الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
"
لولا
"
أنشد فيه، وهو الإنشاد الأربعون بعد الأربعمائة:
(440)
يذيبُ الرعبُ منهُ كلَّ عضبٍ
…
فلولا الغمدُ يمسكهُ لسالا
على أن جماعة لحنوا المعري في ذكر "يمسكه" وكان الواجب حذفه، قال ابن مالك في "التوضيح" عند حديث:"لولا قومك حديثو عهد بكفر"، تضمن هذا الحديث ثبوت خبر المبتدأ بعد لولا وهو ممر خفي على النحويين، إلا الرماني والشجري، وقد يسرت لي في هذه المسألة زيادة على ما ذكراه، فأقول: إنَّ المبتدأ بعد لولا على ثلاثة أضرب: الأول: مخبر عنه بكون غير مقيد نحو: لولا زيد لزارنا عمرو، فمثل هذا يحذف خبره، لأن المعنى: لولا زيد على كل حال من أحواله، لزارنا عمرو، فلم تكن حال من أحواله أولى بالذكر من غيرها. الثاني: مخبر عنه بكون مقيد لا يدرك معناه إلا بذكره نحو: لولا زيد غائب لم أزرك، فخبر هذا النوع واجب الثبوت، لأن معناه يجهل عند حذفه، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم:"لولا" قومك حديثو عهد بكفر" فلو اقتصر في مثل هذا على المبتدأ لظن أن المراد: لولا قومك على كل حال من أحوالهم، لنقضت الكعبة، وهو خلاف المقصود، لأن من أحوالهم بعد عهدهم بالكفر فيما يستقبل، وتلك الحال لا تمنع من نقض الكعبة، الثالث: وهو المخبر عنه بكون مقيد يدرك معناه عند حذف، كقولك: لولا أخو زيد ينصره، لغلب، فيجوز في مثل هذا إثبات الخبر وحذفه، لأن فيه شبهًا بلولا زيد لزارنا عمرو، وشبهًا بلولا زيد غائب، ولم أزرك، فجاز فيها
ما وجب فيهما من الحذف والثبوت، ومن هذا النوع قول المعري في وصف سيف:
فلولا الغمدُ يمكسهُ لسالا
وقد خطأه بعض النحويين. انتهى كلامه باختصار بعض الأمثلة.
وقال أبو حيان في "التذكرة": لا ينبغي أن يلحن المعري، ففي الحديث:"لولا قومك حديث عهدهم بكفر، لأقمت البيت على قواعد إبراهيم" ويمكن تخريج بيت المعري على الحال وإن كان أبو الحسن قد منع من ذلك قياسًا على الخبر، لأن الحال ضرب من الخبر، ووجدت فيما علقته عن الأستاذ على "الكتاب" أن خبر مبتدأ لولا إنما يحذف إذا كان موجودًا أو ما في معناه، وأجاز: لولا زيد ضاحك لكان كذا، ولولا زيد آكل أو يأكل، وكذلك ما كان في معناه، وعلى ذلك حمل الحديث المتقدم وقال في قول المعري: إنَّ لفظة "يمسكه" تدل على معاناة الإمساك ومعالجته، فهو أقوى فيما قصده من حذفه وذكر دريودىفي كتابة في غير موضع منه أن إثباته جائز، والجيد إضمار الخبر. انتهى.
وما ذهب إلى جوازه عالم لا ينبغي أن يقال فيه لحن، مع أنه ليس في كلام سيبويه نص صريح بالتزامهم حذف هذا الخبر، وذكر صاحب "الترشيح" أنه يجوز إظهاره عند قوم، وعلى كل حال، فحذفه أكثر، وغيره قليل، ويقطع بصحة الحال بعده ما حكاه الكسائي من قولهم: لولا رأسك مدهونًا، استدل بلك على أن المرفوع بعدها فاعل بفعل مضمر:
فلولا سلاحي عندَ ذاكَ وغلمتي
…
لكانَ لهمْ يومٌ منَ الشرٌ أيومُ
وتأوله ابن الدهان على أنه متعلق بما في سلاحي من معنى الشدة، وذلك عندي تعسف. انتهى كلام أبي حيان وقال في "الارتشاف": وتأوله بعضهم على إضمار "أن" التقدير: أن يمسكه، وأعربه بدلًا، أي: إمساكه.
