المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌مسألة(1): (ويجب بأحد ثلاثة أشياء: كمال شعبان، ورؤية هلال رمضان، ووجود غيم أو قتر ليلة الثلاثين يحول دونه) - شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - ط عطاءات العلم - جـ ٣

[ابن تيمية]

فهرس الكتاب

- ‌ كتاب الصيام

- ‌جِماعُ معنى الصيام في أصل اللغة:

- ‌مسألة(3): (ويجبُ صيامُ رمضانَ على كلِّ مسلمٍ بالغٍ عاقلٍ قادرٍ على الصومِ، ويؤمَرُ به الصبيُّ إذا أطاقَه)

- ‌الفصل الثاني(1)أنه يجب على كلِّ مسلم عاقل بالغ قادر

- ‌الفصل الثالث(2)أنه لا يجب على الكافر، بمعنى أنه لا يُخاطَب بفعله

- ‌الفصل الرابع(5)أنه لا يجب على المجنون في المشهور من المذهب

- ‌الفصل الخامسأنه لا يجب على الصبيّ حتى يبلغ في إحدى الروايتين

- ‌الفصل السادس* أنه لا يجب الصوم إلا على القادر

- ‌مسألة(1): (ويجبُ بأحدِ ثلاثةِ أشياءَ: كمالِ شعبانَ، ورؤيةِ هلالِ رمضانَ، ووجودِ غَيمٍ أو قَتَرٍ ليلةَ الثلاثينَ يَحُولُ دونَه)

- ‌ لا يُحكم بدخول شهر من الشهور بمجرّد الإغمام إلا شهر رمضان

- ‌ جواب ثالث:

- ‌هل تُصلَّى التراويح ليلتئذٍ؟ على وجهين

- ‌مسألة(3): (وإذا رأى الهلالَ وحدَه، صام)

- ‌الرواية الثانية: لا يصوم إذا انفرد برؤيته ورُدَّت شهادته

- ‌مسألة(4): (فإن كان عدلًا صامَ الناسُ بقوله)

- ‌وتُصلّى التراويحُ ليلتئذٍ

- ‌مسألة(2): (ولا يُفطِر إلا بشهادة عَدْلَين)

- ‌مسألة(1): (وإذا صاموا بشهادة اثنين ثلاثين يومًا، أفطروا. وإن كان بغيمٍ أو قولِ واحدٍ، لم يفطروا إلا أن يروه أو يُكْمِلوا العِدّة)

- ‌إن صاموا ثمانية وعشرين يومًا، وكانوا قد أكملوا(3)عِدّة شعبان لإصحاء السماء وكونهم لم يروه، فإنهم يقضون يومًا

- ‌إذا رأى هلالَ الفطر وحده لم يجز له أن يفطر

- ‌مسألة(4): (وإذا اشتبهت الأشْهُرُ على الأسيرِ تحَرّى وصام، فإن وافقَ الشهرَ أو بعدَه أجزأه، وإن وافقَ قبلَه لم يُجْزِئه)

- ‌فصل(2)ولا يصحّ الصوم إلا بنية كسائر العبادات

- ‌إن تردَّد في قَطْع الصوم، أو نوى أنه يقطعه فيما بعد؛ فهو على الخلاف في الصلاة

- ‌إن نوى نهارًا قبل يوم الصوم بليلة، ففيه روايتان:

- ‌بابُ(1)أحكامِ المفطرين في رمضان

- ‌مسألة(2): (ويُباحُ الفطرُ في رمضان لأربعةِ أقسام: أحدها: المريض الذي يتضرّر به، والمسافرُ الذي له القَصْر(3)، فالفطر لهما أفضل

- ‌في معنى المريض: الصحيحُ الذي يخاف من الصوم مرضًا أو جهدًا شديدًا

- ‌مسألة(4): (والثاني: الحائضُ والنّفَساءُ يُفطران ويقضيان، وإن صامتا لم يُجزئهما)

- ‌مسألة(2): (والثالث: الحاملُ والمرضعُ إذا خافتا على ولديهما، أفطَرَتا وقَضَتا وأطعَمَتا عن كُلّ يوم مسكينًا، وإن صامتا أجزأهما)

- ‌مسألة(1): (الرابع: العاجزُ(2)عن الصوم لكِبَر أو مرض لا يُرجى بُرؤه، فإنه يُطعَم عنه لكلّ يومٍ مسكين)

- ‌الفصل الثانيأنه لا كفّارة بالفطر في رمضان إلا بالجماع وأسبابه

- ‌الفصل الثالثأن الجماع في الفرج يوجب الكفّارة، وهذا كالمُجمَع عليه

- ‌وإن أمذى بالمباشرة، فعليه القضاء دون الكفّارة

- ‌مسألة(1): (فإن جامعَ ولم يُكفِّر حتى جامعَ ثانيةً، فكفّارة واحدة. وإن كفَّر ثم جامعَ فكفّارة ثانية، وكلُّ مَن لزمه الإمساكُ في رَمضان فجامعَ، فعليه كفّارة)

- ‌فصل(1)إذا جامعَ ونزع قبل الفجر، ثم أَمْنى بذلك بعد طلوع الفجر، فصومه صحيح

- ‌فصل(1)ولو احتلم الصائم في النهار في المنام، لم يفطر

- ‌مسألة(2): (ومن أخَّرَ القضاءَ لعذرٍ حتى أدركَه رمضانُ آخرُ، فليس عليه غيرُه، وإن فرَّطَ أطعمَ مع القضاءِ لكلّ يومٍ مِسكينًا)

- ‌ الفصل الثانيأنه ليس له أن يؤخِّره إلى رمضان آخر إلا لعذر

- ‌وإن أخَّره إلى الثاني لغير عذرٍ أثِمَ(4)، وعليه أن يصوم الذي أدركه، ثم يقضي الأول، ويطعم لكلّ يوم مسكينًا

- ‌فصل(2)ومَن عليه قضاء رمضان، لا يجوز أن يصوم تطوُّعًا

- ‌مسألة(2): (وإن تَرَك القضاءَ حتى مات لعذرٍ، فلا شيء عليه، وإن كان لغير عُذرٍ أُطعِم عنه لكلّ يومٍ مسكينًا(3)، إلا أن يكونَ الصومُ منذورًا فإنه يُصامُ عنه، وكذلك كلُّ نَذْر طاعةٍ)

- ‌المسألة الثانية(1): إذا فرّط في القضاء حتى مات قبل أن يدركه(2)الرمضانُ الثاني، فإنه يُطعَم عنه لكلّ يوم مسكين

- ‌المسألة الثالثة(1): أن الصومَ المنذورَ إذا مات قبل فعله، فإنه يُصام عنه، بخلاف صوم رمضان وصوم الكفّارة

- ‌فصل(3)ويُصام النذرُ عنه، سواء ترَكَه لعذر أو لغير عذر

- ‌وأما الصلاة المنذورة والقرآن والذكر والدعاء، فهل يُفعل بعد الموت؟ على روايتين

- ‌ بابما يفسد الصوم

- ‌مسألة(2): (ومَن أكَل أو شَرِب، أو استَعَط، أو أوْصَل(3)إلى جوفه شيئًا من أيّ موضعٍ كان، أو استقاء، أو استَمْنى، أو قبَّل أو لَمَس فأمْنَى أو أمذى، أو كرّرَ النظرَ حتى أنزل، أو حَجَم أو احتجم، عامدًا ذاكرًا لصومه فسَدَ، وإن فعله ناسيًا أو مُكرهًا لم يفسُد)

- ‌الفصل الثاني(2)أن الواصل إلى الجوف يُفَطِّر من أي موضع دخل

- ‌ومن ذلك أن يداوي المأمومةَ أو الجائفةَ بدواء يصل إلى الجوف لرطوبته

- ‌وأما ادّعاء النّسْخ، فلا يصح لوجوه:

- ‌فصل(3)ويفطِر بالحجامة في جميع البدن

- ‌الفصل السادس(1)أن من فعل هذه الأشياء ناسيًا لصومه لم يفطر

- ‌الفصل السابع(5)أن مَن فَعَلها مُكرَهًا لم يفسُد صومُه أيضًا

- ‌مسألة(1): (وإن طار إلى(2)حلقِه ذبابٌ أو غبار، أو مضمض أو استنشق فوصل إلى حلقه ماء، أو فكَّر فأنزل، أو قطَرَ في إحليله، أو احتلم، أو ذَرَعه القيء، لم يفسُد صومُه)

- ‌الفصل الثاني(2)إذا تمضمض أو استنشق ولم يزد على الثلاث ولم يبالغ، فسبقَه الماءُ فدخل في(3)جوفه، فإنه لا يُفطِر

- ‌فصل(3)وما يجتمع في فمه من الريق ونحوه إذا ابتلعه، لم يُفْطِر ولم يُكره له ذلك

- ‌وإن ابتلع نُخامة من صدره أو رأسه، فإنه يُكره. وهل يفطر؟ على روايتين:

- ‌أما القَلَس إذا خرج ثم عاد بغير اختياره، لم يفطِر(1)، وإذا ابتلعه عمدًا فإنه يفطر

- ‌فصل(1)وما يوضع في الفم من طعام أو غيره لا يفطّر

- ‌هل يكره السواك الرَّطْب؟ على روايتين

- ‌الفصل الثالث(5)إذا فكّر فأنزل، أو قطَرَ في إحليله، أو احتلم، أو ذَرَعه القيء، فإنه لا يفسد صومه

- ‌وتَكرار(7)النظر مكروه لمن تُحرّك شهوتَه بخلاف من لا تُحرّك شهوته

- ‌مسألة(1): (ومَن أكل يظنّه ليلًا فبانَ نهارًا، أفطر)

- ‌مسألة(1): (وإنْ أكَلَ شاكًّا في طلوع الفجر لم يفسُد صومُه، وإن أكَل شاكًّا(2)في غروب الشمس فسَدَ صومُه)

- ‌فصل(3)والسنةُ تعجيل الفطور

- ‌ويستحبّ أن يُفطر قبل الصلاة؛ لأن التعجيل إنما يحصل بذلك

- ‌فصل(4)والسّحور سُنَّة، وكانوا في أوّل الإسلام لا يحلّ لهم ذلك

- ‌ويجوز له أن يأكل ما لم يتبين طلوعُ الفجر، وإن كان شاكًّا فيه من غير كراهة

- ‌فصل(2)ويُكرَه الوصال الذي يسميه بعضُ الناس(3): الطيّ

- ‌فإن واصلَ إلى السّحَر، جاز(2)مِن غير كراهة

- ‌بابصيام التطوُّع

- ‌مسألة(1): (أفضلُ الصيامِ صيامُ داودَ عليه السلام، كان يصومُ يومًا ويُفطرُ يومًا)

- ‌مسألة(1): (وأفضلُ الصيامِ بعدَ شهرِ رمضانَ: شهرُ الله الذي تدعونه(2)المحرَّم)

- ‌فصل(4)ويُكره إفراد رجب بالصوم

- ‌مسألة(1): (وما مِن أيامٍ العملُ الصالحُ فيهنّ أحبُّ إلى الله عز وجل مِن عَشر ذي الحجة)

