمثبت من "ت ".
تعالى عنهما قال: مر علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نعالج خُصًّا (1) لنا، فقال:"ما هَذا؟ ".
فقلنا: قد وَهى فنحن نصلحه.
فقال: "ما أَرى الأَمْرَ إِلَاّ أَعْجَلَ مِنْ هَذا"(2).
فيه إشارة إلى أن إصلاح الدنيا ليس من المهمات التي ينبغي الاعتناء بها للصالحين؛ فإنهم إنما هم في صلاح آخرتهم لا دنياهم، وإلى أن الذي يهون على العبد خراب الدنيا، وترك الاهتمام بإصلاحها قصر الأمل، واعتقاد زوال الدنيا ومفارقتها عن قرب.
وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن ثابت البناني رحمه الله تعالى: أن صفوان بن محرز رحمه الله تعالى كان له خُصٌّ فيه جذع، فانكسر الجذع، فقيل له: ألا تصلحه؟
فقال: دعوه؛ إنما أموت غداً (3).
نعم؛ لا بد مما لا بد منه من إصلاح الضروري من الدنيا كإصلاح الهيئة اللائقة بالعبد حفظاً لمروءته، وصيانة لعرضه عن وقوع الناس فيه كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِذا انْقَطَعَ شِسْعُ نَعْلِ أَحَدِكُمْ فَلا يَمْشِ فِي الأُخْرى
(1) الخص: البيت من قصب.
(2)
رواه أبو داود (5235)، والترمذي (2335) وصححه، وكذا ابن ماجه (4160).
(3)
ورواه ابن أبو نعيم في "حلية الأولياء"(2/ 215).
حَتَّى يُصْلِحَها". رواه مسلم، وغيره عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه (1).
وكذلك حفظ ما أعطاه الله تعالى من متاع الدنيا للانتفاع به في طاعة الله تعالى ولو في المستقبل من طعام وشراب، ولباس وفراش، ومال كما قال رسول الله:"أَطْفِئُوا الْمَصابِيحَ إِذا رَقَدْتُمْ، وَأَغْلِقُوا الأَبْوابَ، وَأَوْكِئُوا الأَسْقِيَةَ، وَخَمِّرُوا الطَّعامَ وَالشَّرابَ وَلَوْ بِعُودٍ تَعْرِضُهُ عَلَيهِ". رواه البخاري عن جابر رضي الله تعالى عنه (2).
وكذلك إصلاح شأنك وهيئتك وبزتك إرغاماً للحاسد، وإظهاراً للنعمة كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" أَحْسِنوا لِباسَكُمْ، وَأَصْلِحوا رِحالَكُمْ حَتَّى تَكُونُوا كَأَنَّكُمْ شامَةٌ فِي النَّاسِ". رواه الحاكم - وصححه - عن سهل بن الحنظلية رضي الله تعالى عنه (3).
وهو في "مسند الإمام أحمد"، ولفظه: قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "إِنَّكُمْ قادِمُونَ عَلى إِخْوانِكُمْ؛ فَأَصْلِحُوا رِحالَكُمْ، وَأَصْلِحوا لِباسَكُمْ حَتَّى تَكُونوا فِي النَّاسِ كَأَنَّكُمْ شامَةٌ؛ فَإِنَّ الله لا يُحِبُّ الفُحْشَ وَلا التَّفَحُّشَ"(4).
وروى أبو داود عن أبي الأحوص، عن أبيه رحمه الله قال: أتيت
(1) رواه مسلم (2098).
(2)
رواه البخاري (5301).
(3)
رواه الحاكم في (المستدرك)(7371)، وكذا أبو داود (4089).
(4)
رواه الإمام أحمد في "المسند"(4/ 180).
رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثوب دون، فقال:"أَلَكَ مالٌ؟ ".
قال: قلت: نعم.
قال: "مِنْ أَيِّ الْمالِ؟ ".
قال: من الإبل، والغنم، والخيل، والرقيق.
قال: "فَإِذا آتاكَ الله فَلْيُرَ أثَرُ نِعْمَةِ اللهِ عَلَيكَ وَكَرامَتُهُ"(1).
