الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(لَيْسَ)
أنشد فيه، وهو الإنشاد الخامس والثمانون بعد الأربعمائة:
(485)
له نافلات ما يُغيب نوالُها
…
وليس عطاءُ اليوم مانعه غدَا
على أن "ليس" في البيت لنفي المستقبل. والبيت من قصيدة للأعشى ميمون مدح النبي صل الله عليه وسلم، ولم يوفق للإيمان، وتقدم بيانه مع شرح أبيات من أولها في الإنشاد الخامس والخمسين بعد الثلاثمائة، وهذه أبيات قبله:
فإنْ تسألي عني فيا ربّ سائلٍ
…
حفيٍ عنِ الأعشى به حيثُ أصعدا
ألا أيها السّائلي: أينَ أصعدت،
…
فإنّ لها في أهلِ يثربَ موعدا
فأمّا إذا ما أدلجتْ، فترى لها
…
رقيبينِ جديًا لا يغيبُ وفرقدا
وفيها إذا ما هجرتْ عجرفيَّةٌ
…
إذا خِلْتَ حِرْبَاءَ الظّهِيرَةِ أصْيَدَا
وأذرت برجليها النفي وراجعتْ
…
يَدَاهَا خِنَافًا لَيّنًا غَيرَ أحْرَدَا
فمالك عندي مشتكى مِنْ كَلالَةٍ
…
ولا منْ حفىً حتى تُلاقي محمّدا
نبيًا يرى ما لاترونَ، وقولهُ
…
أغَارَ، لَعَمْرِي، في البِلادِ وَأنجَدَا
مَتى مَا تُنَاخي عندَ بابِ ابنِ هاشِمٍ
…
تراحي وتلقي منْ فواضلهِ ندا
لهُ صدقاتٌ ما تغبّ
…
البيت
قوله: فإن تسألي عني
…
الخ، يخاطب امرأة يقول لها: إن تسألي عني، فلا عجب، فإن السائلين عني كثير، وحيث ظرف متعلق بسائل، وفاعل أصعد: ضمير الأعشى، والحفي: المبالغ في السؤال، وعن: متعلقة بسائل، والباء: متعلقة بحفي، وإصعاده: إتيانه مكة، لأن مكة تهامية وهي أعلا نجد، وفاعل أصعدت ضمير الناقة المعلومة من قوله: وإتعابي العيس، في بيت قبله، ويثرب: المدينة المنورة،
والموعد: الوعد، كأن ناقته وعدت أهل المدينة في ذهابها إليهم، والإدلاج بسكون الدال: سير جميع الليل، أخبر أنها تسير بالفرقدين والجدي لا دليل لها غيرهما، وفي "القاموس": الفرقد النجم الذي يهتدي به، وهما فرقدان، وجاء في الشعر مثنى وموحدًا، وهجّرت: سارت في الهاجرة، وفيها تضعف الإبل وتخور، والعجرفية: النشاط، يقول: لها نشاط في السير في هذا الوقت المضعف، فكيف يكون نشاطها في غيره، وإذا: ظرف متعلق بعجرفية، وخلت: ظننت، والحرباء بالمد: دويبة تستقبل الشمس، وتدور معها كيفما دارت إلى أن تغرب، وتتلون ألوانًا، والأصيد: البعير يكون به الصاد، وهو قروح من المنخرين لا يكاد يضع منها رأسه، والنفي: الحصا الذي ينفي ويتطاير من شدة وطء أخفاقها، وأذرت: فرّقت، والخناق بكسر الخاء بعدها نون: سرعة قلبها يديها إلى وحشيها: والحرد، بفتح الحاء والراء المهملتين: داء في قوائم الإبل وفي اليدين، أو يبس عصب إحداها من العقال، فيخبط بيديه إذا مشى.
