الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فصل
ولو أحاط العدوُّ ببلد، وكان الصوم المفروض يُضْعِفهم، فهل يجوز لهم الفطر؟ على روايتين ذكرهما الخلال في كتاب «السير» .
مسألة
(1)
: (الرابع: العاجزُ
(2)
عن الصوم لكِبَر أو مرض لا يُرجى بُرؤه، فإنه يُطعَم عنه لكلّ يومٍ مسكين)
.
هذا القسم هو الذي يعجز عن الصوم في الحال، ولا يُرجَى قدرته عليه في المآل، مثل الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة اللذَين لا يُطيقان الصوم، والمريض مرضًا لا يُرجى بُرؤه، مثل صاحب العُطاش الذي لا يصبر عن شرب الماء شتاءً ولا صيفًا، أو مَن لا يصبر عن النكاح يخاف إن قطَعَه تشقّقَتْ أنثياه.
قال أحمد في رواية
(3)
إسماعيل بن سعيد فيمن به شهوة غالبة للجماع: يجزئه أن يُطعِم ولا يصوم إذا كان لا يملكُ نفسَه، وذلك أنه لا يُؤمَن عليه عند ذلك أن تنشقّ أنثياه.
قال القاضي: يجب أن تُحمل المسألة على أنه حصل به ذلك كالمرض الدائم الذي لا يمكنه الصيام معه، فيكون حكمُه حكمَ الشيخ إذا عَجَز عن الصيام فيسقط الصيام، وينتقل إلى الإطعام، ولا يكون عليه كفّارة الجماع،
(1)
ينظر «المستوعب» : (1/ 400 - 401)، و «المغني»:(4/ 395 - 397)، و «الفروع»:(4/ 445)، و «الإنصاف»:(7/ 364 - 367).
(2)
المطبوع: «العجز» .
(3)
س: «رواه» .
لأن الصيام غير متعيّن عليه، فهو كالمسافر إذا وطئ.
وكلُّ مَن كان به هذا الشّبَق الذي يخاف مِن الصوم معه أن ينشق أنثياه يفطر، لكن إن أمكنه القضاءُ قضى ولم يكفّر، وإن لم يمكنه القضاء أطعم. والعبرةُ بإمكان القضاء بأن
(1)
يكون ممن يُرجى بُرؤه أو لا يُرجى بُرؤه.
قال ابن عقيل وغيرُه من أصحابنا: هذا الذي به الشَّبَق يَستخرجُ ماءَه بما لا يفسدُ صومَ غيره: إما استمناءً بيده، أو ببدن زوجته أو أمَتِه غيرِ الصائمة التي يَخاف أن يحرِّك ذلك شهوتَها، فإن كان له زوجة أو أمة صغيرة أو كافرة، استمنى بيدها، ويجوز أن يستخرجه بوطئها دون الفرج.
فرخَّصا له في المباشرة دون الفرج مطلقًا.
فأما وطؤها في الفرج مع إمكان إخراج الماء ودفع ضرورة الشَّبَق بما دون الفرج، فقال ابن عقيل وغيرُه: لا يجوز؛ لأن الضرورة إذا دُفِعت
(2)
حَرُم ما وراءها، كما يُمنَع مِن الشّبَع مِن الميتة إذا سدَّ رمقَه، فإن جامع فعليه الكفّارة، فأما إن لم يندفع إلا بوطء غير صائمة، جاز له وطؤها.
وكلام أحمد والقاضي يقتضي أنه يُباح له الجماع مطلقًا، فإنهما إنما ذكرا إباحة الجماع، ولم يتعرّضا لغيره؛ لأن مَن أُبيح له استخراج الماء بالمباشرة دون الفرج أُبِيح له الجماع في الفرج كالمسافر، وذلك لأن الفطر يحصل بهما جميعًا، والكفّارة أيضًا في إحدى الروايتين، ولأنه مَن أُبيح له الفطر لعذر؛ صار في حكم المفطرين، وجاز له ما يجوز لهم مطلقًا؛ كالمريض
(1)
في النسختين: «أن» والظاهر ما أثبت.
(2)
س: «رفعت» .