وروى الترمذي - وحسنه - والحاكم - وصححه - عن ابن عمرو رضي الله تعالى عنهما، والإمام أحمد عن أبي هريرة، وعمران بن الحصين رضي الله تعالى عنهم، وأبو نعيم عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، والطبراني في " الكبير " عن ابن علقمة رضي الله تعالى عنه قالوا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إِنَّ الله يُحِبُّ أَنْ يَرى أثَرَ نِعْمَتِهِ عَلى عَبْدِهِ"(2).
وروى الإمام أحمد، ومسلم عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يَدْخُلُ النَّارَ مَنْ كانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقالُ حَبَّةٍ مِنْ إِيْمانٍ، وَلا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقالُ حَبَّهٍ مِنْ كِبْرٍ ".
(1) رواه أبو داود (4036)، وكذا النسائي (5223).
(2)
رواه الترمذي (2819) وحسنه، والحاكم في " المستدرك "(7188) عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما.
والإمام أحمد في " المسند "(2/ 311) عن أبي هريرة، و (4/ 438) عن عمران بن الحصين رضي الله تعالى عنهما.
والطبراني في " المعجم الأوسط "(4668) عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما.
قال رجل: يا رسول الله! إنه يعجبني أن يكون ثوبي غسيلاً، ورأسي دهيناً، وشراك نعلي جديداً - وذكر أشياء حتى ذكر علاقة سوطه - فمن الكبر ذاك يا رسول الله؟
قال: "لا؛ ذاكَ الْجَمالُ، إِنَّ اللهَ عز وجل [جَمِيلٌ] يُحِبُّ الْجَمالَ، وَلَكِنَّ الكِبْرَ مَنْ سَفِهَ الحَقَّ وَازْدَرى النَّاسَ"(1).
فإصلاح البزة إذا خلا من هذا المرض الباطني - وهو سفه الحق، وازدراء الناس والخيلاء - لا يناقض الصلاح، فإذا وجد العبد من نفسه شيئاً من ذلك كان إصلاح قلبه بإيثار الخلق والدون، أو ما مر بإصلاح ظاهره كما سبق عن مالك بن دينار، وحناذ القلاء رحمهما الله تعالى.
ولقد قال عيسى بن مريم عليهما السلام: جَودة الثياب من خيلاء القلب. رواه أبو نعيم عن ابن شوذب (2).
وروى الأصبهاني في " الترغيب " عن علي بن يزيد بن جدعان قال: رأى علَيَّ سعيد بن المسيب جبة خز، فقال لي: إنك لجيد الجبة!
قلت: وما تغني وقد أفسدها عليَّ أبو عبد الله سالم بن عبد الله؟
قال: أصلح قلبك، والبس ما شئت (3).
(1) رواه الإمام أحمد في "المسند"(1/ 399) واللفظ له، ومسلم (91).
(2)
رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء "(6/ 130).
(3)
رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء"(2/ 173).
وروى ابن أبي شيبة عن أبي إدريس الخولاني رحمه الله تعالى أنه قال: قلب نقي في ثياب دَنِسةٍ، خيرٌ من قلب دَنِسٍ في ثياب نقية (1).
وروى الديلمي عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أَصْلِحُوا دُنْياكُمْ، وَاعْمَلُوا لآخِرَتكُمْ كَأَنَّكُمْ تَمُوتونَ غَداً"(2).
وهذا الحديث على وزان قوله تعالى: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} [القصص: 77].
في قوله: {وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} [القصص: 77] قولان:
الأول: أن المراد بالنصيب ما يحتاج إليه في الدنيا لمعاشه.
قال قتادة: {وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} [القصص: 77]؛ أي: تأخذ من الدنيا ما أحل الله لك؛ فإن لك فيه غنى وكفاية. رواه عبد بن حميد (3).
وقال الحسن في الآية: قدم الفضل، وأمسك ما يبلغك (4).
(1) رواه ابن أبي شيبة في " المصنف "(35371).
(2)
رواه الديلمي في "مسند الفردوس"(334)، وكذا القضاعي في "مسند الشهاب"(717) كلاهما عن أبي هريرة رضي الله عنه.
(3)
انظر: " الدر المنثور" للسيوطي (6/ 439)، وكذا رواه الطبري في "التفسير"(20/ 113).
(4)
رواه ابن أبي شيبة في " المصنف"(35316)، والبيهقي في "شعب الإيمان "=