الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مسألة
(1)
: (فإن جامعَ ولم يُكفِّر حتى جامعَ ثانيةً، فكفّارة واحدة. وإن كفَّر ثم جامعَ فكفّارة ثانية، وكلُّ مَن لزمه الإمساكُ في رَمضان فجامعَ، فعليه كفّارة)
.
وجُملة ذلك أنه تجب الكفّارة في الصوم الصحيح والفاسد؛ فكل مَن وجب عليه الإمساك، وجبت عليه الكفّارة إذا جامع، وإن لم يكن معتَدًّا به، مثل أن يأكل ثم يجامع، أو يترك النية ثم يجامع، أو يجامع ويكفِّر ثم يجامع.
قال أحمد: إذا أكل ووطئ في رمضان؛ فعليه مع القضاءِ الكفّارةُ للوطء، فإن كفَّر في يومه ثم عاد، يكفِّر أيضًا؛ لأن حرمة اليوم لم تذهب، فإن فعل مرارًا
(2)
فإنما عليه كفّارة واحدة ما لم يكفِّر، فإذا كفَّر ثم وطئ فعليه كفّارة أخرى، وهو مذهبي؛ وذلك لأن هذا الإمساك صوم واجب في نهار رمضان، فأوجب الكفّارة كالصوم الصحيح.
ودليل الوصف: ما روى سلمة بن الأكوع قال: «أمر النبيُّ صلى الله عليه وسلم رجلًا من أسلم أن: أذِّن في الناس أن مَن كان أكَلَ فليصُم بقيّةَ يومه، ومَن لم يكن أكل فليصم؛ فإن اليوم يوم عاشوراء» متفق عليه
(3)
.
(1)
ينظر «المستوعب» : (1/ 415 - 416)، و «المغني»:(4/ 385 - 386)، و «الفروع»:(5/ 47)، و «الإنصاف»:(7/ 460).
(2)
س: «مرار» .
(3)
أخرجه البخاري (2007)، وليس هو في مسلم.
في هامش ق حاشية نصها: «يتوجه الفرق بين ما إذا وطئ فكفّر ثم وطئ، وبين ما إذا أكل ثم وطئ، وأنه يجب عليه كفّارة واحدة كفّر أو لم يكفّر. اهـ هامشه بخط الناسخ» .
ولأن الكفّارة إنما وجبت لِمَا انتَهَك من حُرْمة الزمان بالجماع فيه.
ومَن أكل ثم جامع، أو جامع ثانيةً بعد أولى، فهو أشدُّ انتهاكًا للحُرْمة وأعظم في الاجتراء على الله، وربما اتخذ هذا حيلة إلى إسقاط الكفّارة بالجماع. ولأنها عبادة يجب إتمام فاسدها، فوجبت الكفّارة فيه كالحج الفاسد. وهذا لأن الله سبحانه قال في الحج:{وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: 196]، وقال تعالى في الصوم:{ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: 187].
وزمانُ الحجِّ يتعين ابتداؤه بفعل المكلف، وزمان رمضان يتعين ابتداؤه وانتهاؤه بالشرع، وكلاهما لا يخرج منه بالإفساد، بحيث لو أراد في الحج أن يصير بالوطء حلالًا يباح له المحظورات، لم يكن له ذلك، ولو أراد بالإفطار في رمضان أن يباح له الإفطار في سائر النهار لم يُبَح له.
ولو تبين له وجوب الصوم في أثناء النهار ببينة تقوم، أُثيب على صيامه مع وجوب القضاء، فليس بينه وبين الإحرام فرق، هذا فيمن ترك النية، مع العلم بوجوب الصوم، حتى لو أفطر يوم الإغمام وهو يعتقد
…
(1)
فأما إن ترك النية لعدم العلم بأنه من رمضان وأمسك، لم يلزمه الكفّارة؛ لأنه ليس بإمساك مأمور به.
وإذا علم في أثناء النهار أن اليوم من رمضان، فإنه يجب عليه الإمساك على المذهب المعروف، فلو وطئ فيه لزمَتْه الكفّارة.
وإذا أسلم الكافرُ أو بلغ الصبيُّ أو عَقَل المجنون أو طهرت الحائض أو قدم المسافر، وقلنا: يجب عليهم الإمساك، فقال القاضي وابن عقيل: إذا
(1)
بياض في النسختين.
وطئ، وجبت عليه الكفّارة.
والمنصوص عن أحمد في رواية ابن منصور
(1)
: [ق 49] لا كفّارة عليه. وكذلك ذكر ابن أبي موسى
(2)
وغيره.
وحمل القاضي ذلك على الرواية التي لا يوجب فيها الإمساك. وقد قال في رواية حنبل في مسافر قدم في آخر النهار فواقَعَ أهلَه قبل الليل: عليه القضاء والكفّارة.
فإذا وطئ مرات في يوم واحد ولم يكفِّر، فكفّارة واحدة. نصَّ عليه. كما أنه لو أكل مرات في يوم لم يجب عليه إلا قضاء يوم واحد.
وإن وطئ في يومين ولم يكفِّر؛ فقال حرب: سُئل أحمد عن رجل جامع في رمضان أيامًا متتابعة: كم كفّارة؟ قال: قد اختلف الناس في هذا. فلم يجبه.
واختلف أصحابنا في ذلك؛ فقال ابن حامد والقاضي وأصحابه
(3)
: عليه الكفّارة لكلِّ يوم وإن لم يكفِّر.
وحُكيَ هذا عن أحمد نفسه، حكاه ابن عبد البر
(4)
؛ لأن كلَّ يوم عبادة منفردة بنفسه، فلم يدخل كفّارة أحدهما في كفّارة الآخر؛ كما لو وطئ في
(1)
«مسائل الكوسج» : (3/ 1220).
(2)
«الإرشاد» (ص 147).
(3)
كتب فوقها في ق: «لعله» ، ومقابلها في الهامش:«كذا» ، وترك في س بعدها فراغًا كتب فيه (ح م) وفوقها: لعله.
(4)
في «الاستذكار» : (3/ 318)، وذكر المسألة في «التمهيد»:(7/ 181) عن الجمهور ولم يذكر أحمد.