- ‌مسألة(5): (ومَن صامَ رمضانَ وأتْبَعه بستٍّ من شوّال، فكأنما صامَ الدّهْر)

- ‌مسألة(4): (وصومُ(5)عاشوراء كفَّارة سنة، وعَرَفة كفَّارة سنتين)

- ‌مسألة(2): (ولا يستحبُّ صومُه لمَنْ بعَرَفةَ)

- ‌فإن صام عاشوراء مفردًا، فهل يكره

- ‌مسألة(3): (ويُستحبُّ صيامُ أيامِ البيض)

- ‌مسألة(5): (والاثنين والخميس)

- ‌مسألة(2): (والصائمُ المتطوِّعُ أميرُ نفسِه، إن شاءَ صامَ وإن شاءَ أفطرَ، ولا قضاءَ عليه)

- ‌ الأحاديث التي فيها الأمر بالقضاء إن كانت صحيحة، فإنما هو أمر استحباب

- ‌فصلفي المواضع التي يُكْرَه فيها الفطر أو يستحبُّ أو يباح

- ‌مسألة(3): (وكذلك سائر التطوُّع، إلا الحجّ والعمرة؛ فإنه يجب إتمامُهما وقضاءُ ما أفْسَدَ منهما

- ‌الفرق بين الحجِّ والعمرة وغيرهما(3)من وجوه:

- ‌مسألة(2): (ونَهَى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عن صوم يومين: يومِ الفطر ويومِ الأضحى)

- ‌مسألة(2): (ونهى عن صوم أيام التشريق، إلا أنه أرْخَصَ في صومها للمتمتّع إذا لم يجد الهَدْي)

- ‌فصل(2)قال أصحابنا: ويُكره إفراد يوم النيروز ويوم(3)المهرجان

- ‌مسألة(1): (وليلةُ القَدْرِ في الوِتْر من(2)العشر الأواخر من رمضان)

- ‌لا نجزم لليلةٍ بعينها أنها ليلة القدر على الإطلاق، بل هي مبهمة في العشر

- ‌بابالاعتكاف

- ‌مسألة(1): (وهو لزوم المسجد(2)لطاعةِ الله فيه)

- ‌مسألة(5): (وهو سُنَّة، لا يجب إلّا بالنّذْرِ)

- ‌الفصل الثانيأنه ليس بواجب في الشرع(6)، بل يجب بالنذر

- ‌مسألة(2): (ويصحُّ من المرأة في كلّ مسجد، ولا يصح من الرجل إلا في مسجد تُقام فيه الجماعة. واعتكافُه في مسجدٍ تُقام فيه الجمعة أفضل)

- ‌أما الرَّحْبة: ففيها روايتان

- ‌الفصل الثالث(5)أنه لا يصح اعتكاف الرجل إلا في مسجد تُقام فيه الصلوات الخمس جماعة

- ‌الفصل الرابع(3)أن المرأة لا يصحّ اعتكافها إلا في المسجد المتخذ للصلوات الخمس

- ‌إن اعتكف بدون الصوم، فهل يصح؟ على روايتين:

- ‌وإذا نذَرَ أن يعتكف صائمًا أو وهو صائم، لزمه ذلك

- ‌المسألة الأولى: أنه(2)إذا نذَرَ الصلاةَ أو(3)الاعتكافَ في مسجد بعينه غير المساجد الثلاثة، فله فِعْل ذلك فيه وفي غيره من المساجد

- ‌ إذا صلى واعتكف في غير المسجد الذي عَيَّنه، فهل يلزمه كفارة يمين؟ على وجهين

- ‌المسألة الثانية: أنه إذا نذَرَ الصلاةَ أو(4)الاعتكاف في المسجد الحرام، لم يجزئه إلا فيه، وإن نَذَره في مسجد النبيّ صلى الله عليه وسلم لم يجزئه إلا فيه أو في المسجد الحرام، وإن نذره في المسجد الأقصى لم يجزئه إلا في أحد الثلاثة

- ‌وإن نذَرَ اعتكافَ شهرٍ بعينه، دخل معتكفَه قبل غروب الشمس من أول ليلة من الشهر، فإذا طلع هلالُ الشهر الثاني، خرج من معتكفه

- ‌مسألة(2): (ويُسْتَحَبُّ للمعتكف الاشتغالُ بالقُرَب، واجتناب ما لا يَعْنيه مِن قولٍ أو(3)فِعل)

- ‌أما الصمت عن كلِّ كلام، فليس بمشروع في دين الإسلام

- ‌لا يجوز أن يجعل القرآن بدلًا عن(7)الكلام

- ‌مسألة(1): (ولا يخرجُ من المسجد إلا لِما لابدّ له منه، إلا أن يشترط)

- ‌مسألة(1): (ولا يباشِرُ امرأةً)

- ‌يبطل الاعتكافُ بالوطء، سواءٌ كان(2)عامدًا أو ناسيًا، عالمًا أو جاهلًا

- ‌أما النذر؛ فأربعة أقسام:

- ‌مسألة(1): (وإن سألَ(2)عَن المريضِ أو غيرِه في طريقهِ، ولم يُعَرِّج عليه جاز

- ‌فصلفي تفصيل الأسباب المبيحة للخروج وأحكامها

- ‌أحدها: الخروج لحاجة الإنسان من البول والغائط، وهو في خروجه في حُكم المعتكف

- ‌إذا خرج لحاجة الإنسان، فدخل في طريقه إلى مسجد آخر لِيُتمَّ فيه بقية اعتكافه، جاز

- ‌أما المُسْتحاضة، فإنها تقيم في المسجد

الفصل: ‌مسألة(1): (ويجب بأحد ثلاثة أشياء: كمال شعبان، ورؤية هلال رمضان، ووجود غيم أو قتر ليلة الثلاثين يحول دونه)

‌مسألة

(1)

: (ويجبُ بأحدِ ثلاثةِ أشياءَ: كمالِ شعبانَ، ورؤيةِ هلالِ رمضانَ، ووجودِ غَيمٍ أو قَتَرٍ ليلةَ الثلاثينَ يَحُولُ دونَه)

.

وجملةُ ذلك: أن الموجِب لصوم رمضان أحدُ ثلاثة أشياء:

أحدها: إكمال عِدّة شعبان، فمتى أكملوا عدة شعبان ثلاثين يومًا لزمهم الصومُ، سواء رأوا الهلال أو لم يروه، وسواء حال دون منظره سحاب أو قَتَر أو لم يَحُل؛ لتواتر الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، ولأن الشهر لا يكون أكثر من ثلاثين يومًا، فمتى كَمُل شعبان فقد تيقّنَّا دخولَ شهر رمضان.

ثم إكمال شعبان مبنيٌّ على ابتدائه، فإن كان أوَّلُه قد عُلِم

(2)

بالرؤية العامة؛ فآخره قد تُيُقّن انصرامُه بكمال العدة، وإن كان بشهادة عدلين

(3)

الثاني: رؤية الهلال، فإذا رُئي رؤيةً عامة فقد وجب الصوم، سواء رأوه بعد إكمال عدة شعبان أو لتسعٍ وعشرين خلت منه. وهذا أيضًا من العلم العام. وقد قال الله سبحانه:{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} [البقرة: 189]، وتواترت الأحاديثُ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم بوجوب الصوم لرؤيته.

الثالث: أن يحول بيننا وبين مطلعه غَيْمٌ أو قَتَرٌ ليلة الثلاثين من شعبان،

(1)

ينظر «المستوعب» : (1/ 403 - 406)، و «المغني»:(4/ 325 - 333)، و «الفروع»:(4/ 406 - 412)، و «الإنصاف»:(7/ 326 - 330).

(2)

ق: «رئي» .

(3)

بياض في النسختين.

ص: 50

وذلك أنه إذا لم يُرَ ولم تكمل العدة؛ فإما أن يكون هناك مانعٌ

(1)

يمنع من رؤيته لمن أرادها وقَصَدَها، أو لا يكون هناك مانع؛ فإن لم يكن هناك مانع، لم يجز صومه من رمضان، ومنه يوم الشكُّ المنهيّ عن صومه، كما سيأتي إن شاء الله.

وإن كان هناك حائلٌ يمنع من رؤيته، وهو أن يكون دون مطلعه ومنظره سحابٌ أو قَتَرٌ، يجوز أن يكون الهلال تحته قد حال دون رؤيته، فالمشهور عن أبي عبد الله رحمه الله أنه يُصام من رمضان، ويجزئ إذا تبيَّن أنه من رمضان، ولا يجب قضاؤه. نقله عنه الجماعة، منهم ابناه والمرُّوذي والأثرم وأبو داود ومهنّا والفضل بن زياد

(2)

.

وهل يقال: يجوز على هذا أن يُسمّى يوم شكٍّ؟ فيه

(3)

روايتان:

إحداهما: يُسمّى يوم شكّ، نقلها المرُّوذي، فعلى هذا يرجَّح جانب التعبُّد.

والثانية: لا يُسمّى يوم شكّ، بل هو يوم من رمضان من طريق الحُكم، وهو ظاهر ما نقله مهنّا، وهو قول الخلَّال والأكثرين من أصحابنا.

(1)

بعده في س: «فإن لم يكن هناك مانع» وهو تكرار للجملة الآتية.

(2)

ينظر «مسائل عبد الله» : (2/ 620 - 621)، ورواية صالح (ص 33 - 34 و 338)، و «مسائل أبي داود» (ص 127 - 129). وينظر «درء اللوم» (ص 52) لابن الجوزي.

(3)

في المطبوع: «شك فيه؟ فيه» .

ص: 51

فعلى هذا لا يتوجّه النهيُ عن صوم يوم الشكِّ إليه إذا

(1)

قلنا: هو من رمضان، وعليه جماهير أصحابنا.

وروى عنه حنبل: إذا حال دون منظر الهلال حائلٌ أصبح الناسُ متلوِّمين ما يكون بعد، وإذا لم يَحُل دون منظره شيء أصبح الناسُ مفطرين، فإن جاءهم خبر، كان عليهم يومٌ مكانه، ولا كفارة.

فعلى هذا لا يُصام من رمضان، وهذا اختيار طائفة من أصحابنا، منهم ابن عَقيل والحُلْواني وأبو القاسم بن مَنْده

(2)

؛ فعلى هذه الرواية يستحبُّ له أن يصبح ممسكًا مُتَلَوِّمًا، وإن لم يَحُل دونه شيء أصبح مفطرًا.

وروى عنه حنبل

(3)

في موضع آخر وقد سئل عن صوم يوم الشكِّ، فقال: صم مع جماعة الناس والإمام، فإنَّ السلطانَ أحوطُ في هذا وأنْظَرُ للمسلمين وأشدُّ تفقّدًا، والجماعة يدُ الله على الجماعة، ولا يعجبني أن يتقدّم رجلٌ الشهرَ بصيام، إلا مَن كان يصوم شعبان، فلْيَصِلْه برمضان.

قال: وسمعت أبا عبد الله يقول: لا أرى صيام يوم الشكّ إلا مع الإمام ومع الناس. قال أبو عبد الله: وأذْهَبُ إلى حديث ابن عمر؛ لأن الصلاة والصيام والجهاد إلى الإمام. يعني ما رواه حنبل

(4)

عن ابن عمر أنه قال:

(1)

في النسختين: «وإذا» والصواب بحذف الواو.