والمسافر وغيرهما، ولأن من أبيح له الفطر لحاجته إلى الأكل، وهو الشيخ الكبير والمريض، جاز له أن يأكل ما شاء، ولم يختص ذلك بقَدْر الضرورة، فكذلك مَن أبيح له لحاجته إلى الجماع، وقياسه عليه أولى من قياسه على المضطرِّ إلى الميتة إن سُلِّم الحكمُ فيه؛ فإن المانع هناك معنى في الغذاء، وهو موجود في كلّ جزء منه، والمانع هنا الصوم الواجب، وهذا قد زال بإباحة الفطر.
ثم الفطر هنا له بَدَل، وهو القضاء أو الكفّارة بخلاف الأكل هناك، وقياس المذهب يقتضي أنه يُباح له الأكل إذا أُبيح له الجماع، كما أنه يباح [ق 40] الجماع لمن يباح له الأكل، إلا أن يُخرَّج مِن مَنع المسافر من الجماع وجهٌ.
وأما تفطيرُه غيرَه، فهذا لا يجوز إلا عند الضرورة بلا ريب؛ لأنه إفساد صومٍ صحيح لغير حاجة، وذلك لا يجوز.
فإن أراد وطءَ زوجته أو أمَتِه الصائمة، لم يحلّ له ولا لها تمكينه.
قال ابن عقيل: لأن الوطء لا يُستباح بالضرورة، وإنما يُباح إخراج الماء، ولا ضرورة إلى ما وراءه؛ لأن الضرورة تندفع بما دون الفرج والاستمناء باليد، فلا يجوز التعدّي إلى ما يضرّ بالغير.
وقال أبو محمد
(1)
: «إذا لم تندفع الضرورةُ إلا بإفساد صوم الغير أُبيح ذلك؛ لأنه مما تدعو إليه الضرورة، فأبيح الفطر؛ كفطر الحامل والمرضع للخوف على ولديهما.
(1)
في «المغني» : (4/ 405) وينتهي عند قوله «على وجهين» .
فإن كان له امرأتان أحدهما
(1)
صائمة، والأخرى حائض، فهل وطء الصائمة أولى أو يتخيَّر بينهما؟ على وجهين».
قال أصحابنا: لسنا نريد بالشيخ الكبير والعجوز الكبيرة من بلغ حدًّا إن ترك الأكلَ هَلَك، وإنما نريد به من يلحقه مشقّة شديدة في الصيام، وإنما يسقط عن هؤلاء الصيامُ؛ لأن الله لا يكلِّف نفسًا إلا وُسعها، وقد قال:{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم»
(2)
.
ووجبت الكفّارة لِمَا روى عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن معاذ بن جبل قال: «أنزل الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ
…
} إلى هذه الآية: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} [البقرة: 183 - 184]، قال: فكان مَن شاء صام، ومَن شاء أفطر وأطعم مسكينًا، فأجزأ
(3)
ذلك عنه. قال: ثم إن الله عز وجل أنزل الآية الأخرى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185]. قال: فأثبت الله صيامَه على المقيم الصحيح، ورخّص فيه للمريض والمسافر، وثبت الإطعام للكبير الذي لا يستطيع الصيام». مختصر من حديث طويل رواه أبو داود
(4)
.
(1)
كذا في النسختين والوجه: «إحداهما» .
(2)
أخرجه البخاري (7288).
(3)
المطبوع: «أجزأ» .
(4)
(507). وأخرجه أحمد (22124)، و الحاكم:(2/ 301) من طريق المسعودي، عن عَمرو بن مرة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن معاذ به. وقال: صحيح الإسناد، وصححه الألباني في «صحيح أبي داود - الأم»:(2/ 426). وأعلّه ابنُ خزيمة (383) باضطراب أسانيده، وأعله هو والدارقطني والبيهقي بأن عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يسمع من معاذ. وقد رواه الأعمش وشعبة، عن عمرو بن مرة، عن ابن أبي ليلى حدثنا أصحاب محمد .. ، فالظاهر أنه الصواب. وينظر «علل الدارقطني»:(6/ 59)، و «البدر المنير»:(3/ 340).
ورواه البخاري
(1)
عن ابن أبي ليلى قال: حدثنا أصحاب محمد: «نزل رمضانُ، فشقّ عليهم، فكان مَن أطعم كلّ يوم مسكينًا ترك الصومَ ممن يطيقه، ورُخِّص لهم في ذلك، فنسخَتْها: {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ} فأُمِروا بالصوم» .
