الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وأما ادّعاء النّسْخ، فلا يصح لوجوه:
أحدها: أن الذي في الحديث أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم احتجمَ وهو محرم صائم، ولم يبيّن أن هذا الإحرام كان في حجة الوداع؛ فيجوز أن يكون كان في إحرامه بعمرة الحديبيّة أو إحرامه بعمرة القضيّة، وكلاهما قبل الفتح، فيكون احتجامُه وهو صائم منسوخًا بقوله بعد ذلك:«أفطرَ الحاجمُ والمحجومُ» .
والذي
(1)
يؤيد هذا القول وجوه:
أحدها: ما روى أحمد، عن الحَجّاج، عن الحكم، عن مِقْسم، عن ابن عباس أنه قال: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم احتجم صائمًا محرمًا، فغُشِي عليه، فلذلك
(2)
كَرِه الحجامةَ للصائم». رواه أحمد
(3)
.
وفي لفظ عن ابن عباس أنه قال: «احتجم رسولُ
(4)
الله صلى الله عليه وسلم بالقاحَة وهو محرم صائم، فوَجَد لذلك ضعفًا شديدًا، فنهى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أن يحتجم الصائمُ». رواه الجوزجاني
(5)
.
(1)
. من س.
(2)
. س: «فكذلك» .
(3)
. (2228). في سنده نصر بن باب وهو ضعيف، كما في «الميزان»:(4/ 250)، وفيه الحجاج بن أرطاة، ضعيف ومدلس. وأخرجه النسائي في «الكبرى» (3214) من طريق شعبة عن الحكم به. قال شعبة: والحكم لم يسمع من مقسم» يعني حديث الحجامة، وبه أعله النسائي.
(4)
. المطبوع: «النبي» .
(5)
. في كتاب «المترجم» كما نقله ابن قدامة في «المغني» : (4/ 351) وأخرجه أحمد (2127). وابن الجعد (318) من طريق شعبة عن الحكم عن مقسم به. وتقدم الكلام على سماع الحكم من مقسم. وليس فيها قوله: «فوجد لذلك ضعفًا
…
»، وأخرجه البزار (5236) بسندٍ فيه ضعف وفيه:«فنزف حتى خشي عليه» .
و
(1)
عن الحكم قال: «احتجم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وهو صائم فضَعُف، [ق 69] ثم كُرِهت الحجامةُ
(2)
للصائم
(3)
.
وعن الشعبيّ: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم احتجم وهو محرم، وتزوّج الهلاليّة وهو محرم. رواه سعيد
(4)
.
وكان تزوّج ميمونة بنت الحارث الهلالية في عُمرة القضاء، فعُلِمَ أن احتجامه كان في عمرة القضاء، وذلك قبل الفتح، وقبل قوله:«أفطرَ الحاجمُ والمحجومُ» .
فهذا يبين أن الكراهة كانت بعد احتجامه مُحْرِمًا، ويؤيد ذلك ما روى الجُوزجاني: أن ابن عباس كان يُعدّ الحجّام والمحاجم، فإذا غابت الشمس احتجم بالليل
(5)
.
ولولا علمه بأن احتجام الصائم غير جائز لَمَا فعل ذلك.
(1)
. سقطت الواو من المطبوع.
(2)
. س: «المحاجم» .
(3)
. لم أجده عن الحكم هكذا مرسلًا، وقد سبق من طريق الحجاج عنه عن مقسم عن ابن عباس بنحوه.
(4)
. وأخرجه ابن سعد في «الطبقات» : (8/ 136)، وعبد الله بن أحمد في «العلل»:(3/ 339).
(5)
. بعده في س: «رواه الجوزجاني» . وإليه عزاه في «المغني» (4/ 351 - 352). وقد روي نحوه عن ابن عمر ــ وقد سبق ــ، وعن أنس كما سيأتي.
الثاني: لو كان هو المتقدِّم للزم تغيير الحكم مرتين؛ لأن الحجامة كانت غير محظورة، ثم نَهَى عنها، فإذا أَذِن فيها بعد ذلك، فقد غيّر الحكمَ مرتين
(1)
، بخلاف ما إذا كان الإذن قبل النهي.
