الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وتزكية الصلحاء الفجار: أن يثنوا عليهم ويمدحونهم، وهم يعلمون أنهم على خلاف ذلك.
وكذلك التنمية بمعنى التزكية، أو معنى تنمية الأخيار الأشرار: زيادتهم في دنياهم، وتقويتهم بمال أو سلاح أو غيره.
وكل ذلك واقع في زماننا، وظهرت العقوبة التي وعد أهله بها من فقر كثير من ذوي الأموال، وكسرهم، وتسليط جبابرة الحكام وأتباعهم عليهم حتى كأنهم أهل ذمة، وامتلاء قلوبهم رعبا وخوفاً؛ فإنا لله وإنا إليه راجعون!
ولقد كان الناس يُرحمون بصالحيهم، فإذا فسد الصالحون فكيف يرحمون!
*
فائِدَةٌ ثالِثَةٌ وَثلاثونَ:
قال الله تعالى: {فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ (116) وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ} [هود: 116 - 117].
أراد سبحانه أن يبين في الآية ما كان سبباً في استئصال الأمم السالفة، وهو فُشُوُّ الظلم والفساد في الأرض، والإتراف؛ وهو الإنعام في الشهوات والإمعان فيها، والاهتمام بتحصيل أسبابها، وترك النهي عن المنكر من بقايا الناس ممن بقي من ذوي العقول والأحلام منهم إلا قليلاً من أهل النجاة.
فلما سكتت بقيتهم عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر {وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ} [هود: 116]، فلذلك حق عليهم العذاب.
ثم قال: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ} [هود: 117].
فإن قلتَ: كيف يجتمع الإصلاح مع الظلم؟
قلتُ: يكون الظلم من عامتهم والإصلاح من خاصتهم، وإنما قال:{وَأَهْلُهَا} [هود: 117]؛ أي: معظمهم، أو خاصتهم.
كان الاعتبار بأهل الصلاح والإصلاح -وإن كانوا بعضاً منهم- فإنهم يقومون مقام الكل، ولذلك أطلق عليهم قوله:{وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ} [هود: 117]؛ كأنهم هم أهلها دون من سواهم، فإذا ترك خاصتهم الإصلاح عَمَّ الفساد، فكان الهلاك.
وروى ابن أبي حاتم، والخرائطي عن جرير رضي الله تعالى عنه - موقوفاً عليه - والطبراني عنه - مرفوعاً - قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يُسأل عن تفسير هذه الآية: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ} [هود: 117]، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"وَأَهْلُها يُنْصِفُ بَعْضُهُمْ بَعْضَا"(1).
(1) رواه الخرائطي في "مساوئ الأخلاق"(2/ 152)، والطبراني في "المعجم الكبير"(2281) موقوفاً.=