وعن عطاء: سمع ابنَ عباس يقرأ: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} قال ابن عباس: «ليست بمنسوخة، هي للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فيُطعمان مكانَ كلّ يوم مسكينًا» رواه البخاري
(2)
.
وفي رواية أخرى
(3)
صحيحة رواها وَرْقاء، عن ابن أبي نَجيح، عن عطاء، عنه في قوله:{وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ} قال: «يتكلَّفونه ولا يستطيعونه {طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا} فأطعم مسكينًا آخر {فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ} وليست بمنسوخة» . قال ابن عباس: «ولم يُرَخَّص في هذه الآية إلا للشيخ الكبير الذي لا يُطيق الصيامَ والمريضِ الذي علم أنه لا يُشفى» . وقد
(1)
«الصحيح» : (3/ 34).
(2)
(4505).
(3)
أخرجها آدم بن أبي إياس في «تفسير مجاهد» : (1/ 220) ومن طريقه البيهقي في الكبرى: (4/ 271).
تقدم عنه مثل هذا
(1)
.
وعن أيوب، عن ابن سيرين، عن ابن عباس قال في هذه الآية:{وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} : «نسخَتْها الآيةُ الأخرى
(2)
: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} »
(3)
.
قال أيوب: وسمعتُ عكرمةَ يقول عن ابن عباس: «ليست منسوخة، هي في الشيخ الذي يُكلّف الصيامَ ولا يُطيقُه، فيفطر ويُطعِم»
(4)
. رواهما أحمد في «الناسخ والمنسوخ» .
فالرواية الأولى أراد أن قراءة العامّة منسوخة في الجملة، والرواية الثانية أراد بها أنها ليست منسوخة على الحرف المشدّد.
وعن أنس بن مالك أنه ضَعُف عن الصوم قبل موته بعام أو عامين، فأفطَرَ وأطعَمَ
(5)
. قال
(6)
: «كان يجمعهم ويُطعمهم» رواه سعيد
(7)
.
(1)
(ص 187، 188).
(2)
ق: «الآخرة» .
(3)
أخرجه أحمد في «الناسخ والمنسوخ» ــ ومن طريقه ابن الجوزي في «نواسخ القرآن» (ص 238) ــ، والطبراني في «الكبير» (12875) من طريق عبد الرزاق، عن معمر عن أيوب به. وهو في «مصنف عبد الرزاق» (7572) ولكن وقع في مطبوعته «أبان» بدل «أيوب» ، و «لم ينسخها» بدل «ثم نسختها» ولعله تحريف.
(4)
أخرجه عبد الرزاق (7573) عن معمر عن أيوب به.
(5)
المطبوع: «وأطعمهم» .
(6)
القائل هو حميد الطويل، كما في رواية ابن أبي شيبة.
(7)
ورواه عبد الرزاق (7570)، وابن أبي شيبة (12346)، والدارقطني (2/ 207)، وغيرهم من طرق عن أنس بنحوه.
وذكر الليث بن سعد، عن يحيى بن سعيد في الشيخ إذا كَبُر ولم يُطِق الصيامَ:«افتدى بطعام مسكين كلّ يوم مُدًّا مِن حنطة» قال ذلك أبو بكر بن حزم عن أشياخ الأنصار
(1)
.
وعن سعيد بن المسيّب في قوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} قال: «هو الكبير الذي كان يصوم فيعجز، والمرأة الحبلى التي يعسُر عليها الصيام، فعليها طعام مسكين كلّ يوم حتى ينقضي شهر رمضان» رواه سعيد
(2)
.
وعن إبراهيم قال: كان الرجلُ يَفْتدي بطعام يوم، ثم يظلّ مُفطرًا، حتى نزلت {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} قال: فنُسِخت وكانت الرخصة للشيخ الكبير الذي لا يستطيعُ الصومَ
(3)
.
وعن الزهري: أنه سُئل عن قوله: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ} قال: «إنها منسوخة، وقد بَلَغَنا أن هذه الآية للمريض الذي تَدارك عليه الأشهر، يطعم مكانَ كلّ يوم أفطَرَ مُدًّا مِن حنطة»
(4)
رواهما أحمد
(5)
.