رمضانين أو حجّتين أو عمرتين، وذلك لأنه لا يفسد صوم أحدهما بفساد الآخر، ولا يجب أحدهما بوجوب الآخر، فإنه لو سافر في أثناء الشهر فهو مخيَّر بين الصوم والفطر، ولو أقام في أثنائه لتحتَّم عليه الصوم، ويحتاج كلٌّ منهما إلى نية منفردة في المشهور من المذهب.
وقال أبو بكر وابن أبي موسى
(1)
: يكفيه كفّارة واحدة وإن وطئ كلَّ يوم ما لم يكفِّر؛ لأن الكفارات بمنزلة الحدود في أنها عقوبات، والحدود بمنزلة الكفارات في أنها كفارات لأهلها. ثم لو زنى مرّات أو شرب مرّات أو سرق مرّات؛ لم يجب عليه إلا حدٌّ واحد، فكذلك إذا أفسد عبادات.
وأما إذا جامع في رمضانين أو في حجتين أو عمرتين، فقياس قول أبي بكر
…
(2)
فصل
(3)
ولا فرق في الجماع بين المعذور وغير المعذور، فلو وطئ ناسيًا أو جاهلًا بوجوب الصوم لاعتقاده أنه واطئ في غير نهار رمضان، أو جاهلًا بأن الوطء يحرم في الصوم، مثل أن يعتقد أن الفجر لم يطلع، أو أن الشمس قد غربت، فيجامع، ثم يتبين بخلافه، أو يجامع معتقدًا أنه آخر يوم من شعبان، فيتبين أنه من رمضان [= فعليه القضاء والكفارة]
(4)
.
هذا أشهر الروايتين، ذكرهما أبو حفص وسائر الأصحاب، نقلها ابن
(1)
«الإرشاد» (ص 150).
(2)
بياض في النسختين.
(3)
ينظر «المغني» : (4/ 379)، و «الفروع»:(5/ 182 - 183).
(4)
ما بين المعكوفين زيادة لازمة تتمّ بها العبارة.
القاسم والأثرم وحنبل وحرب.
قال في رواية الأثرم
(1)
: حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: جاء أعرابيٌّ إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: هلكتُ، وقعتُ على امرأتي في رمضان. قال:«أعْتِق رقبة» = ظاهره على النسيان والجهالة، ولم يسأله النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما أفتاه على ظاهر الفعل.
وهذا اختيار جمهور الأصحاب.
والرواية الثانية: عليه القضاء دون الكفّارة.
قال في رواية أبي طالب: إذا وطئ ناسيًا، يعيد صومَه، قيل له: عليه كفّارة؟ قال: لا.
وإذا كان عامدًا، أعاد وكفَّر. وهذا اختيار ابن بطة
(2)
؛ لأن الله قد عفا لهذه الأمة عن الخطأ والنسيان، بدليل قوله:{رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة: 286]، فقال الله: قد فعلت
(3)
. حديث صحيح.
وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «عُفِي لأمّتي عن الخطأ والنسيان»
(4)
.
ولأن الكفّارة إن كانت لجبر الصوم؛ فإنه مجبور بالقضاء، وإن كانت لمحو الخطيئة أو عقوبةً للواطئ، فالناسي والجاهل لا إثم عليهما، بخلاف كفّارة القتل والصيد ونحوهما، فإنها وجبت جبرًا لما فوّته؛ فأشبهت ضمان الأموال.
(1)
ذكرها ابن عبد البر في «التمهيد» : (7/ 180 - 181).
(2)
ينظر «شرح الزركشي» : (2/ 592).
(3)
تقدم تخريجه.
(4)
تقدم تخريجه.
ومن أصحابنا من يحكي روايةً ثالثة في الناسي والمكره: أنه لا قضاء عليه ولا كفّارة.
وكقول أحمد في رواية ابن القاسم: كلُّ أمر غُلِب عليه الصائم فليس عليه قضاء ولا كفّارة.
وقال أبو داود
(1)
: سمعته غير مرَّة لا يَنْفُذُ
(2)
له فيها قول. يعني مسألة مَن وطئ ناسيًا.
ووجه الأول: أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم أمر الأعرابيَّ بالكفّارة ولم يستفصله: هل كان ناسيًا أو جاهلًا؟ مع أن هذا الاحتمال ظاهر، بل هو الأظهر، فإن الرجل المسلم لا يكاد يفعل مثل هذا عالمًا عامدًا، لاسيما في أول الأمر، والقلوب مقبلة على رعاية الحدود، والجهلُ بمثل هذا خليق أن يكون في الأعراب؛ فإنهم أجْدَر أن لا يعلموا حدودَ ما أنزل الله على رسوله.
وليس في قوله: «هلكتُ» ما يدلّ على أنه فعل ذلك عالمًا عامدًا؛ لجواز أنه لما ذُكّر أو أُخْبر أن هذا محرّم في الصيام خاف أن يكون هذا من الكبائر، وقد كانوا يخافون مما هو دون هذا، كما قال عمر رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم:«أتيتُ اليوم أمرًا عظيمًا، قَبَّلت وأنا صائم»
(3)
.
(1)
في «المسائل» (ص 132)، وانظر:«المغني» : (4/ 380).
(2)
في النسختين: «ينقل» ، والمثبت من المسائل وهو الصواب.
(3)
أخرجه أبو داود (2385)، والنسائي في الكبرى (2945)، والبزار (236)، وابن خزيمة (1999)، وابن حبان (3544)، والحاكم:(1/ 431) وصححه على شرطهما، والصحيح أنه على رسم مسلم فقط. والحديث حسّنه علي بن المديني، وصححه أيضًا ابن خزيمة وابن حبان والضياء في «المختارة» (99)، لكن ضعّفه الإمام أحمد فقال:«هذا ريح ليس من هذا شيء» نقله في «المغني» : (4/ 361)، وقال النسائي:«حديث منكر وبُكير مأمون، وعبد الملك بن سعيد روى عنه غير واحد، ولا ندري ممن هذا» . قال ابن عبد الهادي: «وإنما ضعف الإمام أحمد هذا الحديث وأنكره النسائي مع أن رواته صادقون، لأن الثابت عن عمر خلافه؛ فروى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن ابن المسيب: أن عمر بن الخطاب كان ينهى عن القبلة للصائم، فقيل له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقبّل وهو صائم. فقال: من ذا له من الحفظ والعصمة ما لرسول الله صلى الله عليه وسلم؟! وقد حمل أبو عمر بن عبدالبرّ قولَ عمر هذا على التنزيه، فقال: لا أرى معنى حديث ابن المسيب في هذا الباب عن عمر إلا تنزّها واحتياطًا منه، لأنه قد روي فيه عن عمر حديث مرفوع، ولا يجوز أن يكون عند عمر حديث ويخالفه إلى غيره» . وينظر «مسند الفاروق» : (1/ 277 - 279)، و «تنقيح التحقيق»:(3/ 234 - 237).