والبيت من قصيدة طويلة للمعري مدح بها سعيد بن شريف بن علي بن حمدان العدوي، وقبله:
فإنْ عشقتْ صوارمكَ الهوادي
…
فما عدمتْ لمنْ تهوى اتصالا
ولولا ما بسيفكَ من نحولٍ
…
لقلنا أظهر الكمد انتحالا
إلى أن قال بعد خمسة أبيات:
إذا بصرَ الميرُ وقدْ نضاهُ
…
بأعلى الجو ظنَّ عليه آلا
ودبتْ فوقهُ حمرُ المنايا
…
ولكنْ بعدَ ما مسختْ نمالا
يذيبُ الرعبُ منهُ كل عضبٍ
…
فلولا الغمدُ ما مسختْ نمالا
يذيبُ الرعبُ منهُ كلَّ عضبٍ
…
فلولا الغمدُ يمكسهُ لسالا
ومن يكُ ذا خليلٍ غير سيفٍ
…
يصادفْ في مودتهِ اختلالا
قوله: فإن عشقت صوارمك
…
إلخ. قال ابن السيد البطليوسي في شرحه:
الصوارم: السيوف، والهوادي: الأعناق، يقول: إن كانت سيوفك تعشق رقاب الأعداء، فقد الأعداء، فقد بلغتها أملها مما عشقت، وأمكنتها من الذي أحبت، وهذا أحسن من قول أبي الطيب:
رقتْ مضاربهُ فهنَّ كأنما
…
يبدينَ منْ عشق الرقاب نحولا لأن لأ أبا الطيب لم يذكر أنها بلغت من معشوقها بغية. وقوله: ولولا ما بسيفك .. إلخ قال: الكمد: الحزن مع تغير الوجه، فجعل السيف لما عليه من أثر الدم المغير للونه، المذهب لرونقه وصقله كأنه (ذو) كم، والدم يحيل رونق السيف. يقول: لولا أن نحول سيفك قد دلنا على أنه عاشق للرقاب، لحسبنا أنه يظهر من الكمد غير ما يجن،
ويبدي من الأيف خلاف ما يبطن، فإن قيل: كان يجب أن لا يصفه بنحول ولا اكتئاب حين وصفه بمواصلة الرقاب! فالجواب: أنه قد يكون العاشق عند ذلك أحرص عليه وأشد صبابة إليه، كما قال ابن الرومي:
أعانقها والنفسُ بعدُ مشوقةٌ
…
إلأيها وهلْ بعدَ العناقِ تداني
وألثمُ فاها كيْ تموتَ حرارتي
…
فيشتدُّ ما ألقى من الهيمان
وقوله: إذا بصر الأمير .. إلخ، قال: يقال نضوت السيف، وانتضيته: إذا سللته، والجو: ما بين السماء والأرض، والآل: السراب، شبه به ماء السيف الذي يرى عليه وهو من التشبيه البديع، لأن السراب شيء لا يتحصل كما أن ما يرى على السيف من الماء شيء لا حقيقة له. وقوله: ودبت فوقه
…
إلخ، قال: العرب تشبه فرند السيف وما عليه من الوشي بآثار النمل، فجعل أبو العلاء تلك الآثار آثار المنايا، ووصف أنها دبت فيها لتصل إلى الأرواح، وقوله: يذيب الرعب .. إلخ، أذابه: أسأله، والرعب: الخوف، والغضب: السيف القاطع، والرعب فاعل، وكل مفعول.
والمعري: هو أحمد بن عبد الله بن سليمان التنوخي، ولد بمعرة النعمان بين حلب ودمشق سنة ثلاث وستين وثلاثمائة، وذهب بصره بعلة الجدري سنة سبع وستين، وقال الشعر وهو ابن إحدى عشرة سنة، ورحل إلى بغداد سنة ثمان وتسعين، وأقام بها سنة وسبعة أشهر، ثم رجع إلى بلده، فأقام، ولزم منزله إلى أن مات يوم الجمعة الثاني من ربيع الأول سنة تسع وأربعين وأربعمائة، وكان غزير الفضل، شائع الذكر، وافر العلم، غاية في الفهم، عالمًا باللغة، حاذقًا بالنحو، جيد الشعر، جزل الكلام، واختلف في اعتقاده، فقيل: إنه من خلص الموحدين، وقيل: إنه رأس الملحدين. والله أعلم به.