وعن قتادة في هذه الآية: «كانت فيها رُخْصة للشيخ الكبير والعجوز الكبيرة، وهما لا يطيقان الصيام: أن يُطعما مكانَ كلّ يوم مسكينًا ويُفطرا، ثم
(1)
أخرجه أبو عبيد القاسم بن سلام في «الناسخ والمنسوخ» (99).
(2)
سبق تخريجه.
(3)
أخرجه الطبري: (3/ 162) بنحوه.
(4)
أخرجه ابن وهب في «الجامع» (183 - تفسير) عن ابن أبي ذئب، عن الزهري به.
(5)
لعله في كتاب «الناسخ والمنسوخ» .
نَسَخَ تلك الآيةَ التي بعدها، فقال: {شَهْرُ رَمَضَانَ
…
} إلى قوله: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} فنسخَتْها هذه الآية، فكان أهل العلم يرون ويرجون أن الرخصة قد ثبتت للشيخ الكبير والعجوز الكبيرة إذا لم يُطيقا الصيامَ أن يطعما مكان كلّ يوم مسكينًا، وللحبلى إذا خشيت على ما في بطنها، والمرضع إذا خشيت على ولدها». رواه محمد بن كثير، عن همّام عنه
(1)
.
فهذا قول ثلاثة من الصحابة، ولم يُعرَف لهم مخالف.
وأيضًا فإن الصحابة والتابعين أخبروا أن الله رَخَّص في هذه الآية للعاجز عن الصوم أن يُفطر [ق 41] ويُطعِم، وأن حكم الآية باقٍ في حقِّه، وهم أعلم بالتنزيل والتأويل.
وأيضًا فإن ذلك تبيَّن من وجهين:
أحدهما: أن ابن عباس وأصحابه قرؤوا (يُطَوَّقونه) و {يُطِيقُونَهُ} ، وهي قراءة صحيحة عنه، والقراءة إذا صحَّت عن الصحابة كان أدنى أحوالها أن تجري مجرى خبر الواحد في اتباعها والعمل بها؛ لأن قارئها يخبرُ أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قرأها كذلك، فإما أن يكون حرفًا من الحروف السبعة التي نزل القرآنُ بها، ويكون بعد النسخ يقرأ الآية على حرفين (يُطَوَّقونه) و {يُطِيقُونَهُ} ، أو يكون سمعها على جهة التفسير وبيان الحكم، فاعتقد أنها مِن التلاوة. وعلى التقديرَين فيجبُ العمل بها، وإن لم يُقطَع بأنها قرآن، ولهذا موضع يُستوفَى
(1)
في «كتاب الناسخ والمنسوخ عن قتادة» (ص 37). ورواه أيضًا الطبري: (3/ 168) من طريق حجاج بن المنهال، عن همام به.
فيه غير هذا الموضع.
ومعنى (يُطوَّقونَه) أي: يُكْلَّفونه فلا يستطيعونه، فكلّ مَن كُلّف الصوم فلم يُطِقْه، فعليه فدية طعام مسكين، وإن صام مع الجهد والمشقَّة؛ فهو خير له، وهذا معنى كلام ابن عباس في رواية عطاء عنه.
الثاني: أن العامة تقرأ: {يُطِيقُونَهُ} ، فكان في صدر الإسلام لما فَرَض الله الصومَ خُيِّر
(1)
الرجل بين أن يصوم وبين أن يُطعم مكانَ كلّ يوم مسكينًا، فإن صام ولم يطعم كان خيرًا له، ثم نَسَخ الله هذا التخيير في حقّ القادر بقوله:{فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} ، فأوجب الصومَ ومَنع مِن الفِطر والإطعام، وبقي الفطر والإطعام للعاجز عن الصوم؛ لأنه لما أوجبَ على المطيق للصوم أحد هذين الأمرين
(2)
، وهو الصيام أو الإطعام، لقدرته على كلّ منهما، كان القادرُ على أحدهما مأمورًا بما قَدِر عليه، فمن كان إذ ذاك يقدر على الصيام دون الإطعام لَزِمَه، ومَن يقدر على الإطعام دون الصيام لزِمَه، ومَن قدر عليهما خُيِّر بينهما، فإن هذا شأن جميع ما خُيِّر الناسُ بينه، مثل خصال كفّارة اليمين، وخصال فدية الأذى، وغير ذلك. ثم نسخ الله جوازَ الفطر عن القادر عليه، فبقي الفطرُ والفدية المستفاد من معنى الآية للعاجز.
