الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم: «صومكم يوم تصومون» فهو في حقّ العامّة.
وتلزم
(1)
الحقوقُ المتعلِّقةُ به من وقوع الطلاق المعلق برمضان، وحلول الدَّيْن المؤجّل عليه، وانقضاء مدّة الإجارة إلى رمضان، فيما بينه وبين الله تعالى. ذكره القاضي وابن عقيل. كمَن علم أن عليه حقًّا لا يعلمه صاحبه. ويتوجّه
…
(2)
ولو وطئ في هذا اليوم لزمَتْه الكفّارة عند أصحابنا؛ لأنا لا نعتبر في وجوبها أن يُعْلَم الشهر بطريق مقطوع به، ولا أن يُجْمَع
(3)
على وجوبه.
مسألة
(4)
: (فإن كان عدلًا صامَ الناسُ بقوله)
.
هذا هو المشهور عن أبي عبد الله، وعليه أكثر أصحابه، وسواء كانت السماء مُصْحِية أو مُتغيّمة، وسواء رآه بين الناس أو قَدِم عليهم من خارج.
وعنه: لا يُقبل إلا عدلان كسائر الشهور. رواها الميموني
(5)
.
لما روى حجاج بن أرطاة، عن حسين بن الحارث الجَدَلي، قال:
(1)
ق: «وتلزمه» .
(2)
بياض في النسختين.
واختار المؤلفُ أن من رأى هلالَ رمضان وحدَه أنه لا يلزمه الصوم، بل يصوم مع الناس ويفطر معهم. ينظر «مجموع الفتاوى»:(25/ 114 - 115)، و «الاختيارات» (ص 158).
(3)
تحتمل أن تكون بالنون «نجمع» ، وما أثبت أنسب للسياق.
(4)
ينظر «المستوعب» : (1/ 403)، و «المغني»:(4/ 416 - 417)، و «الفروع»:(4/ 416 - 418)، و «الإنصاف»:(7/ 338 - 339).
(5)
ينظر «الروايتين والوجهين» : (1/ 257).
خطب عبدُ الرحمن بن زيد بن الخطاب في اليوم الذي يُشَكّ فيه، فقال:«ألا إني جالست أصحابَ رسول الله صلى الله عليه وسلم وساءَلتُهم، وإنهم حدّثوني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، وانْسَكوا لها، فإن غُمّ عليكم فأتمّوا ثلاثين، فإن شَهِد شاهدان مسلمان فصوموا وأفطروا» . رواه أحمد والنسائي
(1)
.
فعلّق الصومَ على شهادة عدلَين.
ولأن عثمان بن عفان كان لا يجيز شهادةَ الواحد في الهلال
(2)
. ذكره أحمد واستشهد به
(3)
. ولأنه هلال من الأهِلَّة، فلم يثبت إلا بشاهدين كسائر الأهلة. ولأنه إيجاب حقّ على الناس، فلم يجب إلا بشاهدين كسائر الحقوق. ولأن رؤية الواحد معرَّضة للغلط، ولاسيَّما إن كان بين الناس والسماءُ مُصْحية، وربما يُتّهم في ذلك، فلا بُدَّ من إزالة الشبهة باثنين.
وجمع أبو بكر بين الروايتين فقال: إذا قدم الواحد من سفر على مصرٍ،
(1)
أخرجه أحمد (18895)، والدارقطني (2195) من طريق الحجاج هذا، وأخرجه النسائي في «المجتبى» (2116) وفي «الكبرى» (2437) بإسقاط حجاج بن أرطاة، وهو وهم كما أشار إليه المزي في «تهذيب الكمال»:(17/ 123). وللحديث شواهد، وقد صححه الألباني في «الإرواء»:(4/ 16).
(2)
أخرجه عبد الرزاق (7347) وابن أبي شيبة (9563) والطبري في «تهذيب الآثار» (1136، 1137 - مسند ابن عباس) عن عمرو بن دينار مُرسلًا: أن عثمان أبى أن يجيز شهادة هاشم بن عتبة الأعور وحده على رؤية هلال شهر رمضان.
(3)
رواه أبو بكر الشافعي في «الغيلانيات» (224) عن عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبي عبد الله السّلمي (مهنّا بن يحيى)، عن الإمام أحمد.