الثالث: أن الصحابة رضي الله عنهم علموا أن النهيَ آخرُ الأمرين، كما تقدّم عن ابن عمر وغيره، ولهذا رجعوا عن القول بالاحتجام إلى تركه، وأبو موسى وابن عباس كانا يكرهان الحجامة للصائم، وهما ممن رويا حجامة النبي صلى الله عليه وسلم وهو محرم، بل عليهما مدار الحديث
(2)
.
الوجه الثاني: أن هذا الحديث لا يخالف قولَه: «أفطرَ الحاجمُ والمحجوم» ؛ لأن فيه أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم احتجم وهو محرم، وفي لفظ للبخاري
(3)
: «مِن وجعٍ به» والنبيُّ صلى الله عليه وسلم لم يكن محرمًا في رمضان قط؛ لأن إحرامه بعُمَرِه الثلاثة وبحِجّة الوداع في ذي القعدة، فيكون هذا الصوم
(4)
تطوُّعًا. ثم كان مريضًا، والمريض يجوز له الفطر، ثم كان مسافرًا، لأنه لم يكن محرمًا مقيمًا قط.
فإذا كان الفطر جائزًا له من
(5)
هذه الوجوه الثلاثة، فيكون قد احتجم وإن أفطر بالحجامة، فإنه ليس في الحديث لا عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه
(1)
. من قوله «لأن الحجامة .. » إلى هنا ساقط من س وهو انتقال نظر.
(2)
. س: «هذا الحديث» .
(3)
. (5700).
(4)
. في س: «الوداع كان
…
والصوم كان».
(5)
. المطبوع: «في» .
أنه بقي على صومه، بل قد
(1)
أفطر في رمضان لمَّا أصابَ أصحابَه الجَهْد، فَلَأن يفطر في مرضٍ أصابه بطريق الأولى، لما روي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاء فأفطر
(2)
.
وقد قيل: يجوز أن يكون ركَّب المحاجمَ نهارًا واحتجمَ ليلًا؛ كما
(3)
روى أبو بكر
(4)
، عن جابر
(5)
(6)
.
(1)
. ليست في س.
(2)
. «لما روي .. فأفطر» من ق، وفي س مكانها بياض. وقد تقدم تخريج الحديث.
(3)
. المطبوع: «لما» .
(4)
. كذا في النسختين، والظاهر أنه تصحيف صوابه «أبو الزبير» كما سيأتي في التخريج.
(5)
. أخرج ابن حبان (3536)، والطبراني في «الأوسط» (4527) من طريق هشام بن عمار، حدثنا سعيد بن يحيى، حدثنا جعفر بن برقان، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله:«أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أبا طيبة أن يأتيه مع غيبوبة الشمس، فأمره أن يضع المحاجم مع إفطار الصائم، فحجمه، ثم سأله: «كم خراجك» ؟ قال: صاعين، فوضع صلى الله عليه وسلم عنه صاعًا».
قال ابن أبي حاتم في «العلل» (753): «سألت أبي عن حديث رواه جعفر بن برقان، عن أبي الزبير، عن جابر: أن النبيَّ أمر أبا طيبة .. الحديث؟ فقال: هذا حديث منكر، وجعفر بن برقان لا يصح له السماع من أبي الزبير، ولعل بينهما رجلًا ضعيفًا» . وقال الطبراني: «لم يرو هذا الحديث عن جعفر بن برقان إلا سعيد بن يحيى، تفرّد به هشام بن عمار» .
(6)
. ما بين المعكوفين بياض في النسختين، والإكمال من مصادر الحديث.
وأما حديث أبي سعيد، فقال ابن خزيمة
(1)
: «قوله: «والحجامة للصائم» إنما هو من قول أبي سعيد لا عن النبي صلى الله عليه وسلم، أُدْرِج في الخبر».
وقال عن الآخر
(2)
: «الصحيح في هذا الخبر أنه منقطع غير متصل، والذي وصَلَه عبدُ الرحمن بن زيد بن أسلم، وعبد الرحمن ليس ممن يحتجُّ أهلُ الحديث بحديثه؛ لسوء حفظه للأسانيد، لأنه رجل صَنْعته
(3)
العبادة والتقشّف والموعظة، وليس من أحلاس الحديث الذي يحفظ الإسناد».
وقال
(4)
أبو بكر: سمعت محمد بن يحيى يقول: هذا الحديث غير محفوظ عن أبي سعيد، ولا عن عطاء بن يسار، والمحفوظ عندنا حديث سفيان ومعمر.