ولهذا لم يعاتبه
(1)
النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يلُمْه كما لام سلمةَ بن صخر لما جامع بعد الظهار
(2)
، وكما لام الذي جامعَ امرأتَه ليلةَ الصيام قبل أن يبيح الله الرفثَ ليلةَ الصيام
(3)
، ومثل هذا لابدَّ فيه على العامد العالم من تعزير أو توبيخ، فهذه قرينة تبيّن أن الرجلَ قد كان له بعضُ العذر في هذا الوِقاع.
(1)
النسختين: «يعتبه» .
(2)
تقدم تخريجه.
(3)
أخرجه ابن جرير: (3/ 237) من طريق العوفي عن ابن عباس، والضياء في «المختارة»:(13/ 54) من طريق موسى بن عقبة عن كريب مولى ابن عباس ولفظه: قال: «
…
فبلغنا أنّ عمر بن الخطاب بعد ما نام ووجب عليه الصوم وقع على أهله، ثم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أشكو إلى الله وإليك الذي صنعت، فقال:«وماذا صنعتَ؟» قال: إني سوّلت لي نفسي فوقعت على أهلي بعدما نمت وأنا أريد الصيام. فزعموا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما كنتَ خليقًا أن تفعل» فنزل: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} [البقرة: 187].
ولأنها كفّارة وجبت بالوطء مع العَمْد فوجبت مع السهو ككفّارة الوطء في الظهار والإحرام.
ولأن الوطء في الشرع يجري مجرى الإتلاف، بدليل أنه لا يخلو من غُرم أو حدٍّ، أو غُرم وحدّ، وباب الإتلاف يستوي فيه العمدُ والخطأ، كالقتل للإنسان والصيد، والحَلْق والتقليم.
وإذا اعتقد [ق 50] أنه آخر يوم من شعبان، فجامع فيه، ثم تبيّن أنه من رمضان، فإنه يمسك ويقضي، ولم تجب عليه الكفّارة هنا. ذكره ابن عقيل؛ لأنه لم ينو صومَه على وجهٍ يُعذَر فيه
(1)
، والكفّارةُ إنما تجب بالوطء في إمساكٍ واجب؛ بخلاف مَن أكل يظنّه ليلًا فبان نهارًا، فإنه مأمور بالإمساك ذلك الجزء والاحتياط فيه مشروع، وهو داخل في ضمن اليوم الذي نواه، ولهذا لا يُفْرَد بنية.
وإذا أكل ناسيًا، فظن أنه قد أفطر، فجامع. أو ذَرَعه القيءُ أو قطَرَ في إحليله ونحو ذلك، فظنَّ أنه قد أفطر، فجامع؛ فقال بعض أصحابنا: في وجوب الكفّارة وجهان؛ لأنه مثل الجاهل والناسي.
وكذلك قال القاضي: قياسُ المذهب أن الكفّارة تجب عليه؛ لأن أكثر ما في هذا ظنه إباحة الفطر، وهذا لا يُسقط الكفّارة؛ كما لو وطئ يظنّ أن الفجر لم يطلع، فإن الكفّارة لا تسقط هناك على المنصوص.
فعلى هذا: إذا قلنا هناك: إنه لا كفّارة عليه
…
(2)
(1)
كذا في النسختين.
(2)
بياض في النسختين.
وإن وطئ يعتقد أنه آخر يوم من شعبان، ثم بان أنه أول يوم من رمضان
…
(1)
والصواب: أن هذا تجب عليه الكفّارة قولًا واحدًا؛ لأن أكثر ما فيه أنه وجب عليه، وكلُّ مُفطِر وجبَ عليه الإمساكُ إذا جامع لزمته الكفّارة عندنا، فإنه ليس معذورًا بالجماع، كما لو أكل عمدًا ثم جامع لزمته الكفّارة. نص عليه. اللهم إلا أن يعتقد جواز الأكل والوطء، فيُلْحَق بالمعذور
(2)
.
فإن قيل: أما إيجاب القضاء على الجاهل فهو القياس؛ لأنه لو أكل جاهلًا للزمه القضاء، فالواطئ أولى. وأما إيجابه على الناسي فهو مخالف لقياس الصوم، فإن الأكل ناسيًا لا يفطِّر الصائم.
قلنا: الفرق بينهما أن الأكل بالنهار معتاد؛ فالشيء الخفيف منه ما قد يفعله الصائم لنسيانه صومه فعُذِر فيه. أما الجماع فأمر عظيم، وليست العادة فعله في النهار، فوقوعه مع النسيان إن وقع نادر جدًّا.
وهذا معنى ما ذكره ابنُ جُريج قال: كنت إذا سألت عطاءً عن الرجل يُصيب أهلَه ناسيًا، لا يجعل له عذرًا
(3)
، يقول: لا ينسى ذلك ولا يجهله
(4)
فيأبى أن يجعل له عذرًا. لاسيما
…
(5)
(1)
بياض في النسختين، والكلام على المسألة تقدم قريبًا عند قوله: «وإذا اعتقد أنه آخر يوم من شعبان
…
».
(2)
س: «المعذورين» .
(3)
في النسختين: «عذر» والوجه ما أثبت.
(4)
أخرجه عبد الرزاق (7376)، وابن عبد البر في «التمهيد»:(7/ 179) واللفظ له.
(5)
بياض في النسختين.