(2)

ينظر «الفروع» : (4/ 410).

(3)

عزاها له ابنُ الجوزي في «درء اللوم» (ص 58)، والزركشي في «شرحه»:(2/ 560) غير معزوّة إليه، وينظر «المغني»:(4/ 416)، و «الواضح في شرح الخرقي»:(1/ 607) للضرير.

(4)

ومن طريقه الخطيب في «جزء النهي عن صوم يوم الشك» ــ كما في «درء اللوم والضيم في صوم يوم الغيم» لابن الجوزي (ص 64) ــ عن عبد العزيز بن حكيم قال: «سألوا ابن عمر فقالوا: نسبِق قبل رمضان حتى لا يفوتنا منه شيء؟ فقال: أفّ أفّ! صوموا مع الجماعة» .

قال النووي في «المجموع» : (6/ 422): «إسناده صحيح إلا عبد العزيز بن حكيم فقال يحيى بن معين: هو ثقة، وقال أبو حاتم: ليس بقوي يكتب حديثه» .

ص: 52

«صوموا مع الجماعة وأفطروا مع الجماعة» .

ووجه عدم الصوم: ما رُوي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غُمّ (أو: غبي، أو: غمي)

(1)

عليكم، فأكملوا عدَّةَ شعبانَ ثلاثين» رواه البخاري

(2)

عن آدم، عن شعبة، عن محمد بن [ق 11] زياد عنه.

ورواه مسلمٌ

(3)

من حديث معاذ بن معاذ، عن شعبةَ. والنسائيُّ

(4)

من حديث ابن عُلَيَّة وورقاء، عن شعبة وقالا:«فإن غُمِّي (غُمَّ) عليكم الشهرُ، فعدّوا ثلاثين» . ورواه مسلم

(5)

من حديث الربيع بن مسلم، عن محمد بن زياد، وقال:«فأكملوا العَدَد، فعدّوا ثلاثين يومًا»

(6)

.

(1)

في (س): «أو عمى» بالمهملة، وكتب فوق الكلمات الثلاث رموزًا صغيرة لم تتبين.

(2)

(1909).

(3)

(1081/ 19). ولفظه «غُمّي» .

(4)

رقم (2117 و 2118). ولفظه «غُمّ» .

(5)

(1081/ 18).

(6)

هكذا ورد هذا اللفظ في النسختين، والذي في «صحيح مسلم» في رواية الربيع بن مسلم عن محمد بن زياد:«فأكملوا العدد» ، والذي في رواية شعبة عن ابن زياد:«فعدوا ثلاثين» ، وهو كذلك في «الجمع بين الصحيحين»:(3/ 193) للحميدي ــ عمدة المؤلف ــ فلعلّ التلفيق من الناسخ.

ص: 53

ورواه أحمد

(1)

من حديث شعبة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صوموا لرؤيته، فإن غَبِيَ عليكم فعدُوا ثلاثين يومًا» .

وعن الزهري، عن سعيد بن المسيّب، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غُمَّ عليكم فصوموا ثلاثين يومًا» رواه أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه

(2)

.

ورواه أحمد

(3)

بهذا اللفظ عن أبي سلمة، عن أبي هريرة. بإسناد صحيح.

وعن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«صوموا لرؤيته، وأفْطِروا لرؤيته، فإن غُمّ عليكم فعدُّوا ثلاثين يومًا ثم أفطروا» رواه أحمد والترمذي

(4)

وقال: حديث حسن صحيح.

ورواه الدارقطني

(5)

من حديث إسماعيل بن جعفر، عن محمد بن عَمرو، عن أبي سلمة. قال: ورواه أبو بكر بن عيَّاش وأسامة بن زيد، عن محمد بن عَمرو بهذا. قال: وهي أسانيد صحاح.

وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن حال بينكم وبينَه سحابٌ فكمّلوا العدّة ثلاثين، ولا تستقبلوا

(1)

(9853).

(2)

أحمد (7581)، ومسلم (1081/ 17)، والنسائي (2119)، وابن ماجه (1655).

(3)

(7516).

(4)

أحمد (9654)، والترمذي (684).

(5)

(3/ 105). وأخرجه البيهقي: (2/ 84) وغيره من حديث محمد بن عمرو بن علقمة عن أبي سلمة به. وأخرجه أحمد (7516) من طريق الزهري، والبخاري (1914)، ومسلم (1082) من طريق يحيى بن أبي كثير كلاهما عن أبي سلمة عن أبي هريرة وليس فيه قوله:«ثم أفطروا» . ورواه جماعة من أصحاب أبي هريرة ولم يذكروا هذه الزيادة منهم ابن المسيب والأعرج ومحمد بن زياد. فهي إذًا من أوهام محمد بن عَمْرو بن علقمة. والله أعلم.

ص: 54

الشهرَ استقبالًا» رواه أحمد والنسائي

(1)

.

وفي روايةٍ للنسائي

(2)

: «فأكملوا العِدّة عِدّةَ شعبان» .

ورواه أبو داود الطيالسي

(3)

قال: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن حال بينكم وبينه غَمامةٌ أو ضَبَابةٌ، فأكملوا شهر شعبان ثلاثين، ولا تستقبلوا رمضان بيوم من شعبان» .

وعن محمد بن حُنَين

(4)

، عن ابن عباس قال: عجبتُ

(5)

ممن يصوم

(1)

أخرجه أحمد (1985)، والنسائي (2129). وأخرجه الترمذي (688)، وابن خزيمة (1912)، وابن حبان (3590)، والحاكم:(1/ 424). قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وصححه أيضًا ابن عبد البر في التمهيد: (2/ 35)، وابن عبد الهادي في «التنقيح»:(3/ 204)، والحافظ في «التلخيص»:(2/ 210).

(2)

(2189).

(3)

(2373). ومن طريقه البيهقي في «الكبرى» : (4/ 208)، والضياء في «المختارة»:(12/ 10).

(4)

في النسختين: «بن حنيل» تحريف. وقد وقع في هذا الاسم خلاف قديم، فذكر المزي في «تهذيب الكمال»:(6/ 290) أن «محمد بن حنين» وقع في بعض النسخ من النسائي، وفي الأصول القديمة:«محمد بن جُبير» ، وهو ابن مطعم، وهو الصواب، وكذلك هو في «المسند» (3474) وغيره.

واستدرك عليه ابن حجر في «تهذيبه» : (9/ 136) فقال: «وقد ذكر الدارقطني في «المؤتلف والمختلف» (1/ 371) أن «محمد بن حنين» أيضًا روى عن ابن عباس، قال: وهو أخو عُبيد بن حُنين. وكذا هو مجوّد في «السنن الكبرى» (2446) رواية ابن الأحمر عن النسائي».

أقول: ووقع في «السنن الصغرى» (2125) و «المسند» (1931) أيضًا «ابن حنين» .

(5)

في النسختين: «ألا تَعْجَبون» والمثبت من سنن النسائي. وما بين المعكوفين منه.

ص: 55

قبل الشهر [وقد] قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا رأيتم الهلالَ فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غُمَّ عليكم فأكملوا العدَّة ثلاثين» رواه النسائي

(1)

.

وفي رواية للنسائي والترمذي

(2)

: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن حالت دونه غيايةٌ فأكملوا العِدّة ثلاثين يومًا» قال الترمذي: حديث حسن صحيح.

ورواه أبو داود

(3)

ولفظه: «لا تَقَدَّموا الشهرَ بصيام يوم ولا يومين، إلا أن يكون شيئًا يصومه أحدُكم، ولا تصوموا حتى تروه، ثم صوموا حتى تروه، فإن حال دونه غمامةٌ فأكملوا العِدَّة ثلاثين يومًا ثم أفطروا» . هكذا رواه أبو داود من حديث زائدة

(4)

، عن سماك، وقال: رواه حاتم بن أبي صَغيرة وشعبة والحسن بن صالح، عن سِماك بمعناه، ولم يقولوا:«ثم أفطروا» .

وقد روى مسلم في «صحيحه»

(5)

عن ابن

(6)

عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم

(1)

في «الكبرى» (2446)، و «الصغرى» (2125). وما بين المعكوفين منها.

(2)

النسائي (2130)، والترمذي (688). وأخرجه أحمد (2335)، وابن حبان (3594).

(3)

(2327). ومن طريقه البيهقي في «الكبرى» : (4/ 207).

(4)

واختُلف على زائدة؛ فرواية أبي داود هذه من طريق حسين الجعفي عنه بذكر الزيادة، ورواه معاوية بن عَمرو الأزدي عنه بدونها أخرجه أحمد (2335). وحسين ومعاوية ثقتان، فربما كان الاختلاف من زائدة بحيث رواه على الوجهين، أو يكون حسين وهم فيه على زائدة، لأن أصحاب سماك الثقات لم يذكروا هذه الزيادة كما نقله المؤلف عن أبي داود.

(5)

(1088).

(6)

«ابن» سقطت من س.

ص: 56

قال: «إن الله قد أمدَّه لرؤيته، فإن أُغْمِي عليكم فأكملوا العدة» .

وعن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحفَّظ من هلال شعبان ما لا يتحفَّظ من غيره، ثم يصوم لرؤية رمضان، فإن غُمّ عليه عدّ ثلاثين يومًا ثم صام. رواه أحمد وأبو داود

(1)

. قال الدارقطني: هذا إسناد حسن صحيح.

وعن رِبْعيّ، عن حذيفة بن اليمان، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تقدَّموا الشهرَ حتى تروا الهلالَ أو تكملوا العدّةَ، ثم صوموا حتى تروا الهلال أو تُكمِلوا العِدّة» رواه أبو داود والنسائي

(2)

.

(1)

أخرجه أحمد (25161)، وأبو داود (2325). وأخرجه ابن خزيمة (1910)، وابن حبان (3444)، والحاكم:(1/ 585)، والدارقطني (2149) وغيرهم. وتصحيح الدارقطني في السنن، وصححه ابن عبد الهادي في «التنقيح»:(3/ 204)، والحافظ في «التلخيص»:(2/ 210).

(2)

أخرجه أبو داود (2326)، والنسائي في «المجتبى» (2126)، وفي «الكبرى» (2447). وأخرجه ابن خزيمة (1911)، وابن حبان (3458)، وغيرهم من طريق جرير بن عبد الحميد، عن منصور، عن ربعيّ به. قال النسائي كما في «تحفة الأشراف»:(3/ 28) و «تنقيح التحقيق» : (3/ 205): «لا أعلم أحدًا من أصحاب منصور قال في هذا الحديث: (عن حذيفة) غير جرير؛ وحجَّاجٌ ضعيفٌ لا تقوم به حجَّة» .

وقال ابن عبد الهادي في «تنقيحه» ردًّا على ابن الجوزي: «وقول المؤلف (أي ابن الجوزي): (إن أحمد ضعف حديث حذيفة) وهم منه، فإن أحمد إنما أراد أن الصحيح قول من قال: «عن رجل من أصحاب النبي- صلى الله عليه وسلم» ، وأن تسمية حذيفة وهم من جرير؛ فظن المؤلف أن هذا تضعيف من أحمد للحديث وأنه مرسل، وليس هو بمرسل، بل متصل: إما عن حذيفة، وإما عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؛ وجهالة الصحابي غير قادحة في صحة الحديث».

