الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وأنشد بعدَهُ، وهو الإنشاد السابع عشر بعد الخمسمائة:
لَوْ بِأَبَانَيْنِ جَاءَ يَخْطُبُهَا
…
زُمِّلَ مَا أَنْفُ خَاطِبٍ بِدَمِ
على أنَّ ما زائدة. وهو من أبيات لمهلهل قالها حين تنقَّل في القبائل بعد حربِ البسوس حتى جاور قومًا من مذحج يقال لهم: جّنْب، وخطبوا إليه أخته، وكان مهرهم الأَدَمَ، فقال بعد أبيات خمسة عشر:
عَزَّ عَلى تَغْلِبٍ بما لقِيتْ
…
أُخْتُ بني المالِكينَ مِنْ جُشمِ
أَنْكَحَهَا فَقْدُهَا الأَرَاقِمَ فِي
…
جَنْبِ وَكَان الحِبَاءُ مِنْ أَدَمِ
لَوْ بِأَبَانَيْنِ جَاءِ يَخْطُبُهَا
…
زُمِّلَ مَا أَنْفُ خَاطِبٍ بِدَمِ
لَيْسُوا بِأَخْتَانِ مَا البَنَاتِ وَلَا
…
يُغْنُونَ مِنْ عَيْلَةٍ وَلَا عَدَمِ
وقد قدَّمنا في الإنشاد الثالث والعشرين بعد الأربعمائة ذكر حرب البسوس، وما آل إليه أمر مهلهل حتى نزل في جنب، وهم ستة رجال، كلّ منهم أبو بطن وهم مُنبَّه، والحارثُ، والغلْيُ، وسيحان، وشمران، وهَفّان كلّهم بنو يزيد ابن حرب المذحجي، وَسُمُّوا جَنْبًا لأنهم جانبوا أخاهم يزيد بن يزيد الملقب بصُداء، كغراب، فلما نزل فيهم، خطبوا إليه أخته، فامتنع، فأكرهوه حتى زوَّجهم، وكان الذي تزوَّجها معاوية بن الحارث بن منبّه.
وقوله: عزَّ على تغلب، من عزَّ عليَّ فعل كذا من باب ضرب، أي: اشتدَّ كناية عن الأنفة عنه، وتغلب: قبيلة مهلهل بن ربيعة بن الحارث بن زهير بن جشم ابن بكر بن حُبَيْب بن عمرو بن غنم بن تغلب بن وائل، والأراقم ستة إخوة: هم جُشَم، ومالك، وعمرو، وثعلبة، ومعاوية، والحارث بنو بكر بن حُبَيْب بالتصغير المذكور، وسبب تسميتهم بالأراقم أنَّ كاهنًا مرَّ بأمهم وهم ستة ملتفون
في قطيفة لها، فقالت: انظر إلى بنيَّ هؤلاء، فقال: والله لكأنما رموني بعيون الأراقم. وقال أبو عبيدة: إنَّ أباهم نظر إليهم لما ترعرعوا، فإذا لهم جُرْأَةً وحِدَّة، فقال لغلام له: إذا كان الليل، فاستغث حتى أنظر إلى ما يفعل أولادي، فذهب إلى حيث أمره مولاه، فاستغاث، فَسَمعوا صوته، فقصدوا قصده، فقالوا له: ويلك ما دهاك؟ وأين القوم؟ فتعلقوا به، ولم يفارقوه، فأقبلوا يهزونه، فلمّا رأى ذلك، قال لمولاه: كفّ عليَّ هؤلاء الأراقم، فقد كادوا يقتلونني.