وقال السهيلي: خنفت الدابة تخنف بيديها في السير: إذا مالت بها نشاطًا، وناقة خنوف. وقوله: لينًا غير أحرد، أي تفعل ذلك من غير حرد في يديها، أي: اعوجاج، انتهى كلامه. وقوله: فمالك عندي
…
الخ، هذا التفات من الإخبار عن ناقته إلى خطابها، ومشتكى: مصدر ميمي من الإشتكاء، وهو على حذف مضاف، والتقدير: فما لك عندي سماع شكاية، والكلالة مصدر كل بمعنى أعيا، والحفى: مصدر حفيت: رجله من باب فرح: إذا رقت من كثرة المشي، وروي: فآليت لا آوي: أي لا أرق لها من أويت للضعيف أية: إذا رقت له كبدك، وروي أيضًا: لا أرثي لها من رثيت له، إذا رحمته، ورققت له، وآليت: حلفت، وهذه رواية أبي على في "إيضاح الشعر"، وقال: يجوز أن تكون التاء في تلاقي في فعل الغيبة، وفي الفعل ضمير الغائبة، كما تقول: هند تلاقي زيدًا، واسكن الياء ضرورة، ويجوز أن تكون التاء لاحقة فعل المخاطب بعد الغيبة، كقوله
تعالى: (إياك نعبد) الفاتحة: 5] بعد الغيبة، وتكون الياء ضميرًا، والنون محذوفة، ويجوز أن تكون الياء للمخاطب، والمعنى حتى ألاقي، إلا أنه نزل نفسه منزلة المخاطب، كقوله:
وهل تطيق وداعًا أيها الرجلُ
انتهى كلامه.
وقوله: نبيًا يرى، بدل من محمد، وروي بالرفع على أنه خبر مبتدأ، أي: هو نبي، وروي: وذكره أغار، أي: صار إلى الغور، يقال: غار يغور غورًا، وإنما قال أغار ليزدوج مع قوله أنجد، أي: صار إلى نجد، كما قالوا: مأزورات غير مأجورات، وإنما هو موزورات من الوزر، وقال العسكري في كتاب "التصحيف": الخلاف في غار، وهو مذهب البصريين، وأغار وهو مذهب البغداديين، وسمعت أبا بكر بن دريد يقول من رواه أغار، فقد أخطأ، وأخبرني أبي عسل بن ذكوان عن الرياشي عن الأصمعي:"وذكره لعمرك غار" قال: ويروى: " وذكره غار لعمري" فإذا كان كذا، فإنه خرم في النصف الثاني وهو صالح، كما قال:
والموت يجشمه من جشم
…
. . . . انتهى.
وقال ابن السير في شرح أبيات "إصلاح المنطق" وقد روي: وذكره لعمري غار في البلاد. فمن روى هذا أراد: أتى الغور، وأنجد: أتى نجدًا، وقد رد قوم قول من قال: أغار بمعنى غار إذا أتى الغور، وزعموا أن معنى أغار: أسرع، قالوا: والدليل على صحة ذلك أن النبي صل الله عليه وسلم كان بمكة في ذلك الوقت وهي من الغور، ولم يرد الشاعر الغور ولا نجدًا، ولكنه أراد أسرع ذكره في البلاد، والإنجاد: الارتفاع يعني ارتفاع الذكر ههنا هذا كلامه، وصوابه:
كان في المدينة في ذلك الوقت كما حققناه في شرح أولها، وقوله: ما تناخي يأتي إن شاء الله في بحث "ما" الزائدة، وقوله: له صدقات ما تغيب الخ. أي: ما تنقطع من أغبهم: إذا جاءهم يومًا، وتركهم يومًا. قال السهيلي في "الروض الأنف": قوله: وليس عطاء اليوم مانعه غدًا، معناه على رفع العطاء ونصب مانع، أي: ليس العطاء الذي يعطيه اليوم مانعًا له غدًا من أن يعطيه، فالهاء عائدة على الممدوح، ولو كانت عائدة على العطاء، لقال: وليس عطاء اليوم مانعه هو، بإبراز الضمير الفاعل، لأن الصفة إذا جرت على غير من هي له، برز الضمير المستتر بخلاف الفعل، ولو نصب العطاء لجاز على إضمار الفعل المتروك إظهاره، لأنه من باب اشتغال الفعل عن المفعول بضميره، ويكون اسم ليس على هذا مضمرًا فيه عائدًا على النبي صل الله عليه وسلم. انتهى، وقد اخذ معنى هذا البيت الأحوص، فقال في قصيدة مدح بها يزيد بن عبد الملك:
وليس عطاء كان في اليوم مانِعي
…
إذا عدت من إعطاء أضعافه غدا
وأخذه الفرزدق أيضًا فقال:
وأنت امرؤ لا نائل اليوم مانعٌ
…
من المال شيئًا في غدٍ أنت واهبهْ
وقد تكلم عليه أبو علي في كتاب "إيضاح الشعر" فلا باس بنقله لفوائده، قال: تقديره فيمن رفع "النائل": وأنت امرؤ لا نائل اليوم شيئًا من المال تمنعه في غد، فالهاء في "مانعه" مراده كما تراد فيمن رفع في قول الشاعر:
وما كل مَنْ وافى منى أنا عارفُ