الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الضرورة. وقوله أيضًا حملًا على "لا" ليس يجيد، لأن "لا" الغالب فيها أنها لا ينفي بها الماضي، ألا ترى أن قولك: لا قام زيد، قليل، وإنما ذكرو أن ذلك حملًا على كما، لأن "ما: ينفى بها الماضي كثيرًا. انتهى.
وجرم: قبيلة، وروي بدله: ذهل، بضم المعجمة، وهو قبيلة أيضًا، ونعم بضم النون: اسم امرأة تحريف من ذهل، وفوارس: جمع فارس شاذ، وأسرتهم روي بالرفع عطفًا على فوارس، وبالجر عطفًا على جرم، وأسرة الرجل بالضم: رهطة، والصليفاء: مصغر الصلفاء، وهي الأرض الصلبة، ويوم الصلفاء يوم من أيام العرب، لكن الشاعر صغره، وهو يوم لهوازن على فزارة وعبس وأشجع، والواو في يوفون ضمير الذين هجاهم الشاعر، والجار: المستجبر والحليف، وفيه حذف مضاف، أي: لم يوفون بذمة الجار. والبيت مشهور في كتب النحو، ولم أقف على قائلة، ولا على تتمته، والله أعلم.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والأربعون بعد الأربعمائة:
(447)
في أي يوميَّ منَ الموتِ أفرْ
…
أيومَ لمْ يقدرَ أمْ يومَ قدرْ
على أن اللحياني زعم أن النصب بلم لغة، وقيل: الأصل لم يقدرون، ثم حفت النون، قال ابن جني في أوائل باب الهمزة من "سر الصناعة" ذهبوا فيه إلى أنه اراد النون الخفيفة، ثم حذفها ضرورة، فبقي الراء مفتوحة، وأنكر بعض أصحابنا (هذا)، وقال: هذه النون لا تحذف إلا لسكون ما بعدها، ولا سكون ها هنا بعدها، والذي أراه أنا في هذا، وما علمت أحدًا من أصحابنا ولا غيرهم ذكره، ويشبه أن يكونوا لم يذكروه للطفه، وهو أن أصله: أيوم لم يقدر أم (يوم قدر) بسكون الراء للجزم، ثم إنها جاورت الهمزة المفتوحة والراء ساكنة، وقد أجرت العرب الحرف الساكن إذا جاور الحرف المتحرك مجرى المتحرك، وذلك قولهم فيما حكاه سيبويه: المراة والكماة، يريدون: المرأة والكمأة، ولكن الميم والراء لما كانتا ساكنتين، والهمزتان بعدهما مفتوحتان صارت الفتحتان اللتان في الهمزتين
كأنهما في الراء والميم، وصارت الراء والميم كأنهما مفتوحتان، وصارت الهمزتان لما قدرت حركتاهما في غيرهما كأنهما ساكنتان، فصار التقدير فيهما مرأة وكمأة، ثم خففتا فأبدلت الهمزتان الأفين، لسكونهما وانفتاح ما قبلهما، فقالوا: مراة وكماة، كما قالوا: في رأس وفأس لما خففا: راس وفاس، وعلى هذا حمل أبو علي قول عبد يغوث:
وتضحكُ مني شيخةٌ عبشميةٌ .. البيت.
قال: جاء به على أن تقديره محققًا: كأن لم ترأ، م إن الراء لما جاورت وهي ساكنة الهمزة متحركة صارت الحركة كأنها في التقدير قبل الهمزة، واللفظ بها كأن لم ترا، ثم أبدل الهمزة ألفًا لسكونها وانفتاح ما قبلها، فصارت ترا، فالألف على هذا التقدير بدل من الهمزة التي هي عين الفعل، واللام محذوفة للجزم على مذهب التحقيق وقول من قال: رأى يرأى، قال سراقة البارقي:
أري عينيَّ ما لمْ تراياهُ
…
البيت، وقد رواه أبو الحسن: ما لم ترياه على التخفيف الشائع عنهم في هذا الحرف، وقرأت على أبي علي في "نوادر أبي زيد":
ألمْ ترَ مالا قيتُ والدهرُ أعصرٌ
…
ومن يتمل العيش يرأ ويسمعُ
كذا قرأته عليه تر مخففًا، ورواه غيره ترأ ما لاقيت، إلى هنا كلام ابن جني.