ص: 57

ورواه النسائي

(1)

عن رِبْعيّ عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ورواه أيضًا مرسلًا.

وعن رِبْعيّ بن حراش: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غُمّ عليكم فعدّوا شعبان ثلاثين ثم صوموا، فإن غُمّ عليكم فعدوا رمضان ثلاثين ثم أفطروا، إلا أن تروا قبل ذلك» رواه الدارقطني

(2)

.

وعن عمَّار بن ياسر قال: مَن صام اليوم الذي يُشَكّ فيه فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم. رواه الأربعة

(3)

، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.

وذكره البخاريُّ

(4)

تعليقًا، فقال: وقال صِلَةُ، عن حذيفة: مَن صام يوم الشكّ فقد عصى أبا القاسم.

وعن مالك، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الشهرُ تسعٌ وعشرون ليلة، فلا تصوموا حتى تروه، فإن غُمّ عليكم فأكملوا العِدَّة ثلاثين» . هكذا رواه البخاري

(5)

بهذا الإسناد واللفظ.

(1)

في «المجتبى» (2127) وفي «الكبرى» (2448) وهو المحفوظ، والمرسل في «المجتبى» (2128) وفي «الكبرى» (2449)، وهو ضعيف لضعف الحجاج بن أرطاة.

(2)

(2165) مرسلًا.

(3)

أخرجه أبو داود (2334)، والترمذي (686)، والنسائي (2188)، وابن ماجه (1645). وأخرجه ابن خزيمة (1914)، وابن حبان (3585)، وقال الدارقطني في «السنن»:(2150): «هذا إسناد حسن صحيح رواته كلهم ثقات» .

(4)

«الصحيح» : (3/ 27).

(5)

(1907).

ص: 58

والذي في «الموطأ»

(1)

بهذا الإسناد: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الشهر تسعٌ وعشرون، فلا تصوموا حتى تروا الهلالَ، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غُمّ عليكم فأكملوا العِدَّةَ ثلاثين»

(2)

.

ثم روى مالك

(3)

عن ثور بن زيد، عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تصوموا حتى تروا الهلالَ، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غُمّ عليكم فأكملوا العِدّة ثلاثين» .

فلعل

(4)

وعن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر رمضان، فضرب بيده، فقال:«الشهر هكذا وهكذا وهكذا ــ ثم عقد إبهامه في الثالثة ــ، صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غُمّ عليكم فاقدروا ثلاثين» رواه مسلم

(5)

.

فوجه الدلالة من هذه الأحاديث من وجوه:

أحدها: أن قوله: «فأكملوا العِدّة» يقتضي إكمال العدّة في هلال الصوم وفي هلال الفطر، فإن الصوم والفطر قد تقدم ذكرهما جميعًا في قوله:

(1)

(782).

(2)

كذا في النسختين، والذي في «الموطأ»:«فإن غم عليكم فاقدروا له» .

(3)

في «الموطأ» (783). قال الجوهري في «مسند الموطأ» (ص 284): «هذا حديث مرسل. وقد رواه رَوح بن عُبادة، عن مالك في غير الموطأ: عن ثور، عن عكرمة، عن ابن عباس. وكان مالكٌ لا يرضى عكرمة مولى ابن عباس» .

(4)

بياض في النسختين، ولعل المؤلف أراد الإشارة إلى ما وقع من الخلاف في رواية البخاري للحديث عن مالك بلفظ:«فأكملوا العدة ثلاثين» وبين ما جاء في «موطأه» بلفظ: «فاقدروا له» . وينظر «فتح الباري» : (4/ 121).

(5)

(1080). ووقع في النسختين: «هكذا وهكذا

في الثانية»! ولفظ مسلم كما أثبته.

ص: 59

«صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غُمّ عليكم (في أحد هذين الموضعين) فأكملوا العِدّة» ؛ لأن اللفظ مطلق فلا يجوز تقييده، ولأنه لو اختلف حكم الهلالين لبيَّنه، ولا يجوز حَمْلُه على أنه إن غُمّ فيهما جميعًا؛ لأن غمّه أعمّ من أن يُغمّ فيهما أو في أحدهما، فيجب حمله على الصور

(1)

جميعًا، وأن لا يُحْمَل على واحد منها

(2)

.

الثاني: أن قوله: «لا تصوموا حتى تروا الهلالَ أو تكملوا العِدّة» صريحٌ في هذا الحكم.

الثالث: أن قولَه في حديث أبي هريرة: «فأكملوا عِدَّة شعبان» ، وكذلك في حديث ابن عباس وفي حديث ابن عمر:«لا تصوموا حتى تروه، فإن غُمّ عليكم فأكملوا العدة ثلاثين» خاصّ في عِدّة شعبان، وفي أنه لا يُصام حتى يُرى الهلال.

الرابع: حديث عائشةَ نصٌّ مفسَّرٌ بقولها: «عدَّ ثلاثين يومًا ثم صام» .

الخامس: أن حديث عمار مفسَّر بالنهي عن صوم يوم الشكّ، وهذا يوم شكّ؛ لأنه يحتمل أن يكون من شعبان ويحتمل أن يكون من رمضان، ولا معنى للشكّ إلا التردّد بين الجهتين.

وأما رواية مَن روى: «فاقدروا له» فمعناها: احسبوا له وعُدّوا له حتى يُعْلَم الوقت الذي يتيقّن فيه طلوعُه، وهو عند إكمال العِدَّة كما جاء مفسَّرًا:«فاقدروا ثلاثين» .

(1)

غيَّره في المطبوع إلى: «الصورتين» .

(2)

في النسختين: «منهما» ، والظاهر الذي يدل عليه السياق ما أثبت.

ص: 60

وكما روى أيوب: أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى أهل البصرة: بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم، زاد: وإنَّ أحسنَ ما يُقدَر له: [أنَّا] إذا رأينا هلالَ شعبان لكذا وكذا، فالصوم إن شاء الله لكذا وكذا، إلا أن تروا الهلالَ قبل ذلك. رواه أبو داود في «سننه»

(1)

.

فقوله: «إلا أن تروا الهلالَ قبل ذلك» دليلٌ على أنهم فهموا من قوله: «فاقدروا له» كمال العدة؛ لأن الهلال لا يُرى قبل ليلة الثلاثين، وإنما يُرى قبل الحادية والثلاثين.

وقد زعم بعضهم أن حديثَ ابنِ عمر منسوخ؛ لأن التقدير هو حساب الوقت الذي يطلع فيه، وهذا إنما يعلمه أهلُ الحساب، ونحن أمة أميَّة لا نكتب ولا نحسب. وقد يكون القَدْر بأن يُنظر إلى طلوعه صبيحة ثمانٍ وعشرين، فإن رُئي تلك الغداة عُلِم أن الشهر تام وأنه لا يطلع ليلة الثلاثين، وإن لم يُرَ فيها عُلم أن الشهر ناقص وأنه يطلع ليلة الثلاثين، لكن يضيق اعتبار هذا على الناس وقد لا ينضبط، فنُسِخ بإكمال العدة.

وأيضًا: فإنها عبادة لم نتيقّن دخولَ وقتها، فلم تُفْعَل في وقت الشكّ، كالصلاة والحجِّ، ولأنه

(2)

شكّ في طلوع الهلال فلا يُشرع معه الصوم، كالشكّ في الصّحْو.

وأما مَن جعل الناسَ تَبَعًا للسلطان فلقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا

(1)

(2321) وما بين المعكوفين منه. ومن طريقه أخرجه البيهقي في «الكبرى» : (4/ 205).

(2)

في النسختين: «ولا أنه» خطأ.

ص: 61

تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} [الحجرات: 1]، ولقوله صلى الله عليه وسلم:«صومُكم يوم تصومون»

(1)

.

وقال ابن عمر: «صُم مع الجماعة، وأفْطِر مع الجماعة» رواه حنبل. وقال أبو سعيد: «إذا رأيتَ هلالَ رمضان فصم، وإذا لم تره فصم مع جماعة الناس، وأفطر مع جماعة الناس» رواه الأثرم

(2)

.

ولأن الإمام أحوط في هذا وأشدّ مراعاةً، فوجب اتباعُه في هذا كما يُتّبَع فيما يأمُرُ به من الجهاد وغيره، وكما لو قال: ثبت عندي صومُ أوّل يوم من رمضان، وكان ثبوته بشاهدٍ واحد، وجب اتباعُه على مَن لا

(3)

يوجب الصومَ بشاهد واحد، ذكره القاضي

(4)

.

ووجه الأول: ما رواه أحمد، حدثنا إسماعيل، أنبأنا أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما الشهر تسعٌ وعشرون، فلا تصوموا حتى تروه، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غُمّ عليكم فاقْدُروا له» .

قال نافع: فكان عبد الله بن عمر إذا مضى من شعبان تسعٌ وعشرون يبعث مَن ينظر، فإن رُئيَ

(5)

فذاك، وإن لم يُرَ ولم يَحُل دون منظره سحابٌ

(1)

أخرجه الدراقطني (2180)، والبيهقي:(4/ 252). من طريق محمد بن عمر الواقدي، وهو متروك.

(2)

أثر ابن عمر سبق تخريجه، وأثر أبي سعيد لم أقف عليه.

(3)

كذا، ولعل الصواب «على من يوجب» .

(4)

لعله في «التعليقة الكبيرة» ، وكتاب الصيام ليس في القطعة المطبوعة منه.

(5)

في المطبوع: «رأى» .

ص: 62

ولا قَتَر أصبحَ مفطرًا، وإن حال دون منظره سحابٌ أو قَتَر أصبحَ صائمًا. رواه الجماعة إلا الترمذي

(1)

، إلّا أن قوله: «قال نافع

» إلى آخره، فإنما رواه أحمد وأبو داود

(2)

.

وفي رواية أبي داود

(3)

: وكان ابن عمر يفطر مع الناس ولا يأخذ بهذا الحساب.

وقال أحمد

(4)

: حدثنا يحيى بن سعيد، عن عُبيد الله، حدثني نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الشهرُ تسعٌ وعشرون، هكذا وهكذا وهكذا

(5)

، فإن غُمّ [عليكم] فاقْدُروا له». قال

(6)

: وكان ابن عمر إذا كان ليلة تسع وعشرين، وكان في السماء سحابٌ أو قَتَر أصبح صائمًا.

قال أصحابنا: فوجه الدلالة من وجوه:

أحدها: أن ابن عمر قد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم قولَه: «فاقْدُروا له» ، وفسَّر ذلك بأن كان يصوم يوم الثلاثين مع إغماء السماء، والصحابيُّ إذا روى عن

(1)

أخرجه أحمد (4488)، والبخاري (1907)، ومسلم (1080)، وأبو داود (2320)، والنسائي (2121)، وابن ماجه (1654).

(2)

الأرقام السالفة.

(3)

(2320).

(4)

في «المسند» (4611). قال الهيثمي في «المجمع» : (2/ 114): «رجاله رجال الصحيح» . وأخرجه مسلم (1080) من دون قول ابن عمر. وما بين المعكوفين مستدرك من المسند.