يعني: أنهما روياه عن زيد بن أسلم، [عن صاحبٍ له]
(5)
، عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
ثم إن صحّ هذا
(6)
الحديثُ فهو منسوخ بحديث: «أفطرَ الحاجمُ والمحجومُ» ، ويدلّ على ذلك أن فيه القيء والاحتلام، ومعلوم أنه لو استقاء أو استمنى أفطر؛ فكذلك إذا احتجم، أو أنه محمول على ما إذا احتجم ساهيًا
(1)
. «الصحيح» : (3/ 230).
(2)
. نفسه: (3/ 232).
(3)
. س: «ضيعته» ، تصحيف.
(4)
. س: «قال» . وأبو بكر هو ابن خزيمة، قاله في «صحيحه»:(3/ 235). وتقدم الكلام على الحديث.
(5)
. زيادة من المصادر، ويقتضيها السياق.
(6)
. سقطت من المطبوع.
أو حُجم
(1)
بغير اختياره، فإنه قَرَنه بالقيء والاحتلام، وهما يخرجان من المرء بغير اختياره
(2)
، فكذلك ما ذُكِر معهما ينبغي أن يكون كذلك.
وأما حديث أنس
(3)
أن الرخصةَ بعد النهي، فضعيف؛ فإنّ في الذي جوَّده الدارقطنيُّ خالدَ بن مخلد، قال أحمد: له أحاديث مناكير، ولعل هذا مِن أنْكَرِها؛ لأن
(4)
أنسًا ذكر أنهم كانوا يكرهون ذلك لأجل الجَهد كما رواه البخاري
(5)
، وهذه الكراهة باقية.
ولأن أحمد روى بإسناده
(6)
عن هشام، عن
(7)
محمد، قال:«كان أنس إذا شقّ عليه الدمُ في الصوم، أرسل إلى الحجّام عند غروب الشمس، فوضع المحاجم، فإذا غربت شرَط» .
ولو كان عنده إذْنٌ من النبي صلى الله عليه وسلم في الحجامة
(8)
لم يفعل مثل هذا. ومخالفةُ البصريين له مع أنهم أصحاب أنس
(9)
.
(1)
. س: «حجمه حاجم» .
(2)
. من قوله: «فإن قرنه .. » إلى هنا سقط من س وهو انتقال نظر.
(3)
. تقدم تخريجه والكلام عليه.
(4)
. س: «لا» سهو.
(5)
. لفظ البخاري (1940): «من أجل الضعف» ، ولفظ «الجهد» في رواية أبي داود وغير، وقد سبق.
(6)
. «المسند» (1940). ورواه ابن سعد في «الطبقات» : (5/ 338) بإسناده عن هشام به. وروي نحوه من طريق آخر. ذكره الدارقطني في «العلل» (2485).
(7)
. ق والمطبوع: «بن» تصحيف.
(8)
. «في الحجامة» من س.
(9)
. كذا وفي الكلام نقص.
وأن الكراهة بعد موت جعفر
…
(1)
.
ثم مِن أصحابنا مَن سلك فيها مسلكَ التعبُّد الصّرْف، ورأى خروجَها عن مسالك القياس، وجعَلَها موضعَ استحسان، فقدّم
(2)
فيه النصَّ على القياس. هذه طريقة ابن عقيل.
ومنهم مَن سلك فيها ضربًا من التعليل؛ فقال القاضي: استدعاء شيء من بدنه نُهي عنه نهيًا يختصّ الصومَ
(3)
فأفسدَ الصومَ، كاستدعاء القيء. وهو أن الاحتجام
(4)
استخراجُ ما به قِوام البدن، فجاز أن يُفْطِر به كاستخراج القيء والمنيّ والمذي ودم الحيض.
وهذا لأن الصائم لما مُنع من الأكل والشرب ليحصّل حكمةَ الصوم التي هي التقوى، كما قال تعالى:{كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183]، وللنفس على الإنسان حقّ لا بُدّ من رعايته= راعَى الشرعُ جانبَ حقّ النفس وحفظ القوة، حسمًا لمادة الغلوّ في الدين والمروق منه، وتحصيلًا لمصلحة الاغتذاء التي لا بُدّ منها أيضًا؛ فنهى صلى الله عليه وسلم عن الوصال
(5)
، وأمر بتعجيل الفطر
(6)
، وتأخير السّحور،
(1)
. بياض في س.