ويُبَيِّن ذلك أن الشيخَ والعجوزَ إذا كانا يُطيقان الصومَ، فإنهما كانا يكونان مخيّرين بين الصيام والإطعام، فإذا عَجَزا
(3)
بعد ذلك عن الصوم تعيّن عليهما
(1)
س: «يخير» .
(2)
مضروب عليها في س.
(3)
المطبوع: «عجز» خطأ.
الإطعام، ثم نُسخ ذلك التخيير، وبقي هذا المعيّن. وهذا معنى
(1)
ما تقدم عن معاذ وابن عباس من رواية سعيد بن جُبير وغيره من التابعين.
ومنهم مَن يوجّهه بوجه آخر، وهو أن قوله:{وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ} عامّ فيمن يُطيقه بجهدٍ ومشقّه، ومَن
(2)
يُطيقه بغير جهدٍ ومشقّة، فنُسخ في حقّ مَن لا مشقّة عليه، وبقي في حقّ مَن لا يُطيقه إلا بجهد ومشقّة.
فإن قيل: فقد رُوي عن جماعة مِن السلف أنها منسوخة، منهم ابن عباس كما تقدم.
وعن سلمة بن الأكوع قال: «لما نزلت هذه الآية {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} كان مَن أراد أن يُفطر ويفتدي حتى نزلت الآية التي بعدها فنسخَتْها» . وفي رواية: «حتى نزلت هذه الآية: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} . رواه صاحبا الصحيح وأصحاب السنن الأربعة
(3)
.
وعن ابن عمر: أنه قرأ: (فِدْيَةٌ طَعامُ مَساكِينَ)، قال:«هي منسوخة» رواه البخاري
(4)
.
وعن عَبِيدة {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} قال:
(1)
من س.
(2)
ق: «وفي» .
(3)
البخاري (4507)، ومسلم (1145)، وأبو داود (2315)، والترمذي (798)، والنسائي (2316). وليس في سنن ابن ماجه، كما في «تحفة الأشراف»:(4/ 43).
ووقع في النسختين «الأربعة» والوجه «الأربع» .
(4)
(1949).
«نسخَتْها التي بعدها والتي تليها»
(1)
.
وعن علقمة: أنه كان يقرؤها {يُطِيقُونَهُ} قال: «كانوا إذا أراد أحدُهم أن يفطر أطعم مسكينًا وأفطر، فكانت تلك كفَّارته حتى نسخَتْها: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}»
(2)
.
(3)
. رواهن أحمد.
قيل: هي منسوخة في حقّ الذي كان قد خُيِّر بين الأمرين، وهو القادر على الصيام؛ كما دلّ عليه نُطق الآية، وكما بيَّنُوه، فأما مَن كان فرضُه الطعام فقط، كما دلّ عليه معنى الآية، فلم يُنسَخ في حقّه شيء، وعلى هذا يُحمل كلام مَن أطلق القولَ بأنها منسوخة، لأنه قد رُوي عن ابن عباس التصريحُ بذلك
(4)
.
(1)
أخرجه أحمد ــ ومن طريقه ابن الجوزي في «نواسخ القرآن» (ص 239) ــ، والطبري:(3/ 166).
(2)
أخرجه عبد الرزاق (7578)، وابن أبي شيبة (9101)، وأحمد ــ ومن طريقه ابن الجوزي في «نواسخ القرآن» (ص 239) ــ، والطبري:(3/ 162) بنحوه.
(3)
أخرجه عبد بن حميد ــ ومن طريقه ابن الجوزي في «النواسخ» (ص 239) ــ، والطحاوي في «أحكام القرآن» (904) بنحوه. قال الحافظ في «العجاب»:(1/ 432) بعد أن ساق إسناد عبد بن حميد: «هذا مرسل صحيح السند» .
(4)
تقدم تخريجه.