(5)

في المطبوع: «وعشرين» وسقطت «وهكذا» الثالثة منه.

(6)

سقطت من المطبوع.

ص: 63

النبي صلى الله عليه وسلم لفظًا مجملًا وفسَّره بمعنى، وجبَ الرجوعُ إلى تفسيره؛ لأنه أعلم باللغة، ولأنه يدري

(1)

بقرائن الأحوال من النبيِّ صلى الله عليه وسلم ما يَعْلَم به قصدَه، وقرائنُ الأحوال في الغالب لا يمكن نقلها، ولأنه شَهِد التنزيلَ وحَضَر التأويلَ وشاهَدَ الرسولَ، فيكون أعلم بما لم ينقله ويرويه

(2)

، فكيف بما قد نقله ورواه؟!

ولهذا رُجِع إلى

(3)

ابنِ عمر في تفسيره التفرُّق أنه التفرق بالأبدان لمَّا روى حديثَ: «البيِّعان بالخيار ما لم يتفرّقا»

(4)

لاسيما والراوي هو ابن عمر، وكان في اتباعه للسنة وتحرِّيه لدينه بالمكان الذي لا يخفى، وتفسيرُه مقدَّم على تفسير غيره ممن هو بعده في الفقه واللغة.

الثاني: من جهة اللغة، فإنهم يقولون: قَدَرْتُ الشيءَ أقدُرُه وأقدِره قدْرًا، بمعنى قدَّرته أقدِّره تقديرًا، يقولون: قَدَر اللهُ هذا الأمر وقَدَّره من القضاء، وقَدَرْتَ الشيءَ وقَدَّرته من الحساب، وقَدَر على عياله قَدْرًا مثل قَتَر، وقُدِر على الإنسان رزقُه مثل قُتِر.

(1)

س: «يدرك» .

(2)

س: «بما ينقله ويرويه» . وما في ق هو الموافق للمعنى، والمقصود بما لم ينقله، أي من قرائن الأحوال التي لا يمكن نقلها.

(3)

«إلى» سقطت من س والمطبوع، والمثبت من ق وهو المناسب للسياق، وينظر «التحقيق»:(2/ 72) لابن الجوزي.

(4)

أخرجه البخاري (2109)، ومسلم (1531). وتفسير ابنُ عمر للتفرق بأنه التفرّق بالأبدان رواه البخاري (2116) عنه بلفظ:«بعتُ من أمير المؤمنين عثمان بن عفان مالًا بالوادي بمال له بخيبر، فلما تبايعنا رجعتُ على عقبي حتى خرجت من بيته خشيةَ أن يُرادّني البيع، وكانت السنة: أن المتبايعين بالخيار حتى يتفرقا» .

ص: 64

قال جماعة من أهل اللغة: قَدَر يَقْدِر بمعنى ضَيّق، ومنه قوله:{فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ} [الأنبياء: 87]، أي: نضيّق، وقوله:{يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ} [الشورى: 12]، أي: يضيّق

(1)

.

فإن كان قوله: «فاقدروا له» بمعنى: ضيّقوا له، فالتضييق لا يكون إلا بأن يُحْسَب له أقل زمان يطلع فيه، وهو طلوعه ليلة الثلاثين، وإن كان بمعنى: قدّروا له، فالتقديرُ الحسابُ والعدد، وذلك يُطلَق على التقدير بالثلاثين وعلى التقدير بالتسع والعشرين، فالقَدْر بالثلاثين هو القدر في آخر الشهر، وعلى ذلك تُحمل الرواية المفسّرة إن صحت، فإن مدارها

(2)

، فإنّ الراوي لها هو ابن عمر، ومُحالٌ أن يروي «فاقدروا له» في أول الشهر ثلاثين، ويَقْدُر هو تسعًا وعشرين.

وقد رُوي ذلك مفسَّرًا من حديث أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تَقَدَّموا الشهرَ ــ يعني: رمضان ــ بيوم ولا يومين، إلا أن يوافق ذلك صومًا كان يصومُه أحدُكم، صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غُمّ عليكم فاقدروا ثلاثين يومًا ثم أفطروا» رواه أحمد

(3)

.

والقَدْر بالتسع والعشرين يكون في أول الشهر لتفسير ابن عمر، ولأنه أحوط للصوم، فالقَدْر في كلّ هلالٍ بما يقتضيه، كما كانت البيِّنة في كلِّ

(1)

ينظر «المفردات» (ص 659 - 660) للراغب، و «الدرّ المصون»:(8/ 190) للسمين الحلبي.

(2)

بياض بالنسختين.

(3)

(9654 و 10451). وقد سبق تخريجه.

ص: 65

هلالٍ بحسبه، ففي أوله يُقبل قول الواحد، وفي آخره لا بدّ من اثنين.

الثالث: قوله: «إنما الشهر تسع وعشرون

» إلى قوله: «فإن غُمّ عليكم فاقدروا له» ، فلولا أنه أراد التقدير له بالتسع والعشرين لم يكن لذكرها هنا معنى، بل أعْلَمهم أن الشهرَ الذي لابدّ منه تسع وعشرون، واليوم الموفّي ثلاثين قد يكون وقد لا يكون، فإذا غُمّ الهلال فعدُّوا له الشهرَ المذكور، وهو التسع والعشرون.

يوضّح ذلك أنه أتى بقوله: «فلا تصوموا حتى تروه، ولا تفطروا حتى تروه» عَقِب قوله: «إنما الشهر تسع وعشرون» بحرف الفاء المُشْعِرة بالسبب، فكأنه قال: الشهر الذي لابدّ منه تسع وعشرون، فاقدروا له هذا العددَ إذا غُمَّ عليكم.

الرابع: قد قيل معناه: فاقدروا له زمانًا يطلع في مثله الهلال، كما في حديث عائشة:«فاقْدُروا قَدْر الجاريةِ الحديثةِ السنّ المشتهية للنظر»

(1)

أي: اقدروا زمانًا يقف في مثله جاريةٌ حديثةُ السنّ.

وأيضًا فما روى أحمد في «مسائل الفضل بن زياد» بإسناده عن أبي عثمان، قال: قال عمر: «ليتقِ أحدُكم أن يصوم يومًا من شعبان، ويفطر يومًا من رمضان، فإن تقدّم قبل الناس، فليفطر إذا أفطر الناس»

(2)

، نهى من

(1)

أخرجه البخاري (5190)، ومسلم (892) وفيهما:«حديثة السن الحريصة على اللهو» بدون قوله: «المشتهية للنظر» وبهذا اللفظ أخرجه أبو عبيد في «غريب الحديث» : (4/ 331).

(2)

أخرجه ابن أبي شيبة (9600) وإسناده حسن.

ص: 66

احتاط بالصوم في أول الشهر أن يبني على ذلك في آخره فيفطر يومًا من رمضان، وأمَرَه أن يجعل احتياطه في الطرفين.

وعن الزهري، عن سالم قال:«كان أبي إذا أشكل عليه شأنُ الهلال تقدم قبله بصيام يوم»

(1)

. وقد تقدم روايةُ نافع عنه بالفَصْل بين الصحو والغيم.

و [عن] معاوية بن صالح، عن أبي مريم قال: سمعت أبا هريرة يقول: «لأن أتعجّل في صيام رمضان بيوم أحبّ إليَّ [من] أن أتأخّر، لأني إذا تعجَّلت لم يَفُتْني، وإذا تأخرت فاتني» . وفي لفظ آخر: «تقدّم رمضان بيوم من شعبان أحبُّ إليَّ من أن أفطر يومًا من رمضان»

(2)

.

وعن عبد الله بن هُبَيرة، عن عَمرو بن العاص: أنه كان يصوم [اليومَ]

(3)

الذي يُشكّ فيه من شهر رمضان

(4)

.

وعن مكحول وابن حَلْبَس

(5)

: أن معاوية بن أبي سفيان كان يقول: «إن رمضان يوم كذا وكذا، ونحن متقدّمون، فمن أحبَّ أن يتقدّم فليتقدّم، ولَأَنْ

(1)

أخرجه الشافعي في «اختلاف الحديث» (10/ 248 - 249 ضمن الأم)، وابن ماجه (1654)، وأبو يعلى (5448، 5452) بنحوه.

(2)

أخرجه أحمد في مسائل ابن زياد ــ كما في «درء اللوم» (ص 55) ــ باللفظ الأول، والبيهقي في «الكبرى»:(4/ 211) بنحو اللفظ الثاني، ورجال إسناده ثقات. وما بين المعكوفين سقط من النسختين والاستدراك من المصادر.

(3)

سقطت من النسختين.

(4)

أخرجه أحمد في مسائل ابن زياد ــ كما في «درء اللوم» (ص 55) ــ، وفي سنده ابن لهيعة، وهو أيضًا منقطع بين ابن هبيرة وعَمرو.

(5)

تحرفت في النسختين إلى «حابس» .

ص: 67

أصوم يومًا من شعبان أحبّ إليّ مِن أن أفطر يومًا من رمضان

(1)

.

وعن يحيى بن أبي إسحاق قال: رأينا هلالَ الفطر إما عند الظهر وإما قريبًا منها، فأفطر ناسٌ من الناس، فأتينا أنسَ بن مالك فأخبرناه برؤية الهلال، وبإفطار مَنْ أفطر

(2)

، فقال: هذا اليوم يكْمُل لي واحدٌ وثلاثون

(3)

يومًا، وذلك أن الحَكَم بن أيوب أرسل إليَّ قبل صيام الناس: إني صائم، فكرهتُ الخلافَ عليه، فصمتُ، وأنا مُتمّ صوم يومي هذا إلى الليل»

(4)

.

وعن عبد الله بن أبي موسى، عن عائشة: أنها كانت تصوم اليوم الذي تشكّ فيه مِن رمضان

(5)

.

وعن فاطمة بنت المنذر، [عن أسماء]

(6)

: أنها كانت تصوم اليوم الذي يُشك فيه من رمضان

(7)

.

(1)

أخرجه أحمد في مسائل ابن زياد ــ كما في «درء اللوم» (ص 54) ــ، وسنده صحيح.

(2)

في النسختين: «أفطار الناس» . وفي بعض المصادر: «من أفطر من الناس» فلعلها مصحّفة عنها.

(3)

في النسختين والمطبوع: «وثلاثين» خطأ.

(4)

أخرجه ابن أبي شيبة (9542) مختصرًا، وأبو بكر الشافعي في «الغيلانيات» (208) من طريق عبد الله بن أحمد، وعنه ابنُ الجوزي في «درء اللوم» (ص 54). وإسناده صحيح.

(5)

سيأتي تخريجه في الحاشية الآتية. فالظاهر أنه مختصر للأثر الذي سيذكره المؤلف بعده من «المسند» بسياق أطول.

(6)

في النسختين كتب «أسماء» ثم كتب فوقها «فاطمة» ، والصواب ما أثبت من مصادر الأثر.

(7)

أخرجه أحمد في مسائل ابن زياد ــ كما في «درء اللوم» (ص 56) ــ، والبيهقي في «الكبرى»:(4/ 211). وإسناده صحيح.