وقد أعاده مختصرًا في باب إجراء المتصل مجرى المنفصل من كتاب "الخصائص" قال: كذا أنشده أبو زبد بفتح الراء، وقال: أراد النون الخفيفة فحذفها، وحذف نون التوكيد وغيرها من علاماته جارٍ عندنا مجرى إدغام الملحق في أنه نقض الغرض، إذا كان التوكيد من أماكن الإسهاب والإطناب، والحذف من مظان الاختصار والإيجار، لكن القول فيه عندي أنه أراد:(أ) يوم لم يقدر أم يوم قدر، ثم خفف همزة أم، فحذفها، وألقي حركتها على راء يقدر، فصار تقديره:(أيوم) لم يقدر ام (ثم أشبع فتحه الراء فصار تقديره: أيوم لم يقدر ام)، فحرك الألف لالتقاء الساكنين، فانقلبت همزة فصار تقديره يقدر أم، واختار الفتحة اتباعًا
لفتحه الراء، وكنت ذاكرت الشيخ أبا على بهذا منذ بضع عشرة سنة، فقال: هذا إنما يجوز في المتصل، قلت: فأنت أبدًا تكرر ذكر إجرائهم المنفصل مجرى المتصل، فلم يزد شيئا، وقد ذكرت قديمًا هذا الموضع في كتابي في "سر صناعة الإعراب".
انتهى.
وهذا الرجز أنشده ابن الأعوابي في "نوادره" للحارث بن المنذر الجرمي، وأورد بعد ذلك:
إنَّ أخواليَ منْ شقرةَ قدْ
…
لبسوا لي عمسًا جلدَ النمرْ
قال أبو محمد الأسود فيما كتبه على "نوادر ابن الأعرابي" وهو كتاب "ضالة الأديب": قد ترك أبو عبد الله بينهما بيتًا لا بدَّ منه وهو:
يومَ لا يقدرُ لا أخشى الردىَ
…
وإذا قدرَ لا يغني الحذرْ
وهذا المقدار يوجد في ديوان علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قال ابن عبد ربه في باب الحروب من "العقد الفريد": كان علي بن أبي طالب رضي الله عنه يخرج كل يوم بصفين حتى يقف بين الصفين، ويقول:
أي يومي من الموت أفرْ
…
يوم لا يقدرُ أمْ يومَ قدرْ
يومَ لا يقدرُ لا أرهبهُ
…
ومن المقدور لا ينجي الحذرْ
وكذا أورده أيضًا في باب فضائل الشعر من ذلك الكتاب، والظاهر أنه رضي الله عنه كان يتمثل به، فإن رواته قد أجمعوا على أنه للحارث المذكور، وبعد قوله:
إنَّ أخوالي من شقرة
…
إلى آخره أربعة أبيات وهي:
نحتوا أثلتنا بغيًا ولمْ
…
يرهبوا غبَّ الوبالِ المستعمرْ
فلئنْ طأطأتُ في قتلهمُ
…
لتهاضنَّ عظامي عنْ عقرْ
ولئنْ غادرتهمْ في ورطةٍ
…
لأصيرنْ نهزةَ الذئب الفقر
ولئن أعرضت عنهم بعد ما
…
أوهنتني لتصيبني بقرْ
وقوله: أي يومي بالنصب على الظرفية لأفر، ويروى في كتب النحو "في أي
يومي" بزيادة في، وفي بعضها: "من أي يومي" بزيادة "من" وهي زيادة على وزن الشعر، وهي عادتهم يزيدون صدر البيت حرفًا أو حرفين أو ثلاثة أو أربعة، وفي أول العجز حرفًا أو حرفين فقط، وهو عنجهم جائز، واسمه الخزم، بمعجميتين، والبيت مخزوم. ويومي: مثنى حذفت نونه للإضافة إلى الياء، وقوله: يوم لا يقدر ظرف مضاف للجملة بعده، وهمزة الاستفهام محذوفة، يدل عليها أم وهي ثابتة في رواية من زاد في أوله في، وهي خارجة عن وزنه، وقوله: لا يقدر، هذه الرواية لا