فصل
(1)
وإن قوِيَ الشيخُ أو العجوزُ بعد ذلك على القضاء، أو عُوفي المريضُ الميؤوس مِن بُرئه، بأن زال عُطاشه وزال شَبَقُه ونحو ذلك بعد إخراج الفدية، فقال أصحابنا: لا قضاء عليه، كما قالوا في المعضوب إذا حَجّجَ
(2)
عن نفسه ثم قوِيَ؛ لأن الاعتبار بما في اعتقاده، ولأنه لو اعتقد أنه يقدر على القضاء ثم مات قبل القدرة عليه لم يكن عليه شيء، فكذلك إذا اعتقد أنه لا يقدر عليه ثم قدر.
وخرَّج بعضُهم وجهًا بوجوب القضاء إذا قدر عليه لدخوله في عموم قوله: {وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا
…
} [البقرة: 185]. ولأنها بَدَل إياس، وقد تبينّا زوالَ اليأس، فأشْبَه مَن اعتدَّت بالشهور عند اليأس من الحيض ثم حاضت.
وإن عوفي قبل إخراج الفدية، فينبغي هنا أن يجب عليه القضاءُ روايةً واحدة.
مسألة
(3)
: (وعلى سائرِ مَن أفطر القضاءُ لا غير، إلا مَن أفطرَ بجماعٍ في الفَرْج، فإنه يقضي ويُعتق رقبةً، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعامُ ستين مسكينًا، فإنْ لم يجد [ق 42] سقطَتْ عنه).
في هذا الكلام فصول:
(1)
ينظر «المغني» : (4/ 396 - 397)، و «الفروع»:(4/ 445).
(2)
في النسختين والمطبوع: «حج» ولعل الصواب ما أثبتّ.
(3)
ينظر «المستوعب» : (1/ 414 - 416)، و «المغني»:(4/ 349 - 350 و 372 - 385)، و «الفروع»:(5/ 40 - 55)، و «الإنصاف»:(7/ 409 - 439 و 442 - 452).
أحدها: أن المفطرِين قسمان
أحدهما: مَن يُباح له الفطر، وهم الأربعة المذكورون أولًا: المريض والمسافر، والحائض والنفساء، والمرضع والحامل، والعاجز عن الصوم، وقد تقدم حكمُهم، وهؤلاء ليس عليهم كفّارة، سوى الكفّارة الصغرى المذكورة.
الثاني: مَن أفطر بغير هذه الأعذار، وسيأتي أنواع المفطّرات، فهؤلاء يجب عليهم القضاء عن كلّ يومٍ يومًا، كما يجب القضاءُ على مَن فوَّت الصلاة؛ لأنه إذا وجب القضاء على المعذور، فعلى غير المعذور أولى، مع أن الفطر متعمّدًا من الكبائر، وفوات العين باقٍ في ذمّته، عليه أن يتوبَ منه، وهو أعظم من أن تمحوه كفّارةٌ مقدّرة أو تَكرار الصيام أو غير ذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الذي وقع على امرأته في رمضان أن يقضي يومًا مكانه ويستغفر الله. رواه أبو داود وابن ماجه
(1)
.
وهذا معنى ما يُروى عن أبي المطوّس يزيد بن المطوّس، عن أبيه، عن
(1)
أخرجه أبو داود (2393)، ولم أجده في ابن ماجه. وأخرجه ابن خزيمة (1954)، والدارقطني (2305)، والبيهقي:(4/ 226 - 227) من طرق عن هشام بن سعد، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة
…
الحديث.
واتفق الحفاظ على أن هشام بن سعد أخطأ فيه على الزهري، وأن الصواب رواية ثقات أصحاب الزهري عنه عن حُميد بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة. وقد جاء ذكر القضاء في بعض طرق حديث الزهري، وفي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أخرجه ابن خزيمة (1955)، والبيهقي:(4/ 226)، وجاء من مرسل ابن المسيب كما سيأتي، قال الحافظ: يقوّي بعضُها بعضًا. ينظر «الفتح» : (4/ 172)، و «التلخيص»:(2/ 207)، و «شرح مشكل الآثار»:(4/ 173 - 174).
أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَن أفطرَ يومًا مِن رمضان مِن غير رُخصة لم يَجزِه صيامُ الدّهر» . وفي لفظ: «لم يَقضِ عنه صيامُ الدهر» رواه الخمسة
(1)
، وقال الترمذي: لا نعرفه إلا من هذا الوجه.