فخبّرهم بالصيام قبلوا وصاموا، وإذا كان شاهدًا
(1)
لهم، وحَوَاسُ الجميع سالمة لم يُقبل منه، إلا أن يكون شيئًا مثله يمكن أن ينفرد به الواحدُ فيُقبل.
ولم يختلف القولُ في [هلال شوّال أنه]
(2)
لا يُقبل فيه إلا اثنين
(3)
، فعلى هذا اعتمده؛ لأن في هذا جمعًا بين الآثار، ولأن انفرادَ الواحد في الصحو بين الجمّ الغفير بعيدٌ جدًّا.
ووجه الأول: قوله تعالى: {
…
إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} [الحجرات: 6]، فإنه يقتضي أن لا يُتَبيّن عند مجيء العدل، وفي ردّ شهادة الواحد تَبَيُّنٌ
(4)
عند مجيء العدل وفي سائر المواضع إنما تُوُقّفَ في شهادة الواحد لأجل التهمة، ولكونه قد عارضها شيء آخر، وهو منتفٍ هنا.
ولِمَا
(5)
روى ابنُ عمر، قال: تراءى الناسُ الهلالَ، فأخبرتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أني رأيته، فصام وأمر الناسَ بصيامه. رواه أبو داود والدارقطني
(6)
، وقال: تفرّد به مروان بن محمد، عن ابن وهب، وهو ثقة
(7)
.
(1)
س: «مشاهدًا» .
(2)
مكان المعكوفين بياض في النسختين، والإكمال مقترح، وينظر «المغني»:(4/ 419).
(3)
كذا، والوجه:«إلا اثنان» .
(4)
غير محررة في النسختين، ولعله ما أثبت.
(5)
ق: «وما» .
(6)
أخرجه أبو داود (2344)، والدارقطني (2146). ورواه أيضًا الدارمي (1744)، وابن حبان (3447)، وابن حزم في «المحلّى» (6/ 236) وقال: وهذا خبر صحيح.
(7)
كذا قال الدارقطني، لكن تابعه هارونُ بن سعيد الأيلي، عن ابن وهب به. أخرجه الحاكم:(1/ 423) وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.
فأخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بصيامه عند رؤيته؛ لأنه ذكر ذلك بحرف الفاء، ولأنه لم يذكر شيئًا غير رؤيته والأصل عدمُه، ولأنه ذكر سببًا وحكمًا فيجب تعليقه به دون غيره.
وعن عكرمة، عن ابن عباس قال: جاء أعرابيٌّ إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني رأيت الهلال ــ يعني: رمضان ــ، فقال:«أتشهدُ أن لا إله إلا الله؟» قال: نعم. قال: «أتشهدُ أنّ محمدًا رسول الله؟» قال: نعم. قال: «يا بلال، أذِّن في الناس فليصوموا غدًا» رواه الأربعة
(1)
.
وعن حماد بن سلمة، عن سِماك، عن عكرمة: أنهم شكُّوا في هلال رمضان مرّة، فأرادوا
(2)
أن لا يقوموا ولا يصوموا، فجاء أعرابي من الحرّة، فشهد أنه رأى الهلال، فأُتيَ به النبيُّ صلى الله عليه وسلم، فقال:«أتشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله؟» قال: نعم. وشَهِد أنه رأى الهلالَ، فأمر بلالًا فنادى في الناس أن يقوموا وأن يصوموا. رواه أبو داود
(3)
، وقال: رواه جماعة عن
(1)
أبو داود (2340)، والترمذي (691)، والنسائي (2113)، وابن ماجه (1652) من طريق سماك بن حرب عن عكرمة به، وقد اختلف على سماك في روايته، قال الترمذي:«أكثر أصحاب سماك رووا: عن سماك، عن عكرمة، عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا» . وصحح إرساله النسائي. وقال أحمد وابن المديني: رواية سماك عن عكرمة مضطربة. والحديث صححه ابن خزيمة (1923)، والحاكم:(1/ 437)، وابن الملقن، وضعّفه الألباني. ينظر «البدر المنير»:(5/ 646)، و «نصب الراية»:(2/ 435)، و «ضعيف أبي داود - الأم»:(2/ 262).
(2)
كذا.
(3)
(2341).
سِماك عن عكرمة مرسلًا، ولم يذكر [القيام]
(1)
أحدٌ إلا حماد بن سلمة.