وأما مقدّمات الجماع التي لا توجب الكفّارة مثل القُبلة واللمس والنظر إذا فعلها ناسيًا فأَمْنى أو أَمْذى، فقال أصحابنا: هو على صيامه، ولا قضاء عليه؛ لأنه أمر يوجب القضاءَ فقط، ففرقٌ بين عَمْده ونسيانه، كالأكل.
فعلى هذا ما أوجب عمدُه الكفّارةَ، أوجب سهوُه القضاءَ في المشهور، وفي الكفّارة الخلاف المتقدّم، وما أوجب عمدُه القضاءَ فقط، لم يُبطل الصومَ سهوُه؛ لأن ما أوجب جنسُه الكفّارةَ، تغلّظ جنسُه فأُلحِق بالجماع، بخلاف ما لا يوجب إلا القضاءَ فقط، فإنه كالأكل.
وإن أُكره الرجل على الجماع؛ فقال ابن أبي موسى
(1)
والقاضي وابن عقيل وغيرهم: عليه مع القضاء الكفّارة قولًا واحدًا، بخلاف الناسي؛ لأن الجماع لا يتأتَّى إلا مع حدوث الشهوة، ولهذا وجبت الكفّارة على المُكْره على الزنى في المنصوص؛ لأنه لا يطأ حتى ينتشر، ولا ينتشر إلا عن شهوة.
قال ابن عقيل: وإن كان منتشر العضو فاغْتَفَلَتْه امرأةٌ وقعَتْ عليه، فغلَبَتْه واستدخلت عضوَه، فلا كفّارة عليه هنا لعدم العلة، وفي إفساد الصوم وجهان، وذكر أبو الخطاب
(2)
وغيرُه فيه الروايتين في الناسي.
وإن استدخلت ذَكَره وهو نائم، فقال القاضي: لا يفطر لأنه كالمحتلم، لم يصدر منه فعل ولا لذّة.
وهذا قياس قول مَن يفرّق بين النائمة والمكرَهَة، وليس هو قول القاضي.
(1)
في «الإرشاد» (ص 147).
(2)
في «الهداية» (ص 159).
وذكر ابن عقيل وجهًا أنه يفطر، قال: كما لو جُرِّع الماء، كان فيه الروايتان، والأشبه أن لا يبطل، كما لو قُطِر في حلقه وهو نائم.
قال ابن عقيل: فإن كشفَتْه واستيقظَتْ عُضوَه بأن عَبِثت به حتى انتشر، ثم استدخَلَتْه، أفطرا جميعًا، ولا كفّارة عليه. وهل عليها كفّارة؟ على روايتين.
وكأنه جعله في هذه الصورة مُكرَهًا، فيكون قوله
(1)
كقول أبي الخطاب.
وقال غيرهما: ظاهر كلام أحمد أن عليه القضاء؛ لأن القضاء وجب على المرأة المغصوبة على نفسها فالرجل أولى.
وهذا أصح، فإن المقهور على نفسه أقوى من المقهورة على نفسها، والنائم أقوى من النائمة.
فصل
(2)
وأما المرأة، فلا تخلو إما أن تكون مُطاوِعة أو مُستكرَهَة، فإن كانت مُطاوِعة في الصيام أو الإحرام ففيها ثلاث روايات:
إحداهن: أن عليها الكفّارة فيهما. وهي المنصورة عندهم، مثل أبي بكر وابن أبي موسى
(3)
والقاضي وأصحابه
(4)
.
(1)
من س.
(2)
ينظر «الفروع» : (5/ 42 - 43).
(3)
في «الإرشاد» (ص 146).
(4)
«الروايتين والوجهين» : (1/ 259).
قال في رواية ابن إبراهيم
(1)
في الرجل يَستكره امرأتَه على الجماع: ليس عليها كفّارة وعليه، وإذا طاوعَتْه فعليها وعليه كفّارة كفّارة. في الصوم.
ونقل عنه إسحاق بن إبراهيم
(2)
ويعقوب بن بختان في المُحْرِمة إذا وطأها: عليها الهدي.
والثانية: لا كفّارة عليها.
نقل
(3)
عنه أبو داود
(4)
وأبو الحارث ومهنّا والمرُّوذي: لا كفّارة على المرأة في الوطء في رمضان.
فعلى هذا تجب الكفّارة عليه وحده، وليس عليها كفّارة، يتحملها الزوج عنها، وتعتبر الكفّارة بحاله في الحرية والعبودية، واليسر والعسر، وغير ذلك.
ونقل عنه ابن منصور
(5)
في الذي يصيب أهلَه مُهِلًّا بالحج: يحجان من قابل ويتفرّقان، وأرجو أن يجزيهما هدي واحد.
فمِن أصحابنا [ق 51] مَن يجعل هذا رواية واحدة في أنه لا كفّارة عليها،
(1)
«مسائل ابن هانئ» : (1/ 173). والعبارة فيها: «فليس عليها كفّارة، وإذا هي طاوعته فعليها أو عليه كفّارة كفّارة» .
(2)
لم أجده بنصه، وينظر «المسائل»:(1/ 174)، و «مسائل الكوسج»:(5/ 2380، 2383).
(3)
المطبوع: «نقله» .
(4)
«المسائل» (ص 133).
(5)
«المسائل» : (5/ 2230).
وإنما الكفّارة عليه وحده. ومنهم من يجعل هذا روايةً أخرى بأن الكفّارة الواحدة تكون عليهما في مالهما وتجزئ عنهما.
وهل تجب عليهما في مالهما، أو في ماله وتقع عنهما، أو في ماله وتقع عنه وحده؟
فعلى هذا: إن كفَّر بالصوم، لزمَ كلَّ واحدٍ منهما صومُ شهرين.
والثالثة: عليها الكفّارة في الحج دون الصوم.
فقال في رواية أبي طالب: ليس على المرأة كفّارة، إنما هي على الرجل، إلا أن يكونا مُحْرمَين فيكون عليهما كفّارة كفّارة
(1)
. كذا قال ابن عباس
(2)
، ولم أسمع على المرأة هدي إلا في الحج
(3)
.