ص: 68

وروى أحمد في «المسند»

(1)

عن عبد الله بن أبي موسى، قال: أرسلني مدرك (أو: ابن مدرك) إلى عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أسالها عن أشياء، وذَكَر الخبرَ. إلى أن قال: وسألتها عن اليوم الذي يُخْتَلَف فيه من رمضان؟ فقالت: «لَأَن أصوم يومًا من شعبان أحبّ إليَّ من أن أفطر يومًا من رمضان» . قال: فخرجت، فسألتُ ابنَ عمر وأبا هريرة، فكلُّ واحدٍ منهما قال: أزواج النبيِّ صلى الله عليه وسلم أعلم بذلك منّا.

وروى سعيد

(2)

، عن يزيد بن خُمَير، عن الرسول الذي أتى عائشة رحمها

(3)

الله في اليوم الذي يُشكّ فيه من رمضان قال: قالت عائشة: «لأن أصوم يومًا من شعبان أحبُّ إليَّ [مِن] أن أفطر يومًا من رمضان» .

وعن فاطمة بنت المنذر قالت: «ما خلقَ الله هلال رمضان كان يُغمّ على الناس، إلا كانت أسماء تتقدَّمه وتأمرنا أن نتقدَّمه»

(4)

.

(1)

(24945). وأخرجه الحاكم: (1/ 452)، والبيهقي في «الكبرى»:(4/ 211). وإسناده صحيح.

(2)

يعني ابن منصور، ومن طريقه ابن الجوزي في «درء اللوم» (ص 55). وهذا اللفظ في «المسند» أيضًا كما سبق قريبًا إلا إن المؤلف أراد ــ فيما يظهر ــ الإشارة إلى أن هذا الإسناد لم يُسمّ فيه الرسول؛ لأن شعبة في رواية المسند أخطأ في اسمه فقال:«عبد الله بن أبي موسى» وإنما هو «عبد الله بن أبي قيس» كما ذكره الإمام أحمد بعد الحديث.

(3)

ق: «رحمهما» .

(4)

أخرجه سعيد بن منصور، ومن طريقه ابن الجوزي في «درء اللوم» (ص 56). وإسناده صحيح.

ص: 69

وروى أبو حفص

(1)

عن مكحول: أن عمر بن الخطاب كان يصوم يوم الشكّ إذا كانت السماء في تلك الليلة متغيّمة، ويقول: ليس هذا بالتقدّم ولكنه التحرّي.

وذكر أبو بكر عبد العزيز عن عمر وعليّ وابن عمر وعائشة: أنهم أوجبوا صومه في الغيم

(2)

.

قال: وروى يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن عُكَيم، قال:«كان عمر بن الخطاب في الليلة التي تُشكّ من رمضان يقوم بعد المغرب، فيحمد الله، ثم يقول: ألا إنّ شهرَ رمضان شهرٌ كتبَ الله عليكم صيامَه، ولم يكتب عليكم قيامه، ألا ومن استطاع منكم أن يقوم فليقم، فإنها من نوافل الخير التي قال الله عز وجل، ومن لم يستطع فلينم على فراشه، ولا يقولنَّ قائل: إن قام فلان قمت، وإن صام فلان صمت، فمن قام أو صام فليجعل ذلك لله، أقِلّوا اللغوَ في بيوت الله، وليعلم [ق 15] أحدُكم أنه في صلاة ما انتظر الصلاة، ألا لا يتقدَّمَنّ الشهرَ منكم [أحدٌ، صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غُمّ عليكم فعدّوا شعبانَ ثلاثين، ثم لا تفطروا حتى يغسق الليل] على الظِّراب»

(3)

.

(1)

هو أبو حفص العكبري الحنبلي، وقد ساق إسناده ابنُ الجوزي في «درء اللوم» (52 - 53). وفي سنده انقطاع فإن مكحولًا لم يدرك عمر.

(2)

ينظر «درء اللوم والضيم» (ص 52 - 56) لابن الجوزي.

(3)

ورواه أيضًا عبد الرزاق (7748)، والبيهقي:(4/ 208) من طريقين عن عبد الله بن عُكَيم. وما بين المعكوفات بياض في الأصل أكملناه من «السنن» .

ص: 70

وروى سعيدٌ

(1)

هذه الخطبة عن عبد الله بن عُكَيم، قال: «كان عمر بن الخطاب إذا دخل [شهر رمضان] صلى لنا صلاةَ المغرب، ثم تشهَّد بخطبة خفيفة، ثم قال: أمّا بعد، فإن هذا الشهر [شهر] كتبَ الله عليكم صيامه (وساق الخطبة إلى أن قال): ألا لا يتقدّمنَّ الشهرَ منكم أحدٌ (ثلاث مرات)، ألا ولا

(2)

تصوموا حتى تروه، ثم صوموا حتى تروه، ألا وإن غُمّي عليكم فلن يُغمَّ عليكم

(3)

العدد، فعدُّوا ثلاثين ثم أفطروا

(4)

، ألا ولا تفطروا حتى تروا الليل يغسق على الظراب».

فهذا يبيِّن أنه أراد بأول رمضان ليلة الإغمام.

وعن فاطمة بنت الحسين: أن رجلًا شهد عند علي بن أبي طالب على رؤية الهلال ــ هلال رمضان ــ فصام، وأحسبه قال: وأمر الناس أن يصوموا، وقال:«لأن أصوم يومًا من شعبان أحبّ إليَّ مِن أن أفطر يومًا من رمضان»

(5)

.

(1)

هو ابن منصور كما في «مسند الفاروق» : (1/ 267) لابن كثير. وقد تقدم تخريجه في الحاشية السالفة. وما بين المعكوفات من سنن سعيد، ولفظ «المصنف»:«إذا دخل أول ليلة من رمضان» .

(2)

ق: «ألا لا» .

(3)

النسختين: «عنكم» خطأ.

(4)

في النسختين: «تفطروا» والمثبت من المصادر.

(5)

أخرجه الشافعي في «الأم» : (3/ 232)، ومن طريقه الدارقطني (2205)، والبيهقي:(4/ 212). قال ابن حجر في «التلخيص» : (2/ 223): «فيه انقطاع» ، وقال العراقي:«الحديث منقطع، فاطمة بنت الحسين لم تسمع من جدّها علي بن أبي طالب، وابنها محمد بن عبد الله الملقب بالديباج تكلم فيه ابن حبان» . ونبّه البيهقي كما في «مختصر الخلافيات» : (3/ 73) والعراقيُّ أن حديث علي بن أبي طالب إنما هو في شهادة الواحد على رؤية الهلال وليس عند الغيم.

ص: 71

فهذه الآثار من الصحابة رضي الله عنهم قالوها وفعلوها في أوقات متفرّقة، وأكثرُ هؤلاء مثل أبي هريرة وابن عمر وعائشة هم الذين رووا أحاديث إكمال العِدة وأحاديث النهي عن التقدُّم، وقد رُوي عنهم وعن غيرهم النهيُ عن صوم يوم الشكّ والأمرُ بإكمال العدة.

فروى سعيدٌ والنجّاد

(1)

عن عبد العزيز بن حكيم، قال: ذُكر عند ابن عمر اليوم الذي يُشَكّ فيه من رمضان، فقال ابن عمر:«لو صمتُ السَّنَةَ لأفطرتُ اليومَ الذي بينهما»

(2)

.

وروى حنبل عن ابن عمر قال: «صوموا مع الجماعة، وأفطروا مع الجماعة»

(3)

.

وروى الأثرم عن مسروق قال: «دخَلْنا على عائشة في اليوم الذي يُشَكّ

(1)

هو الإمام أبو بكر أحمد بن سلمان البغدادي الحنبلي (ت 348)، له كتاب كبير في السنن، فلعلّ نقل المؤلف منه، وغالب نقول المؤلف بواسطة «التعليقة الكبيرة» للقاضي. ينظر «طبقات الحنابلة»:(3/ 15 - 23)، و «السير»:(15/ 502 - 505).

(2)

أخرجه ابن أبي شيبة (9584)، والبيهقي:(4/ 209)، وابن الجوزي في «التحقيق»:(2/ 73) و «درء اللوم» (ص 63 - 64) وضعّفه بعبد العزيز بن حكيم. ولكن الصواب أنه صدوق حسن الحديث، فقد وثقه ابن معين وأبو داود وقال أبو حاتم: ليس بقويٍّ، يكتب حديثه. ينظر «لسان الميزان»:(5/ 203 - 204)، و «تنقيح التحقيق»:(3/ 191) لابن عبد الهادي.

(3)

سبق تخريجه بنحوه.

ص: 72

فيه من رمضان، فقالت: يا جارية! خوضي له عسلًا، قالت: خوضوه، فإن رابكم منه شيء فمُرُوها فلتزد، فإني لو كنتُ مُفطرة لذُقْتُه لكم، فقلت: أنا صائم، يريد: إن كان اليوم من رمضان أدْرَكنا وإلا كان تطوّعًا، قالت: إن الصوم صوم الناس، والفطر فطر الناس، والذبح ذبح الناس»

(1)

.

وعن محمد بن سيرين: أنه دخل على أنس بن مالك في اليوم الذي يُشَكّ فيه من رمضان، فوجده قد شرب خزيرةً وركب

(2)

.

وعن الشعبيّ قال: «كان عمر وعليّ ينهيان عن صوم [اليوم] الذي يُشَكّ فيه من رمضان»

(3)

.

وعن أبي الطُّفَيل قال: جاء رجل إلى عليّ فسأله عن صيام يوم الشكّ؟ فقال له عليّ: إن نبيّكم كان ينهى عن صيام ستة أيام من السنة: يوم الشكّ،

(1)

أخرجه أبو الشيخ في «طبقات المحدثين بأصبهان» : (2/ 228) وأبو نعيم في «أخبار أصبهان» : (2/ 346) من طريق حبال بن رفُيدة، عن مسروق بنحوه. وفي آخره زيادة: «

وإن أناسًا كانوا يتقدمون حتى نزلت هذه الآية {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} ». إسناده حسن، ولكن حبال قد خولف في سياقه، فقد رواه غير واحد عن مسروق أن دخوله هو وصاحبه على عائشة إنما كان يوم عرفة الذي يُشَكّ فيه أنه يوم النحر، وسيأتي (ص 122).

(2)

أخرجه عبد الرزاق: (4/ 159)، وابن أبي شيبة (9587).

ووقع في س: «حريرة» . والخزيرة: نوعٌ من الحساء. قال ابن الأثير: «قيل: هي حساء من دقيق ودَسَم. وقيل: إذا كان من دقيق فهي حريرة، وإذا كان من نخالة فهو خزيرة» . «النهاية» : (2/ 28).

(3)

أخرجه ابن أبي شيبة (9582)، والبيهقي:(4/ 209) من طريق مُجالد، عن الشعبي به. ومجالد فيه لين، ورواية الشعبي عن عمر مرسلة.

ص: 73

ويوم النحر، ويوم الفطر، وأيام التشريق

(1)

.

وعن عبد الله بن مسعود قال: «لأن أُفطِر يومًا من رمضان ثم أقضيه أحبّ إليَّ من أن أزيدَ فيه ما ليس منه»

(2)

.

وعن ابن عباس قال: «لا تصوموا اليومَ الذي يُشَكّ فيه، لا تَشقّ فيه الإمام»

(3)

.

