الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وأخمله، وكان قد قاوم جريرًا في قصائد، ثم ضج إلى الفرزدق، واستغاث به، وذلك قوله:
لَعَمْرِي لَقَدْ أَلْهَى الفَرَزْدق قَيْدُهُ
وعدَّه الناسُ مغلبًا. انتهى.
وقال ابن قتيبة في كتاب "الشعراء": كان البعيث أخطب بني تميم إذا أخذ القناة، وله عقب بالبادية، وكان يُهاجي جريرًا، وقال أبو عبيدة: سألتُ بعض بني كليب ما أشدّ ما هُجيتُم به؟ قال: قول البعيث:
أَلَسْتَ كُلَيْبيًا إِذَا سِيمَ خُطَّةً
…
أَقَرَّ كَإِقْرَارِ الحَلِيلَةِ لِلْبَعْلِ
وَكُلُّ كُلَيْبِيٍّ صَفِيحَةُ وَجْهِهِ
…
أَذَلُّ لِأَقْدَامِ الرِّجَالِ مِن النَّعْلِ
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع عشر بعد الخمسمائة:
أَعَلَاقَةً أُمَّ الْوُلَيِّدِ بَعْدَمَا
…
أَفْنَانُ رَأْسِكَ كَالثَّغَامِ المُخْلِسِ
على أنه قيل: ما كافة لـ "بعد" عن الإضافة، وقيل: مصدريّة، وهو الظاهر، وهو قول جماعة منهم الإسفراييني صاحب "اللباب" قال فيه: ليست ما في البيت بكافة لبعْد عن الإضافة، بل مهيئة للإضافة إلى الجملة، وقال في ما علقه عليه: و"ما" في البيت وإن حكم بأنّها كافة إلَاّ أنَّ ذلك لا يعجبني، فإنَّ "بعد" في البيت على معناه الأصلي من اقتضاء الإضافة إلى شيء، وهو في المعنى مضاف لما بعده، كأنه قيل: بعد حصول رأسك أشمط كالثغام المخلس، فما ذكرت أقرب إلى الصّواب إن شاء الله تعالى. انتهى. وتبعه المحقق الرضي قال: ما فيه مصدريّة على قول بعضهم خلافًا لسيبويه، وسبقهما الأعلم وابن خلف، وأورده سبيويه في
موضعين من كتابه، أورده أولًا في باب ما جرى في الاستفهام من أسماء الفاعلين والمفعولين مجرى الفعل من أوائل كتابه، قال ابن خلف: الشاهد فيه إعمال المصدر عمل الفعل، ونصب أم الوليد بعلاقة، لأنَّها بدل من اللفظ، فعملت عمله، كأنه قال: أتعلّق أمّ الوليد بعد الكبرّ وأورده ثانيًا في باب الحروف المشبهة بالفعل، فإنّه بعد أن ذكر أنَّ "ما" تكفها عن العمل قال: ونظير إنما قول المرار الفقعسي.
أَعَلَاقَةً أُمَّ الوُلَيِّدِ
…
البيت.
"بعد" مع "ما" بمنزلة حرف واحد، وابتداء ما بعده. انتهى. وكذا قرَّره أبو علي في "البغداديّأت" في فصل "كسر لما" وابن الشجري في "أماليه" في فصل عقده لمعاني ما، وقال الأعلم وتبعه ابن خلف: بعد لا يليها الجمل، وجاز ذلك، لأنَّ ما وصلت بها لتتهيأ للجملة بعدها، كما فعل بقلما وربَّما، وما مع الجملة في موضع جر بإضافتها إليها، والمعنى: بعد شبه رأسك بالثغام المخلس، فما مع ما بعدها بمنزلة المصدر، هذا كلامهما، وهو خلاف كلام سيبويه، فإنَّه جعل ما كافّة عن الإضافة، وهما جعلاها مصدريّة، والعلاقة: مصدر علق الرّجل المرأة من باب فرح، وعلاقة إذا أحبّها، والعلاقة: الحب، وتكون العلاقة أيضًا الارتباط في الأمور المعنوية، كعلاقة الخصومة، والعلاقة بالكسر: هي علاقة السوط ونحوه من الأمور الحسِّيَّة، والوليّد بتشديد الياء، مصغر الوليد بمعنى الولد، قال الأعلم وابن خلف: صغَّره ليدلَّ على شباب أمّه، لأنَّ صغر ولدها لا يكون إلا في عصر شبابها، وهذا الحصر غير صحيح، فإنّها قد تكون مُسنو ولها ولد صغير، والأولى أن يكون التصغير للتحبيب، ونكتة إضافتها إليه دون البِنْت ملحها، فإنَّ قولهم أمّ الوليد، وأمّ الصبيين صفة مادحة للمرأة، وقال السّيرافي: الرواية الصحيحة أم الوليد بالتكبير، ويكون مزاحفًا بالوقص، وهو إسقاط الحرف الثاني من متفاعلن، بعد إسكانه، قال: وإنما جعلته الرواة بالتصغير، لأنّه أحسن في الوزن، والوليد:
الصبيّ. انتهى. والأفنان جمع فنن بفتحتين: وأراد بها ذوائب شعره على سبيل الاستعارة، والثغام بفتح المثلثة والغين المعجمة، قال الدينوري في كتاب "النبات": أخبرني بعض الأعراب قال: تنبت الثغامة خيوطًا طوالًا دِقاقًا من أصل واحد، وإذا جفّت ابيضّت كلّها، وهو مرعى تعلفه الخيل، وإذا أمحل الثغام كان أشدّ ما يكون بياضًا، ويشبّه به الشيب قال حسّان:
إمَّا تَرَىْ رَأسي تَغَيَّرَ لَوْنُهُ
…
شَمطًا فَأَصْبَحَ كَالثَّغَامِ المُمْحِلِ
وإذا كان الثغام مخلسًا شبّه به الشعر الشميط، وهو الذي اختلط بياضه بالسواد، والخليس من النبات: الذي ينبت الأخضر منه في خلال يبسه، قال المرار الفقعسي:
أَعَلاقَةً أُمَّ الوُلَيِّدِ
…
البيت
أي: بعد ما شمطت، والرأس الشميط: الذي نصفه أبيض، ونصفه أسود. انتهى. والهمزة للتوبيخ خاطب نفسه، وقال: أتعلق أم الوليد وتحبها وقد كبرت وشبت، كما قال العجاج:
أَطَرَبًا وَأَنْتَ قِنِّسْرِي
وقال الأسود أبو محمد الأعرابيّ: ليس الشاعر موبخًا نفسه، وإنما يحكي مّنْ عذله من أصحابه يوضحه قوله:
فَتَهَامَسُوا دُونِي أشَوْقٌ هَاجَهُ
…
وَهْنًا فَقَالَ مُعَالِنٌ لَمْ يَهْمِسِ
أَعَلَاقَةً .. ألبيت، فالقول لمعالن لم يهمس، وليس يقوله الشاعر لنفسه، وتقدَّمت ترجمته في الإنشاد الثامن بعد الخمسمائة.