ولهذا أكثر نصوصه في الحج بالوجوب وفي الصوم بعدمه، وذلك لأن الذي واقع أهلَه في رمضان أمَرَه النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يعتق رقبةً أو يصوم شهرين متتابعين أو يُطعم ستين مسكينًا في معرض جواب سؤاله عن هذه الواقعة، فعُلم أنه لا يجب في هذا الجماع شيء غيرُ هذا، لأنه لو كان لذَكَره، فإنّ تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، ولأن السؤال كالمُعاد في الجواب، فتقديره: من أصاب امرأته في رمضان فعليه هذه الكفّارة.
ولو قيل مثل ذلك لدلّ على أنّ هذا جزاء هذا الفعل، ولا شيء فيه غير ذلك، ولهذا لما قال له ذلك الرجل: إن ابني كان عسيفًا على هذا، وإنه زنى
(1)
ق: «كفّارة» مرة واحدة.
(2)
سيأتي تخريجه في كتاب الحج.
(3)
ينظر «المغني» : (5/ 167 - 168).
بامرأته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:«على ابنك جلدُ مئة وتغريبُ عام، واغْدُ يا أُنَيس إلى امرأةِ هذا، فإن اعترفت فارجمها»
(1)
.
فذكر في الحدّ حكم الواطئ والواطئة، وفي الكفّارة اقتصر على حكم الواطئ فقط. وفي الحجّ: أمرَ النبيّ صلى الله عليه وسلم المتجامِعَين أن يُهديا هديًا. وكذلك عمر وعليّ
(2)
.
ولأن الكفّارة هنا إنما وجبت لأجل الإصابة والوقوع على المراة وجماعها، والجِماع إنما يفعله الرجل وحده، وإنما المرأة مُمَكِّنة من الفعل ومحلٌّ له، والكفّارة لم توجَب لذلك، ولأن الجماع فِعْل واحد لا يتمّ إلا بهما، فأجزأتْ فيه كفّارة واحدة؛ لأن تعدّد
…
(3)
، ولأنه حقّ ماليّ يجب بالوطء، فاختصَّ بوجوبه [على]
(4)
الواطئ كالمَهْر في وطء الشبهة.
وهذا لأنّ الأصل فِعل الرجل، والمرأة محلّ لفعله، فاندرج فعلها في فعله، وصار تبَعًا له، كما تدخل ديةُ الأطراف في دية النفس، وكما لو جامع مرّة ثم مرّة ولم ينزل، وكما لو قبَّل المُحرِم ثم أولج، ولأنها كفّارة تجب بالوطء، فاختصّت بالرجل دون المرأة، ككفّارة الظهار.
أو نقول: إصابةُ فرجٍ حَرُم لعارض، فاختصّت كفارتُه بالرجل، كإصابة المظاهر منها.
(1)
أخرجه البخاري (2695)، ومسلم (1697) من حديث أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني.
(2)
يأتي تخريج هذه الأحاديث والآثار في كتاب الحج.
(3)
بياض في النسختين.
(4)
زيادة ليستقيم السياق.
فعلى هذا لو لم تجب الكفّارة على الرجل بأن تَستدخلَ ذكَرَه وهو نائم، أو تستدخل ذَكَر مجنون أو صبيّ، فإنه يبطل صومها، هكذا ذكره القاضي وابن عقيل.
وهل تجب الكفّارة؟ على روايتين فيما إذا وطئها الرجل، ذكره القاضي وابن عقيل.
وكذلك لو وطئها وهو مسافر أو مريض، وهي مقيمة صحيحة، ففي الكفّارة عليها الروايتان
(1)
.
ومَن فرَّق بين الحج والصوم، قال: إن الحجَّ جاءَ فيه الأثر عن ابن عباس، والصوم بخلافه، ولأن الحجّ أغلظ، فإن الكفّارة تجب فيه بالقُبْلة والمباشرة وإن لم يُنزل.
ولأن حُرمة الحج متعدّدة بالنسبة إليهما فإنّ كلًّا منهما إنما يصير حرامًا بإحرام يعقده لنفسه؛ فإذا جامع فقد هَتَك إحرامًا منفصلًا عن إحرام غيره، وهنا الحُرمة للشهر الذي يجب صومه، لا لنفس الصوم المجزئ، ولهذا تجب الكفّارة سواء كان صائمًا أو مفطرًا إذا كان الإمساك واجبًا عليه، ولا تجب إلا في شهر رمضان، وحُرْمة الشهر واحدة يشملها، فإذا هتكاها، فإنما هتّكا حُرْمة واحدةً، فأشبه ما لو اشتركا في قتل صيد.
ولأن الكفارات في الحج تجب مع الانفراد والاشتراك كما تجب
(1)
في هامش النسختين تعليق نصه: «ويتوجه الفرق بين أن يكفر بالعتق والإطعام، وبين أن يكفر بالصوم» . وينظر «المغني» : (4/ 376 - 377)، و «الإنصاف»:(7/ 448 - 450).
بالحَلْق واللبس، فإذا وقع الاشتراك جاز أن يُجعلا في حكم المنفردَين، وهنا لا تجب إلا بالفعل المشترك.
فعلى هذا، لو استدخلَتْ ذَكَر نائم أو مكّنَت من نفسها مجنونًا أو مسافرًا ونحوه
…
(1)
وذكر ابن عقيل في موضع آخر أن الوطء إذا تردّد بين اثنين لا تجب الكفّارة على أحدهما، وجبت
(2)
على الآخر وحدَه، كالمسافر إذا وطئ.
ووجه الأول: أن المرأة هتكَتْ حُرمة شهر رمضان بالجماع، فوجبت الكفّارة عليها كالرجل، وذلك لأنها إذا طاوعَتْه على الجماع، كان كلّ منهما فاعلًا له ومشاركًا فيه، وإن جاز أن ينفرد أحدُهما به إذا استكرهها أو استدخلَتْ ذَكَره وهو نائم، فما وجب عليه لله من الكفّارة والعقوبة وغير ذلك وجب عليها مثله.
ولهذا يجب الحدُّ عليها كوجوبه عليه، وتفطر بهذا الجماع كما يفطر هو، وتستحقّ العقوبةَ في الآخرة كما يستحقّه، وتسمّى باسمه، فيقال: زانٍ وزانية، ويُسمى جِماعًا وحلامة
(3)
ومباشرة، وصيغة الفِعال والمفاعلة في الأصل إنما تكون بين شيئين يفعل كلُّ منهما بصاحبه مثل ما يفعل الآخر به، كالقتال والخصام.