وعن أبي سعيد قال: «إذا رأيتَ هلال رمضان فصُمْ، وإذا لم تره، فصم مع جماعة الناس وأفطر مع جماعة الناس»

(4)

.

وعن حذيفة: أنه كان ينهى عن صوم اليوم

(5)

الذي يُشَكّ فيه

(6)

.

وعن عمار: أنه أُتيَ بشاة مَصْليَّة في اليوم الذي يقولُ القائل: هو مِن شعبان، فاعتزل رجلٌ من القوم، فقال:«أمَا أنت بمؤمن بالله واليوم الآخر؟ فادْنُ فكُلْ»

(7)

.

(1)

ذكر هذه الرواية النووي في «المجموع» : (6/ 410) بلا إسناد. وقد روي ذلك من مسند أبي هريرة عند عبد الرزاق (7885)، والدارقطني (2151) من طريقين واهيين.

(2)

أخرجه ابن أبي شيبة (9583)، والبيهقي:(4/ 209).

(3)

ذكره النووي في «المجموع» : (6/ 410) بلا إسناد. ولفظه: «لا يُسبق فيه الإمام» .

(4)

تقدم تخريجه.

(5)

سقطت من ق.

(6)

أخرجه ابن أبي شيبة (9586، 9590).

(7)

أخرجه ابن أبي شيبة (9595)، وقد تقدم عن عمّار قوله:«من صام يوم الشكّ فقد عصى أبا القاسم» .

ص: 74

فإذا كان الأمر هكذا، وجب أن تُحمَل آثار الصوم على حال الغمام والضباب، وآثار الفطر على حال الصحو والانقشاع لوجوه:

أحدها: أنه إن لم يفعل ذلك لزم تهاتُرُ

(1)

الآثار وتعارُضُها، وأن يكون الصحابة رضي الله عنهم رووا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا وعملوا بخلافه في مثل هذه القضية التي لا تُنسى ولا تخفى، حتى يقول أبو هريرة وابن عمر:«أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم بذلك منَّا» في قضية رووا عن النبي صلى الله عليه وسلم خلافَها نصًّا، وأن يخالفوا إلى ما نُهوا عنه، ومثل هذا لا يجوز أن يُظنَّ بهم ويُعتقَد فيهم.

الثاني: أن الآثار في الشكّ مجملة، ليس فيها نصّ بيوم الغيم، والآثار في الصوم كثير منها مفسّرة مبيّنة بصوم يوم الغيم، وفيها ما فُرِّق فيه بين الغيم والصحو، وهو حديث ابن عمر، مع أنه قد صرَّح عن

(2)

نفسه بأنه يفطر اليوم الذي يُشَكّ فيه، فعُلِم أن مقصودَه بيوم الشكِّ: الشكُّ في حال الصحو، وإذا عُلم أن مقصود بعض الصحابة بيوم الشكّ هذا، جاز أن يكون مقصود الباقي ذلك.

ويوضّح ذلك: أن الشكّ في زمن النبيِّ صلى الله عليه وسلم إنما كان ــ والله أعلم ــ في حال الصحو؛ لأنه صام تسع رمضانات وكانت في الصيف.

يُبيِّنُ ذلك: أنه خرج في غزوة الفتح في سنة ثمان في رمضان في حَرٍّ شديد، وخرج إلى غزوة

(3)

بدر في رمضان من السنة الثانية، وهو أول رمضان فُرِض، وكانت في الربيع الذي تسميه العامةُ الخريفَ، وذلك لأنهم

(1)

التهاتُر: هو أن يكذّب بعضها بعضًا فتتاسقط. ينظر «أساس البلاغة» : (2/ 392)، «طلبة الطلبة» (ص 276).

(2)

ق: «على» وكتب فوقها «عن» .

(3)

سقطت من المطبوع.

ص: 75

أُمْطِروا عامَ بدرٍ كما دلّ عليه القرآن، والمطرُ إنما يكون في الربيع الذي قبل الشتاء المسمّى بالخريف، وفي الصيف الذي بعده المسمّى بالربيع، لكن العادة أن رمضان في السنة الثانية يكون قبل الوقت الذي كان فيه في السنة الأولى بنحو أحد عشر يومًا، فلما كان في غزوة الفتح رمضان في حرٍّ شديد، عُلِمَ أنه كان قبل ذلك فيما بين الخريف والحرّ الشديد، لا فيما بين الربيع الذي بعد الشتاء وبين الحرّ الشديد؛ لِما ذكرنا أن السَّنة إنما تدور وراء، وهو أول رمضان فُرِض، والسَّنة إنما تدور في ثلاثة وثلاثين سنة، يقع منها نحو ستة عشر في الصيف وما يقاربه.

الثالث: أن السماء إذا كانت مُصْحية وتقاعَد الناسُ عن رؤية الهلال، أو ادّعى رؤيتَه مَن لا يُقبل خبرُه، أو جاز أن يكون قد رُئي في موضع آخر، أو تحدّث به الناسُ ولم يثبت، كان شكًّا مرجوحًا؛ لأن الغالب الظاهر أنه لو كان هناك هلال لرآه بعض المقبولين، والأصل عدم الهلال، فاعتضد على عدم الهلالِ الأصلُ النافي المبنيّ عليه استصحابُ الحال والظاهرُ الغالب، فلم يكن لتقدير طلوعه بعد هذا إلا مجرّد وهم وخيال، وأحكام الله لا تُبنى على ذلك، فكان الصوم والحالُ هذه مجرّدَ غُلوٍّ

(1)

في الدين وتعمّقٍ، كالمتورّع عن مال رجل مسلم مستور، وتقدير

(2)

الشبهات والاحتمالات التي لا أمارة عليها، وهذا مما لا يُلتفت إليه.

ثم إنه في حال الصحو للناس طريقٌ إلى العلم به، وهو ترائي

(3)

مطلعه

(1)

س: «غلوًا» خطأ.

(2)

في المطبوع: «وكتقدير» .

(3)

ق: «ترائيه في» .

ص: 76

والتحديق نحوه، فإذا لم يروه جاز نفيُه بناء على نفي رؤيته، فإن الباحث عن الشيء الطالبَ له بحسب الوُسع والطاقة إذا لم يجده جاز أن ينفيه، وعلى هذا تُبنى عامة الأحكام الشرعية المبنية على عدم الدليل الموجِب، مثل أن يقال: لا يجب الشيء الفلاني أو لا يَحرُم؛ لأن الأصل عدم الوجوب والتحريم، ولا دليل على ثبوتهما

(1)

.

أما إذا حال دون منظره سحابٌ أو قَتَر، فهناك لا سبيل إلى ترائيه ولا نفي طلوعه، فانقطع العلمُ بالهلال من جهة الرؤية، ولم يبق إلا العدد.

ويحتمل أن يكون طالعًا ويحتمل أن لا يكون، ومثل هذا لا يأتي الشرعُ بتحريم الاحتياط وإزالة الشكّ فيه، وهو القائل:«دَعْ ما يَريبُك إلى ما لا يَريبُك»

(2)

.

بل مثل هذا في الشرع إما أن يجب الاحتياط فيه أو يستحبّ، كما سنذكره إن شاء الله، وهذا معنى قول مَن قال من الصحابة:«لأن أصوم يومًا من شعبان أحبّ إليَّ من أن أفطر يومًا من رمضان»

(3)

.

ولا يخالف هذا قولَ ابن مسعود: «لأنْ أفطر يومًا من رمضان ثم أقضيه أحبّ إليَّ من أن أزيد فيه ما ليس منه»

(4)

؛ لأنه جعل الفطر والقضاء خيرًا من الزيادة؛ لأن الفطر والقضاء غالبًا إنما يكون مع الصحو بأن يكون بعض الناس قد رآه ولم يثبت ذلك بعد، أما مع الغيم فتتعذّر الرؤيةُ غالبًا.

(1)

في المطبوع «ثبوتها» خلاف الأصلين.

(2)

تقدم تخريجه في كتاب الطهارة.

(3)

قد سبق ذلك عن معاوية وعائشة وعلي رضي الله عنهم.

(4)

سبق تخريجه.

ص: 77

ثم هذا الشكّ قد يُرَجّح فيه الصوم من وجهين:

أحدهما: أن الغالب على شعبان أن يكون تسعًا وعشرين، وإنما يكون ثلاثين في بعض الأعوام، فإذا غُمّ الهلال كان إلحاق الفرد بالأعمّ الأغلب أولى مِن إلحاقه بالأقل.

الثاني: أن الشهر المتيقّن تسعٌ وعشرون، وما زاد على ذلك متردِّد بين الشهور، وقد كمُل العدد المتيقّن، وقد نبَّه النبيُّ صلى الله عليه وسلم على هذا المعنى بقوله:«إنما الشهر تسعٌ وعشرون»

(1)

بصيغة «إنما» التي تقتضي إثبات المذكور ونفي ما عداه، فعُلِم أن ما زاد على التسع والعشرين ليس من الشهر بيقين، فإذا مضت من شعبان تسعٌ وعشرون ليلة، فقد مضى الشهر الأصلي.

وأيضًا ما احتجَّ به بعضُ أصحابنا، وهو: ما روى مطرِّف بن الشخّير، عن عِمران بن حُصين: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له (أو: قال لرجل وهو يسمع): «هل صُمْتَ مِن سَرَر هذا الشهر شيئًا؟» قال: لا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فإذا أفطرتَ فصُمْ يومين مكانَه» رواه الجماعة [ق 16] إلا الترمذي وابن ماجه

(2)

.

وفي رواية للبخاري

(3)

: «أما صمتَ سَرَر هذا الشهر؟» قال: أظنه يعني رمضان.

(1)

أخرجه مسلم (1080) من حديث ابن عمر، ومن حديث جابر (1084).

(2)

أخرجه أحمد (19839، 19840، وغيرها)، والبخاري (1983)، ومسلم (1161/ 200)، وأبو داود (2328)، والنسائي في «الكبرى» (2881).

(3)

(1983).

ص: 78

وفي رواية ثابت

(1)

: «مِن سَرَر شعبان» . قال البخاري

(2)

: «وهو أصح» .

وفي رواية لأحمد ومسلم

(3)

: عن شعبة، عن ابن أخي مطرِّف، عن مطرّف: «هل صُمْتَ مِن سَرَر هذا الشهر شيئًا (يعني: شعبان

(4)

)» قال: لا. قال: «فإذا أفطرتَ رمضانَ فصُم يومًا أو يومين» (شكّ شعبة. قال: وأظنه قال: يومين).

وفي رواية لأحمد

(5)

وأبي داود والنسائي

(6)

عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن مُطرِّف؛ وسعيد الجُريري، عن أبي العلاء، عن مُطرّف، عن عمران: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل: «هل صُمْت مِن سَرَر شعبان شيئًا؟» قال: لا. قال: «فإذا أفطرتَ فصُمْ يومًا (وقال أحدهما: يومين)» .

وفي رواية

(7)

: وقال الجُريري: «صم يومًا» .

(1)

وهي رواية أحمد (19978)، ومسلم (1161/ 199)، والنسائي في «الكبرى» (2881)، وعلقها البخاري عقب إخراجه للحديث.

(2)

ق: «النجاد» تصحيف. ينظر «تغليق التعليق» : (3/ 200).