(2)
. س: «قدم» .
(3)
. المطبوع: «بالصوم» .
(4)
. «هو أن الاحتجام» سقطت من س.
(5)
. أخرجه البخاري (1965)، ومسلم (1103).
(6)
. س: «الفطور» . والحديث أخرجه البخاري (1957)، ومسلم (1098).
وجعل أفضل الصيام صيام يوم وفطر يوم
(1)
، وقال:«لكنِّي أصومُ وأفطر وأقومُ وأنام، فمن رغبَ عن سنّتي فليسَ مِنّي»
(2)
، وقال:«مَن صام الدهرَ فلا صام ولا أفطر»
(3)
.
ومنع جماعةً من أصحابه من تكثير الصيام، منهم: عبد الله بن عمرو
(4)
، والنَّمِر بن تَوْلَب
(5)
، والباهلي
(6)
.
وعابَ على مَن قال: أمّا أنا فأصومُ لا أفطر
(7)
.
كلُّ ذلك تعديلًا وأخذًا بخيار الأمور التي هي [ق 70] أوساطها.
فإذا كان هذا مصلحة جليلة قد شهد لها
(8)
الشرعُ بالاعتبار، وكان
(1)
أخرجه البخاري (1976) ومسلم (1159).
(2)
. أخرجه البخاري (5063)، ومسلم (1401).
(3)
. أخرجه مسلم (1162).
(4)
. أخرجه البخاري (1975 - 1980)، ومسلم (1159).
(5)
. أخرجه أحمد (20737)، وأبو داود (2999). وصححه ابن حبان (6557)، والألباني في «الصحيحة»:(6/ 847).
(6)
. أخرجه أحمد (20323)، وابن ماجه (1741)، وأبو داود (2428)، والنسائي في «الكبرى» (2756) من طريق أبي مجيبة الباهلي، عن أبيه، أو عن عمه، ووقع عند أحمد وأبي داود:«مجيبة الباهلية، عن أبيها، أو عمها» ، وعند النسائي:«مجيبة الباهلي، عن عمه» . وسنده ضعيف، قال الذهبي في «الميزان»:(3/ 440): «غريب لا يعرف» . وقال ابن حجر في «تبيين العجب» (ص 10): «في إسناده من لا يعرف» . وضعّف الحديث الألباني في «ضعيف أبي داود - الأم» : (2/ 283).
(7)
. وذلك في حديث «من رغب عن سنتي
…
» وقد تقدم تخريجه آنفًا.
(8)
. سقطت من المطبوع.
الصائم إذا خرج منه القيء
(1)
خلا من الغذاء الذي هو مادّته، فإذا اسْتُخْرِج منه الدمُ الذي به قِوام بدنه، وإليه استحال الغذاء، ضَعُف بذلك، وإذا خرج منه المنيّ الذي هو صفاوة الدم ضعُف أيضًا، وكذلك إذا خرج دمُ الحيض= منعه الشارع من استخراج هذه الأشياء كما
(2)
منعه من استدخال ما يكون خَلَفًا منها وبدلًا عنها، وصار المقصود الأصلي من الصوم هو الكفّ عن الإدخال، والكفّ عن الإخراج تابِعٌ له ومطلوب في ضمنه.
فأما ما غُلِب عنه المرء من هذه الأشياء، مثل أن يذْرَعَه القيءُ، أو يَرعُف، أو يُجرح جرحًا بغير اختياره، أو يحتلم، ونحو ذلك= لم يفطر به؛ لأنه بمنزلة ما يدخل جوفَه من الغبار والدقيق ونحو ذلك، ولأن امتناعه من هذه الأشياء لا يدخل تحت قدرته.
وأما دم الحيض: فلما كان له أوقات معلومة يمكن الاحتراز عن الصوم فيها لا تتكرّر دائمًا، صار الامتناعُ مِن الصوم معه مِن
(3)
جملة ما يقدر عليه الإنسان.
ولهذا إذا صار دمَ استحاضة، وهو الخارج عن الأمر المعتاد لم يمنع صحةَ الصوم. وخرج عن
(4)
هذا استخراج البول والغائط ونحوهما من وجهين:
(1)
. ليست في س.
(2)
في النسختين والمطبوع: «لما» ولعلها ما أثبت.
(3)
. في المطبوع في الموضعين: «في» .
(4)
. س: «على» .