(1)
بياض في النسختين.
(2)
في النسختين: «ووجبت» ، والصواب ما أثبت.
(3)
كذا، ولعلها (حِلاءً) يقال: حلأتُ المرأة إذا نكحتها. ينظر «الأفعال» : (1/ 250) لابن القطاع، و «المخصص»:(1/ 498) لابن سيده.
ولهذا لو استدخلَتْ ذَكَره وهو نائم وجبت الكفّارة، ذكروا فيه الروايتين
(1)
، ولأنها كفّارة فوجبت على كلّ واحدٍ منهما كالحدِّ، فإن الحدود كفارات لأهلها.
وهذا لأن الكفّارة ماحية من وجه وزاجرة من وجه وجابرة من وجه، والمرأة محتاجة إلى هذه المعاني حسب احتياج الرجل.
ولا يصح التفريق بأن الكفّارة في المال، والحدّ على البدن؛ [ق 52] لأن مِن الكفارات ما هو على البدن، وهو الصيام.
وكذلك لو حلف كلٌّ منهما لا يجامع الآخرَ، كان على كلٍّ منهما كفّارة إذا حَنَث
(2)
كلٌّ منهما في يمينه، كهتك كلٍّ منهما لحُرْمة صومه وإحرامه.
وأما حديث الأعرابي، فقد أجاب أصحابنا عنه بوجوه:
أحدها: أن بيانَه لحكم الأعرابي بيانٌ لحكم مَن في مثل حاله؛ إذ من المعلوم أنها تشاركه في الجماع فتشاركه في حكمه، ولهذا لم يأمرها النبي صلى الله عليه وسلم بالقضاء والاغتسال، وقد أمر الأعرابيَّ بالقضاء لعلمه بأن حكمها حكمُه، فما حُمل عليه تركُ ذِكر القضاء، حُمل عليه تركُ ذِكر الكفّارة.
وثانيها: أن هذه قضية في عين، فلعلّ المرأة كانت مُكرهة أو نائمة، فإنه قد رُوي في بعض الألفاظ أنه قال:«هلكتُ وأهلَكْتُ» رواه الدارقطني
(3)
.
(1)
في النسختين: «الروايتان» ، وعلق في هامش ق:«لعله الروايتين» . وهو كذلك.
(2)
في النسختين: «فحنث» ، والصواب ما أثبت.
(3)
(2398). من طريق أبي ثور، عن معلى بن منصور، عن سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن، أنه سمع أبا هريرة ، يقول: أتى رجل
…
الحديث. قال الدارقطني: «تفرد به أبو ثور ، عن معلى بن منصور ، عن ابن عيينة بقوله: وأهلكت. وكلهم ثقات» . وأخرجه البيهقي: (4/ 227) من طريق الأوزاعي عن الزهري به. قال البيهقي: «ضعّف شيخنا أبو عبد الله الحافظ (يعني الحاكم) رحمه الله هذه اللفظة «وأهلكت» وحملها على أنها أُدخلت على محمد بن المسيب الأرغيانى، فقد رواه أبو عليّ الحافظ عن محمد بن المسيب بالإسناد الأول دون هذه اللفظة، ورواه العباس بن الوليد عن عقبة بن علقمة دون هذه اللفظة، ورواه دُحيم وغيره عن الوليد بن مسلم دونها، ورواه كافة أصحاب الأوزاعى عن الأوزاعى دونها، ولم يذكرها أحد من أصحاب الزهرى عن الزهرى إلا ما رُوي عن أبي ثور عن معلى بن منصور عن سفيان بن عيينة عن الزهرى. وكان شيخنا يستدلّ على كونها فى تلك الرواية أيضًا خطأ بأنه نظر فى (كتاب الصوم) تصنيف المعلى بن منصور بخط مشهور فوجد فيه هذا الحديث دون هذه اللفظة. وأن كافة أصحاب سفيان رووه عنه دونها. والله أعلم». وضعفها الخطابي في «معالم السنن»:(3/ 271). وينظر «تنقيح التحقيق» : (3/ 222 - 224).
ونِسْبةُ الإهلاك إليه وحده، وإن كان يحتمل التسبب والدعاء إلى الفعل، لكنه ظاهر في انفراده بالإهلاك، وسماه إهلاكًا للمرأة؛ لتفطيرها وإيجاب القضاء عليها.
وثالثها: أن المرأة كانت غائبة ولم تستفته، وإنما سأله الأعرابيُّ عن حكم نفسه فقط، فلم يجب بيانُ حكم المرأة، وإنما بيّنه في قصة العسيف لأن له أن يبينه وألّا يبيِّنه، فإن الزيادة على السؤال جائزة، كقوله في البحر:«هو الطَّهور ماؤه الحِلّ ميتتُه»
(1)
.
ثم الفرق بينهما: أن في قصة العسيف حضر زوجُ المرأة، وكان سائلًا عن حكمها، كما حضَرَ أبو العسيف يسأل عن حكم ابنه.
(1)
تقدم تخريجه في كتاب الطهارة.
ثم حكم الرجل في الزنى كان مخالفًا لحكم المرأة، فإن حدّها كان الرجم وحدُّه الجلد، فلم يكن بيان أحدهما بيانًا للآخر، بخلاف الجِماع.
ثم الحدُّ حقّ الله يجب استيفاؤه على الإمام، بخلاف الكفّارة فإنها حقٌّ فيما بين العبد وبين الله.
ورابعها: أن الرجل أقرَّ بما يوجب الكفّارةَ والمرأةُ لم تقرّ بذلك، وقوله غير مقبول عليها.
وخامسها: أنه يمكن أنه قد ذَكَر حكمَها فلم يُنقل، ويمكن أنه صلى الله عليه وسلم أراد ذِكْر حكمها فشُغِل عنه، فإنه عدمٌ محض، والعدم المحض لا دلالة فيه.