شاهد فيها، يقول: لا ينبغي ترك الحرب خوفًا من الموت، فإن يوم الحرب إن قدر فيه الموت، فالنجاة منه محال، وإن لم يقدر، فليس للوقوع فيه مجال. هذا معنى الأبيات الأربعة. وقال الدماميني: يعني أنه لا فرار من الموت، فإن كل يوم مت أيام الحي لا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون اليوم الذي قدر فيه هلاكه، أو يكون اليوم الذي يقدر فيه موته، وفي كلا اليومين لا ينجيه الفرار من الموت، هذا كلامه، ومقتضاه لا بد من الموت في اليوم الذي لم يقدر فيه، وهو خلف من القول لا يصح، وعذره أنه لم يقف على البيتين بعد الأولين، وقوله: إن أخوالي من شقرة، بفتح الشين المعجمة، وسكون القاف، هو ابن ربيعة بن كعب بن سعد بن خبة بن أد، وعمسا: مصدر عمس كفرح: إذا اشتد، ولبس جلد النمر: مثل يضرب لإظهار العداوة وكشفها، ويقال أيضًا للرجل الذي يجد في الأمر: ليس جلد النمر.
وقوله: نحتوا أثلتنا، الأثلة بسكون المثلثة/ الأصل، ونحتها: توهينها، قال صاحب "العباب": يقال: فرن ينحت أثلتنا: إذا قال في حسبه قبيحًا، قال الأعشى:
ألستَ منتهيًا عنْ نحتِ أثلتنا
…
ولستَ ضائرها ما أطتِ الإبل
وغب الشيء بالكسر: عاقبته، والوبال: ثقل الشيء المكروه ووخامته، والمستعر: المتقد، وهو مطاوع سعرت النار، أي: أوقدتها، ويقال أيضًا أسعرتها
وسعرتها تسعيرًا، وقوله: فلئن طأطأت، أي: أسرعت، وأصله من طأطأ الفارس فرسه: إذا ركضه بفخذيه، ثم حركه للحضر، وقوله: لتهاضن عظامي بالبناء للمفعول: مضارع هاض العظم يهيضه هيضًا: إذا كسره بعد الجبور، وهذا وجعه أشد من الكسر ابتداء، وعقر، بضم العين والقاف: الأصل، أي: لتهاضن جميع عظامي، فلا يبقى لي عظم صحيح، واصل القاف السكون، ومنه الحديث:"ما غزي قوم في عقرِ دارهم إلا ذلوا"، وقوله: ولئن غادرتهم إلى آخره، أي تركتهم، والورطة: الشدة، والنهزة بالضم: الفرصة، والذئب الفقر بفتح الفاء وكسر القاف، المكسور الفقار بالفتح وهي خرزات الظهر، يريد: أصير طعمة للعاجز. وقوله: ولئن أعرضت عنهم، الضمير لأخواله، وأعاده مؤنثًا في قوله: أوهنتني، لأنه جمع مكسر بتأويل جماعة. وقوله: أصابتني بقر، قال الصاغاني في "العباب": القر بالضم: القرار، ومنه قولهم عند شدة تصيبهم: صابت بقر، أي: صارت الشدة في قرارها، قال طرفة بن العبد:
كنتُ فيكمْ كالمغطي رأسهُ
…
فانجلى اليومَ قناعي وخمرْ
سادرًا أحسبُ غيي رشدًا
…
فتناهيتُ وقدْ صابتْ بقرْ
والحارث هذا هو من بني عبد الجن بن عائذ الله بن أسعد بن سعد بن كثير بن غالب، وينتهي نسبه إلى جرم قضاعة، قال صاحب "جمهرة الأنساب": ومن بني عبد الجن الحارث بن نمر الشاعر، وقد شهد صفين مع معاوية بن أبي سفيانـ، وهو القائل:
منْ أيَّ يوميَّ منَ الموتِ أفرْ
…
أيومَ لمْ يقدرَ أمْ يومَ قدرْ
انتهى.
كذا رأيته نمر بدل المنذر، وظهر مما تقدم أنه إسلامي.