(3)

أحمد (19839)، ومسلم (1162).

(4)

المطبوع: «رمضان» خطأ.

(5)

علق الناسخ في س: «ظ: مسلم» . وسيأتي أن مسلمًا أخرجه أيضًا.

(6)

أخرجه أحمد (19978 و 19979)، وأبو داود (2328) واللفظ له، والنسائي في «الكبرى» (2881).

وأخرجه مسلم أيضًا (1161/ 199) من الطريق الأول. وأما طريق الجُريري فأخرجه (1161/ 200) من رواية يزيد بن هارون (بدل حماد) عنه، ولفظه:«من سرر هذا الشهر» .

(7)

عند أحمد (19988).

ص: 79

وقد رواه أحمد

(1)

، عن يزيد، عن الجُريري، وقال:«فصم يومين» .

وكذلك رواه سليمان التيمي، عن أبي العلاء وغيلان بن جرير، عن [مطرّف]

(2)

(3)

وعن أبي الأزهر المغيرة بن فَرْوة، قال: قام معاوية بالناس بدير مِسْحل الذي على باب حمص، فقال: يا أيها الناس، إنا قد رأينا الهلال يوم كذا وكذا، وأنا متقدّم بالصيام، فمَن أحبّ أن يفعله فليفعله. قال: فقام إليه مالك بن هُبيرة السَّبَئي فقال: يا معاوية، أشيءٌ سمعتَه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أم شيء من رأيك؟ قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «صوموا الشهرَ وسِرَّه» رواه أبو داود

(4)

.

وروى

(5)

عن الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز أنهما قالا: «سرّه: أوله» .

(1)

(19970)، ومسلم (1161/ 200) أيضًا.

(2)

في النسختين «عوف» ، والتصويب من مصادر الحديث. وبعده بياض في النسختين.

(3)

أخرجه أحمد (19882، 19847).

(4)

(2329). وأخرجه الطبراني في «الكبير» : (19/ 384)، و البيهقي:(2/ 210)، والجوزقاني في «الأباطيل والمناكير» (2/ 123)، وقال:«هذا حديث لا يرجع منه إلى الصحة، وهو مضطرب الإسناد والمتن ليس لإسناده قوام، ولا لمتنه نظام، وأبو الأزهر هذا ثقة إلا أن في حديثه بعض النكارة» ، وضعَّفه ابنُ الجوزي في «العلل المتناهية»:(2/ 38)، وضعفه الألباني في «ضعيف أبي داود - الأم»:(2/ 258) لجهالة حال المغيرة بن فروة. وله طريق أخرى من رواية العلاء بن الحارث عن القاسم أبي عبد الرحمن عن معاوية به. سيذكرها المؤلف.

(5)

يعني أبا داود (2330، 2331).

ص: 80

وعن القاسم بن

(1)

عبد الرحمن أنه سمع معاوية بن أبي سفيان على المنبر يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر قبل شهر رمضان: «الصيام يوم كذا وكذا، ونحن متقدِّمون، فمن شاء فليتقدّم ومَن شاء

(2)

فليتأخّر» رواه ابن ماجه

(3)

.

قال أهل اللغة

(4)

: السِّرَر

(5)

والسّرار ــ بالفتح والكسر ــ آخر الشهر ليلة يستسرُّ الهلالُ

(6)

، فربما استسرَّ ليلة، وربما استسرّ ليلتين إذا تمّ الشهر؛ لأنه لا بُدَّ أن يُرى صبيحةَ ثمانٍ وعشرين، ثم يستسرّ ليلة تسع وعشرين، ثم يستهلّ ليلةَ الثلاثين أو يستسرّ أيضًا.

وقد ذكرنا عن الأوزاعي وسعيد: أن سِرَّه أوله.

قال مَن احتجّ بهذا: لا

(7)

وجه لهذا الحديث إلا أن يكون أمر بصوم

(1)

في المصادر «أبي» ، وكلاهما صحيح، لأنه القاسم بن عبد الرحمن أبو عبد الرحمن الكوفي المسعودي. قال الحافظ: ثقة. ترجمته في «التهذيب» : (8/ 322).

(2)

«فليتقدم ومن شاء» سقط من المطبوع.

(3)

(1647). وأخرجه الطبراني: (19/ 375)، من طريق العلاء بن الحارث، قال الجوزجاني في «الأباطيل»:(2/ 94): «منكر» ، وضعفها ابن الجوزي. قلت: وقد اختلف على العلاء فيها، والراجح من رواية محكول عن معاوية، ومكحول لم يسمع منه، وينظر للكلام عليها كتاب «زوائد السنن الأربع على الصحيحين - الصيام» (رقم 10) لعمر المقبل.

(4)

ينظر «الصحاح» : (2/ 682) للجوهري.

(5)

في المطبوع: «السر» .

(6)

في المطبوع: «هلال» .

(7)

ق: «ولا» .

ص: 81

السرار مع الغيم، فلما لم يَصُم ذلك الرجلُ السِّرار أمرَه بالقضاء؛ لأنه قد صحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:«لا تقدّموا رمضانَ بصومِ يومٍ ولا يومين، إلا أن يكون صومًا كان يصومُه أحدُكم فليصُمْه»

(1)

.

ثم أمر بصوم السّرَر وقضائه، وهو يوم أو يومان، فيُحْمَل هذا على حال الصحو وهذا على حال الإغمام توفيقًا بينهما.

ويؤيد ذلك أن معاوية هو ممن روى حديث الأمر بصوم السِّرّ، وكان يتقدم رمضان، ويعلل بأني أن أصوم يومًا من شعبان أحبّ إليَّ من أن أفطر يومًا من رمضان، وهذا الاحتراز لا يُشرع إلا في الغيم.

ومطرّف بن الشّخِّير هو الذي روى حديث عِمران بن حُصين، وكان يصوم هذا الصوم، ويقول: لأن أصوم يومًا من شعبان أحبّ إليَّ من أن أفطر يومًا من رمضان. رواه النجاد وغيره

(2)

.

وقد فسَّر سعيدٌ والأوزاعي سرَّه بأنه أوّله، وهذا إنما يكون مع الغيم؛ لأنه يجعل يوم الإغمام أول الشهر حكمًا واجبًا مضى؛ فهو سِرارٌ لشعبان من وجه، وأولٌ لرمضان من وجه.

فإن قيل: هذا محمول على أن الرجل كانت له عادة بصوم السِّرار، أو كان

(3)

قد نَذَره.

(1)

تقدم تخريجه.

(2)

ذكره النووي في «المجموع» : (6/ 408) بلا إسناد.

(3)

في المطبوع: «يصوم السرار وكان» وهو مخالف لما في الأصلين.

ص: 82

قلنا: هذا لا يصح؛ لأن اعتياد صوم السِّرار دون ما قبله في الصحو هو التقدُّم المنهيّ عنه في حديث أبي هريرة، فلا يجوز أن يُحمل عليه، ولا يجوز أن يُحمل على أن عادتَه صومُ أيام منها السِّرار؛ لأنه إنما أمره بقضاء السّرار فقط، ولذلك أيضًا يُكره أن ينذر صوم السِّرار مفردًا أو يحرم؛ لأنه تقدم وجوبه يوم الشكّ، وما كان مكروهًا في الشرع كان مكروهًا وإن نذَرَه.

ثم هذا ليس له في الحديث ذِكْر، وإنما المذكور حُكمٌ وهو الأمر بالقضاء، وسببٌ وهو فِطر ذلك السّرار، فيجب تعليق

(1)

الحكم بذلك السبب، ولم يسأله النبيُّ صلى الله عليه وسلم عن شيء سوى ذلك.

ثم معلوم أن النذرَ يجب قضاؤه، ولا اختصاص للسِّرار بذلك. ثم راوي الحديث عمران وصاحبُه مطرّف فَهِما من ذلك العمومَ في حقّ ذلك الرجل وغيره. ثم حديث معاوية عامّ صريح بالأمر بصوم السرّ، وقد فهم منه معاويةُ التقدّمَ.

فإن قيل: فقد أمره بقضاء يومين، وإنما يقضي مع الإغمام يومًا واحدًا.

قيل: أما حديث معاوية، فليس فيه عدد، وإنما فيه السِّرار، والسِّرارُ المتيقّن هو ليلة واحدة.

قال غير واحد من أهل اللغة

(2)

: سَرر الشهر: آخر ليلة منه.

وأما حديث عمران، فقد ذكر بعضُ الرواة أنه إنما أمره بقضاء يوم فقط

(3)

،

(1)

في ق والمطبوع: «تعلق» خطأ.

(2)

منهم الكسائي والفراء، ينظر «تهذيب اللغة»:(12/ 285)، و «الصحاح»:(2/ 682).

(3)

جاء ذلك (صيام يوم واحد) في حديث عمران من طرقٍ عن حماد بن سلمة، عن الجريري، عن يزيد بن عبد الله بن الشخير، عن مطرّف. أخرجه أحمد (19988)، وأبو داود (2328)، والنسائي في «الكبرى» (2881). وخالف حمّادًا في روايته عن الجريري جماعةٌ، وهم يزيدُ بن هارون وعبد الأعلى بن عبد الأعلى وخالد الواسطي فرووه عن الجريري:«فصم يومين» . فالظاهر أن الوهم فيه من حمّاد لاضطرابه فيه ومخالفته جماعةَ الثقات. ومما يدل على خطأ هذا اللفظ أن الحديث رواه عن مُطرّف جماعةٌ ثقات منهم غيلان بن جرير وعبد الله بن هانئ وثابت البناني (يرويه عنه حماد بن سلمة) كلهم بلفظ: «فصم يومين» . أخرجه البخاري (1983)، ومسلم (1161).

ص: 83

فإن كان هذا هو الصواب، فلا كلام. وإن كان الصواب رواية الأكثرين، فقد حمله القاضي على ما إذا غُمّ هلالُ شعبان وهلال رمضان، فعُدَّ كلّ واحد من رجب وشعبان ثلاثين يومًا، وحصل صوم رمضان ثمانية وعشرين يومًا. قال: فيُعلَم أن الخطأ حصل بيومين من شعبان.

وهذا الذي قاله يقتضي أنه [إذا] غُمّ هلال شعبان ثم غُمّ هلال رمضان ليلتين: أن يؤخذ بالاحتياط؛ لأنه يجوز أنه كان هلال شعبان تحت الغمام، فتكون الليلة التي يظن أنها تسع وعشرون من شعبان ليلة الثلاثين منه والسماء متغيّمة، فيُقْدَر له ويُصام، وأنه لو أكمل العدّتين وصام، ثم رأى الهلالَ بعد ثمانية وعشرين من رمضان: أنه يقضي يومين.

وعلى قياسه لو

(1)

توالت ثلاثةُ أشهر أو أكثر مغيّمة. [ق 17] والأشبه

(2)

(1)

في النسختين: «وعلى قياس فلو» ، ولعل الصواب ما أثبت. وفي المطبوع: «وعلى قياس [هذا] فلو

مغيمة» واضطر لتقدير تتمّة الكلام: «فإنه يقضي ثلاثة أيام فأكثر» . وبما أثبته لا حاجة إليه.

(2)

بياض في النسختين.

ص: 84