وأما قياس هذا على الظهار فلا يصح؛ لأنها إن كانت مُظاهرة منه كما هو مُظاهر منها وجبت الكفّارة على كلّ منهما. وإن لم تكن هي مُظاهِرةً
(1)
، وقلنا: إنه لا كفّارة عليها بظهارها منه؛ فلأنّ سبب وجوب الكفّارة ــ وهو الظهار ــ مختصّ به، كما لو حلف لا يطأها، فإن كفّارة اليمين تجب عليه خاصة، وكما لو كان هو وحده مُحْرِمًا أو صائمًا، فإنه لا ينبغي أن تُمَكِّنه من نفسها لما فيه من إعانته على المعصية، ولأن فرجها حرام عليه في هذه الحال، ثم لو مكَّنته لم تجب الكفّارة إلا عليه لأنها هي ليست مُحْرِمة ولا صائمة.
فصل
(2)
وإن كانت مُستَكْرَهة بأن يضطجعها ويطأها، ولا تقدر أن تمتنع منه، أو يقيدها ونحو ذلك= فسد صومُها.
(1)
النسختين: «مظاهرًا» خطأ.
(2)
ينظر «المغني» : (4/ 376 - 377)، و «الفروع»:(5/ 43).
نصّ عليه في رواية مهنّا في مُحرِمة غَصَبها رجلٌ نفسَها، فجامعها وهي كارهة، [قال]: أخاف أن يكون قد فسد حجُّها. فقيل له: فإن غَصَبها رجلٌ نفسَها وهي صائمة فجامعها؟ قال: هو كذلك.
وفي لفظ: إذا أكرهها فوطئها فعليها القضاء. قلت: وعليها الكفّارة؟ قال: لا. قلت: فإن كانت اشتهَتْه؟ قال: لم أسمع على المرأة كفّارة.
وهذا قول ابن أبي موسى
(1)
والقاضي وأكثر أصحابنا.
وعنه: لا يفسد. ذكرها أبو الخطاب
(2)
وابن عقيل.
قال في رواية ابن القاسم
(3)
في الرجل يتوضأ فيسبقه الماء فيدخل حلقَه: لا يضره ذلك، وكذلك الذباب يدخل حلقَه، والرجل يومئ بالشيء فيدخل حلقَ الآخر، وكلُّ أمرٍ غُلِب عليه الصائم، فليس عليه قضاء ولا غيره.
فإن هذا يقتضي أنه لا يفسد الصوم بالإكراه على الجماع؛ لقوله: «ليس عليه قضاء ولا غيره» ، وغير القضاء هي الكفّارة، وإنما تجب الكفّارة في الجماع، فعُلِم أنه إذا غُلِب على الجماع لم يكن عليه قضاء ولا غيره. وهذا اختيار ابن عقيل؛ لأن الله تعالى عفا للأمة عما اسْتُكْرِهوا عليه، ولأن هذه المرأة لم يصدر منها فعل ألبته.
ولهذا لا يجب عليه حدٌّ ولا إثم ولا تعزير ولا ضمان، فإنه لو ألقى إنسانٌ إنسانًا على آخر فقتله، لم يضمنه، فإذا لم يجب الضمان مع وجوبه مع
(1)
ينظر «الإرشاد» (ص 146).
(2)
في «الهداية» (ص 159).
(3)
ذكرها في «المغني» : (4/ 474)، و «الفروع»:(5/ 42).
السهو وغيره، فأَنْ لا يُفْسِدَ العبادة أولى.
ولأنه لو حلق رأسَ مُحرِم أو قَلّم ظُفْرَه بغير اختياره لم يكن عليه جزاء، فكيف يفسد إحرامه وصيامه بذلك؟!
فعلى هذا: إن أُكْرِهت بالضرب أو الحبس أو الوعيد، حتى اضطجعت أو مكَّنت، ففيه وجهان كالوجهين
(1)
فيما إذا أُكْرِه حتى أكل بيده.
ووجه الأول: أنه جماع يوجب الغسلَ، فأفسد الصومَ والحجَ، كجماع المطاوِعَة، ولأنها عبادة تَبْطل بجماع المختارة فبطلت بجماع المستكْرَهة كالطهارة، إلا أن الأسباب الموجبة للوضوء لا تفريق بين عمدها وسهوها، بخلاف الأسباب المفسدة للإحرام، ولأن الجماع يشبه الإتلاف.
فعلى هذا لا كفّارة عليها، نصّ عليه في الصائمة في رواية مهنّا، وفي المُحرِمة المستكْرَهة في رواية ابن إبراهيم ويعقوب بن بختان وحنبل.
وفرَّق بينها وبين المطاوِعَة.
وسواء قلنا: تجب الكفّارة على الناسي والجاهل والرجل المكرَه
(2)
أو لا تجب في المشهور عند أصحابنا.
قال القاضي في «المجرد» : لا كفّارة عليه روايةً واحدةً؛ لأن المكره لا فِعْل له، ولهذا لو أُكْرِه على قتل الصيد وإتلاف مال الغير، لم يكن عليه ضمان، وإن [ق 53] وجب الضمان على الناسي.
(1)
س: «كالوجهان» ، وأصلحها في ق وأشار في هامشها إلى وقوعها كذلك في أصله.
(2)
المطبوع: «والرجل والمكره» ، خطأ.
وذكر القاضي في «خلافه» فيها روايتين:
إحداهما: كذلك.
والثانية: عليها الكفّارة كالناسي والجاهل.
وقد نصَّ أحمد في رواية الأثرم: إذا أكرهها في الحجّ، على كلِّ واحد منهما هدي. ولا ترجع به عليه على هذه الرواية كالناسي.
وقال ابن أبي موسى
(1)
: قيل عنه: عليها
(2)
كفّارة ترجع بها عليه؛ لأنه حقٌّ لزمها بسببه فكان استقراره عليه، كما لو أَكْره رجلًا على إتلاف المال أو غرَّه في نكاح أو بيع أو غيرهما أو حلق رأسَ المُحرِم بغير اختياره، فإن ضمانه عليه.
والإكراه الذي لا ريب فيه: أن يقهرها على نفسها، وسواء كان إكراه غلبةٍ مثل أنْ قَهَرها على نفسها، أو كان إكراه تمكين مثل أنْ ضرَبَها حتى مكَّنت من نفسها، فالحكم سواء. هذا قول القاضي وأبي الخطاب
(3)
.