وأراد بالمالكين: الملوك والسلاطين، وفقدها: فاعل أنكحها، والأراقم فاعل فقدها، وهو مصدر مضاف للفاعل، وفقدته بمعنى طلبته عند غيبته، وفي متعلقة بفقدها، والحباء بكسر المهملة بعدها موحدة: العطية، يريد به المهر، والأدّم، بفتحتين: الجلد المدبوغ، قال الأزهري: الحباء: عطاء بلا منّ ولا جزاء، تقول: حبوته أحبوه حباء، ومنه اشتقت المحاباة، وجعل المهلهل مهر المرأة حباء، وأراد أنهم لم يكونوا أرباب نعم، فيمهرونها الإبل، وجعلهم دبّاغين للأدم. انتهى.
وقوله: لو بأبانين، الباء متعلّقة بجاء، وقدم الظرف، وفصل به بين لو وشرطها لضرورة الشعر، قال أبو عبيد البكري في "معجم ما استعجم": أبان، بفتح أوَّله: جبل، وهما أبانان: أبان الأبيض، وأبان الأسود بينهما نحو فرسخ، ووادي الرُّمّة يقطع بينهما، والأول لبني حريد من بني فزارة خاصة، والثاني لبني والبة الأسدي، وقال بعضهم: ويشركهم فيه فزارة، وقال مهلهل:
لَوْ بِأَبَانَينِ جَاءَ يَخْطُبُهَا .. البيت.
يدل قول مهلهل على أنَّ لتغلب في أبانين اشتراكًا مع القبيلتين المذكورتين، أو أنَّ مهلهلًا جاورهما أو إحداهما، وانظر أبانين في رسم شّمام أيضًا. انتهى.
قال هناك: قال الخليل: شمام جبل له رأسان يسمّيان ابني شمام، وقال في موضع
آخر: يسمّيها العرب أبانين، ولمحمد بن حبيب تأليف في "المثنى على التغليب" وغيره لم يذكر هذا فيه.
وقال ياقوت في "معجم البلدان": أبان الأبيض: شرقي الحاجر، فيه نخل وماء، يقال له: أكره وهو العَلَمُ لبني فزارة وعبس، وأبان الأسود: جبل لبني فزارة خاصة، وبينه وبين الأبيض ميلان. وقال أبو بكر بن موسى: أبان جبل بين فيّدْ والنبهانية أبيض، وأبان جبل أسود، وهما أبانان، كلاهما محدّد الرأس كالسنان، وهما لبني مناف بن دارم من تميم، وقال آخرون: أبانان تثنية أبان، ومُتالع، غلب أحدهما، وهما بنواحي البحرين، فاستدلّوا على ذلك بقول لبيد:
دَرَسَ المنَا بمُتَالِعٍ فَأَبَانِ
أراد: درس المنازل، وقيل: ثنية أبان وشَرْورى، وهما جبلان، فغلبوا أبانًا عليه، ثمَّ ذكر ياقوت أبيات مهلهل.
وقال في كتاب "المشترك وضعًا والمفترق صقعًا": أبان الأول: جبل شرقي الحاجر فيه نخل وماء، يقال له: الأكره وهو العلم لبني فزارة وعبس، والثاني: أبان الأسود، جبل لبني فزارة خاصّة، وبينهما ميلان وهما اللذان ذكرهما مهلهل بقوله:
لَوْ بأَبَانَيْنِ جَاء يخْطُبُهَا .. البيت.
وزُمّلٍ: بالبناء للمفعول، من التزميل بالزاء المعجمة، وهو الإخفاء واللّف في الثوب، يقول: لو خطبها في بلادي لهشمت أنفه حتى كان يخفيه بالثوب، وروى المبرد في "الكامل" بدله:"ضرج" من التضريج وهو صبغ الأنف بالدم، وقوله: ليسوا بأختان ما البنات "ما" زائدة بين المضاف والمضاف إليه، والأختان: جمع خَتَنٍ - بفتحتين - وهو الصهر، ومن كان من قبل المرأة كالأب والأخ، والعيلة: الفقر، والعدم، بفتحتين: القلّة. وهذه الأبيات نقلتها من كتاب "أشعار تغلب" للسكري.