وهذا نصٌّ مبين أنهم إنما صاموا بمجرّد شهادة مسلم واحد.
وأيضًا ما روى عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: كنت مع البراء بن عازب وعمر بن الخطاب في البقيع ننظر إلى الهلال، فأقبل راكبٌ، فتلقَّاه عمر، فقال: من أين جئت؟ أمِن المغرب؟ وفي رواية: قال: من الشام. فقال: أهللتَ؟ قال: نعم. قال عمر: الله أكبر، إنما يكفي المسلمين رجلٌ واحد. رواه أحمد في «المسند»
(2)
، وسعيد وحرب.
وعن فاطمة بنت حسين، عن عليّ: أنه أجاز شهادة رجل على هلال رمضان وقال: «لأن أصوم يومًا من شعبان أحبّ إليَّ من أن أفطر يومًا من رمضان» رواه سعيد وحرب
(3)
. وذكر أحمدُ عن ابن عمر نحوَه.
(1)
سقطت من النسختين، والإكمال من المصدر.
(2)
(193، 307). ورواه أيضًا عبد الرزاق (7343) وابن أبي شيبة (9558) والدارقطني (2195) والبيهقي: (4/ 258 - 259) كلهم من طريق عبد الأعلى الثعلبي، عن ابن أبي ليلى به. وفي بعض طرقه تصريح بأن هذا كان في هلال شوال، وليس في هلال رمضان كما يوهمه إيراد المصنف له مستدلًّا به.
قال الدارقطني: «كذا رواه عبد الأعلى عن ابن أبي ليلى، وعبد الأعلى ضعيف وابن أبي ليلي لم يُدرك عمر، وخالفه أبو وائل شَقيق بن سلمة فروى عن عمر أنه قال: لا تفطروا حتى يشهد شاهدان، حدث به الأعمش ومنصور عنه» . ثمّ أخرج ذلك من طريقهما. وأسند البيهقي عن العباس الدوري قال: سئل يحيى بن معين عن عبد الرحمن بن أبى ليلى عن عمر، فقال: لم يَرَه. فقلت له: الحديث الذى يُروى كنا مع عمر نتراءى الهلال؟ فقال: ليس بشئ».
(3)
سبق تخريجه. وفيه انقطاع.
ومثل هذا يشتهر ولم يُنكَر، فصار إجماعًا.
وما نُقل عن عثمان
(1)
، فهو مرسل، ولعله أراد هلال الفطر.
وعن
(2)
عبد الملك بن ميسرة، قال: شهدتُ المدينةَ في عيد، فلم يشهد على الهلال إلا رجل واحد، فأمرهم ابنُ عمر أن يجيزوا شهادته. رواه حرب
(3)
، وذكره أحمد
(4)
، وقال: ابنُ عمر أجازَه وحدَه وأمَرَه وأمرَ الناسَ بالصيام.
ولأنه إخبار بعبادة لا يتعلّق بها حقُّ آدميّ، فقُبل فيها قول الواحد، [ق 22] كالإخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكالإخبار عن مواقيت الصلاة، وجهة الكعبة، وعكسُه هلال الفطر والنحر؛ فإنه
(5)
يتعلَّق بها حقّ آدميّ من إباحة الأكل والإحلال من الإحرام.
ولأنه خبرٌ عما يلزم به عبادة يستوي فيها المُخْبِر [وغيرُه]
(6)
، فقُبِل فيها قول الواحد كالأصل.
ولأنه إنما اعْتُبِر العددُ في الشهادات خوف التهمة، وهي منتفية هنا؛ لأنه
(1)
من عدم إجازته شهادة الواحد، وقد سبق.
(2)
س: «وعند» .
(3)
ورواه أيضًا أحمد في «مسائل عبد الله» : (2/ 617)، وابن أبي شيبة (9559)، والطبري في «تهذيب الآثار» (1127 - 1129)، من طرق عن سليمان الشيباني، عن عبد الملك به. وفي بعض طرقه شك هل هو «هلال صوم أو إفطار» وفي بعضه إطلاق.
(4)
في مسائل عبد الله، الموضع السالف.
(5)
س: «لأنه» ، وفي المطبوع:«فإن» .
(6)
زيادة يكتمل بها السياق.