وقال البخاري في «صحيحه»
(2)
: ويُذكر عن أبي هريرة رفَعَه: «مَن أفطرَ يومًا مِن رمضانَ مِن غير عُذر ولا مرض، لم يَقْضه صيامُ الدهرِ وإن صامَه» . وبه قال ابن مسعود
(3)
.
وقال
(4)
: وقال سعيدُ بن المسيّب والشعبيُّ وابنُ جُبير وإبراهيمُ وقَتادة وحماد: يقضي يومًا مكانه
(5)
.
(1)
أخرجه أحمد (9706، 10080)، وأبو داود (2396)، والترمذي (723)، وابن ماجه (1672)، والنسائي في «الكبرى» (3265 - 3270). وعلّقه البخاري بصيغة التمريض كما سيأتي. قال الترمذي في «العلل الكبير» (ص 116): «سألت محمدًا عن حديث أبي المطوّس
…
فقال: أبو المطوس اسمه يزيد بن المطوس، وتفرد بهذا الحديث ، ولا أعرف له غير هذا، ولا أدري أسمع أبوه من أبي هريرة أم لا». وذكر له الحافظ في «الفتح»:(4/ 191) ثلاث علل، اثنتين ذكرهما البخاري، والثالثة الاضطراب، وينظر «ضعيف أبي داود -الأم» (2/ 273).
(2)
(3/ 32).
(3)
وصله عبد الرزاق (7476)، وابن أبي شيبة (9877)، والطبراني في «الكبير» (9574، 9575)، والبيهقي (4/ 228).
(4)
«وقال» من (س)، والقائل هو البخاري في «صحيحه» (3/ 32) في الموضع السابق.
(5)
وصلها عنهم عبد الرزاق (7465 - 7473)، وعن بعضهم ابن أبي شيبة (9867 - 9874)، على اختلاف عن ابن المسيب في ذلك. وينظر «التغليق»:(3/ 173 - 175).
قال ابن عبد البر
(1)
: و [روي] عن علي وابن مسعود مثله
(2)
.
وقد روى النسائيُّ عن علي بن الحسين، عن أبي هريرة: أن رجلًا أفطر في شهر رمضان، فأتى أبا هريرة، فقال:«لا يُقْبَل منك صوم سنة»
(3)
.
وعن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة قال:«مَن أفطر يومًا من رمضان لم يقضِه يومٌ من أيام الدنيا»
(4)
.
وإنما كان كذلك لأن الله سبحانه أوجبَ عليه صوم ذلك اليوم المعيَّن، وذلك اليوم لا يكون مثلُه إلا في شهر رمضان، لكن صوم ذلك المِثل واجب بنفسه أداءً، فلا يمكن أن يُصام قضاءً عن غيره، فلو صام الدهرَ كلَّه لم يقض عنه حقّ ذلك اليوم المعيّن، لكن وجب عليه صوم يوم؛ لأنه أحد الواجبين
(1)
في «الاستذكار» : (3/ 315)، وبنحوه في «التمهيد»:(7/ 173). وما بين المعكوفين منهما.
(2)
هذه الفقرة رمز لها في هامش س بـ (حـ) وليس عليها تصحيح. وكان مكانها بعد الفقرة التالية، والظاهر أنه هنا بدليل سياق الكلام، إذ هو نقل عن صحيح البخاري.
وأثر ابن مسعود مرّ آنفًا، وأثر علي أخرجه ابن أبي شيبة (9878) بإسناد ضعيف، فيه عمر بن عبد الله بن يعلى الثقفي، متفق على ضعفه.
(3)
أخرجه النسائي في «الكبرى» (3271) من طريق حبيب بن أبي ثابت، عن علي بن الحسين به. وفي الإسناد إلى حبيب: العلاءُ بن هلال، قال عنه ابن حبان:«يقلب الأسانيد و يغيِّر الأسماء» ، وقد غلط على حبيب في رواية هذا الحديث، فإن المحفوظ من رواية الثقات عن حبيب: عنه، عن أبي المطوس، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعًا، وقد سبق الكلام عليه. ينظر «العلل» لابن أبي حاتم (750).
(4)
أخرجه النسائي في «الكبرى» (3272) من طريق شريك عن العلاء به. وشريك فيه لين، تغير حفظه منذ ولي القضاء.