فعليها الكفّارة هنا؛ لأن لها فعلًا صحيحًا وقصدًا واختيارًا، وإن كانت معذورةً فيه، فإن العذر لا يمنع وجوب الكفّارة، كالنسيان والجهل.
لأنه لو دفعه على إنسان فقتله، لم يكن على المدفوع دية ولا كفّارة، ولو أكرهه حتى قتله، لوجب عليه دية القَوَد، وكان هذا الفعل محرَّمًا بالإجماع.
(1)
في «الإرشاد» (ص 146).
(2)
من ق.
(3)
لم أجده في الكلام على إكراه المرأة من «الهداية» (ص 159).
وعلى الوجهين متى قَدِرَت على الدفع عن نفسها فلم تفعل، فهي كالمُطاوِعة.
وإن مانعته في أول الفعل ثم استلانت في أثنائه، فهي كالمُطاوِعة؛ لأن استدامة الوطء كابتدائه في إيجاب الكفّارة، بدليل مَن طلع عليه الفجرُ وهو مجامع. هكذا ذكره ابن عقيل.
فأما إن وطئها وهي نائمة ولم تستيقظ إلا بعد مفارقته للفعل، فقال ابن أبي موسى
(1)
: ليس عليها قضاء ولا كفّارة، وعليه القضاء والكفّارة قولًا واحدًا. لأنها لم تشعر بالجماع، ولم تجد طعمه، ولم تذق عُسَيلته.
قال: وقال بعض أصحابنا: عليها القضاء وجهًا واحدًا، يعني: كالمستكْرَهة، فإنه لم يذكر فيها خلافًا، وعليها
(2)
الكفّارة في أحد الوجهين ترجع بها عليه.
هذا قول القاضي وأصحابه، لا فرق عندهم بين النائمة والمستكْرَهة.
قال القاضي: قياس المذهب أنها تفطر؛ كما لو أكرهها على الوطء أنها تفطر؛ بخلاف ما لو أكره على الأكل، أو أكل وهو نائم، فإنه لا يفطر، كالناسي إذا أكل وأولى؛ لأن أكثر ما فيه أنها جومعت بغير اختيارها، فأشبه المقهورة، ولأنه جماع يوجب الغسل، فأفسد الصوم كسائر أنواع الجماع.
قال ابن أبي موسى
(3)
: ولو ألزمناه كفارتين عنه وعنها، كان وجهًا.
(1)
في «الإرشاد» (ص 146).
(2)
س: «وعلى» ، وأشار في ق إلى وقوعها كذلك في الأصل، وأصلحها بما هو مثبت.
(3)
في «الإرشاد» (ص 146).
فعلى هذا يُطالَب هو بالتكفير؛ كما قلنا فيمن حلق رأس
(1)
مُحرِم وهو نائم. وعلى الوجه الذي نقول فيه: ترجع عليه بالكفّارة، تُطالَب هي بها، وترجع عليه
(2)
.
وإن لم تمكِّنْه، فهي كالمستكْرَهة؛ لأنها تشعر بالجماع.
قال ابن أبي موسى
(3)
: عليها القضاء والكفّارة، ترجع بالكفّارة عليه. فإنه على الرواية التي توجب الكفّارة على المستكرهة.
وأما الموطوءة بعذر غير الاستكراه، مثل الناسية والجاهلة والمُمَكِّنة تظنه ليلًا فبان نهارًا ونحو ذلك، فذكر أبو الخطاب
(4)
أنه يفسد صومها، ولا يلزمها الكفّارة مع العذر، والعذر الإكراه والنسيان، وسوّى بين الأعذار، وألْحَق المكرهةَ بالناسية، وجعل في الرجل المعذور روايتين.
وخرَّج بعض أصحابنا وجهًا: أنه لا يفسد صومها أيضًا؛ لأن ما لا يوجب الكفّارةَ لا يفسد الصومَ مع النسيان، كالأكل.
وأما المنصوص عن أحمد والذي ذكره عامة الأصحاب: الفرق إنما هو بين المُطاوِعة والمُستكْرَهة فقط، وأن المُطاوِعة إذا نسيت أو جهلت فإنها كالرجل سواء.
وقد صرّح القاضي بالفرق بين الناسية والمستَكْرَهة. وهذا أصح؛ لأنه لا
(1)
سقطت من ق.
(2)
في هامش ق إشارة إلى أن الأصل: عليها.
(3)
«الإرشاد» (ص 147).
(4)
«الهداية» (ص 159).
فرق بين عذر المرأة وعذر الرجل في غير الاستكراه، وإنما فرَّق بينهما في الاستكراه؛ لأن المرأة لا فِعْل لها هنالك، ولأن الرجل يمتنع إكراهه على الجماع.
وإذا وطئ أَمَتَه مُطاوعِة، وأوجبنا الكفّارة، كفَّرت بالصوم. وإن استكرهها، فقال ابن أبي موسى
(1)
: الكفارتان عليه.
وهذا إذا قلنا: تجب على المكرَهة كفّارة، وتحمُّلها عنها ظاهر.
وإن قلنا: لا كفّارة على المُستكْرَهَة، فيحتمل أن تكون كذلك؛ لأنها إنما سقطت عنها تخفيفًا، وهنا تجب ابتداءً على السيد، وليس أهلًا للتخفيف عنه.
وإن قلنا: تجب عليها، ولا يحملها عنها على الرواية التي ذكرها القاضي
…
(2)
والموطوءة في الدبر كالموطوءة في القُبل في لزوم الكفّارة. ذَكَره القاضي.
وعلى قياسه المفعولُ به لواطًا؛ لأنهما يشتركان في الإفطار بذلك، ووجوب الحدّ به، فكذلك في لزوم الكفّارة به.
ويتوجه: أن لا كفّارة بهذا، لأنه لا شهوة لها فيه. فأما المستَمْتَع بها من مباشرة أو وطء دون الفرج إذا أنزلت الماء، فإنها
…
(3)
(1)
في «الإرشاد» (ص 146).
(2)
بياض في النسختين.
(3)
بياض في النسختين.