الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
باب نكاح أهل الشرك
وإذا تزوج الكافر بغير شهود، أو في عدة كافر آخر، وذلك في دينهم جائز، ثم أسلما؛ أقرا عليه، وهذا عند أبي حنيفة رحمه الله وقال زفر رحمه الله: النكاح فاسد في الوجهين، إلا أنه لا يتعرض لهم قبل الإسلام، والمرافعة إلى الحكام.
ــ
[البناية]
[باب نكاح أهل الشرك]
[تزوج الكافر بغير شهود أو في عدة كافر آخر ثم أسلما]
م: (باب نكاح أهل الشرك)
ش: أي هذا باب في بيان نكاح أهل الشرك، وهم الذين لا كتاب لهم. م:(وإذا تزوج الكافر بغير شهود، أو في عدة كافر آخر، وذلك) ش: أي التزوج بغير شهود، أو في عدة الكافر م:(في دينهم جائز، ثم أسلما أقرا) ش: على صيغة المجهول م: (عليه) ش: أي على نكاحهما المذكور، قيد بعدة كافر، لأنه لو كان في عدة مسلم كان التزوج فاسدا بالإجماع، كذا قالوا، وفيه نظر؛ لأن كلامنا في أهل الشرك، ولا يجوز للمسلم نكاح المشركة، حتى يكون في عدة، كذا قاله الأكمل، ثم قال: ويجوز أن تصور بأن أشركت بعد الطلاق - والعياذ بالله تعالى - في عدة المسلم.
م: (وهذا عند أبي حنيفة رحمه الله) ش: قال الأترازي: إنما قال: وهذا عند أبي حنيفة، ولم يقل: ابتداء عند أبي حنيفة بدون ذكر هذا، لأن مسألة القدوري ليس فيها ذكر الخلاف، فقال صاحب " الهداية ": وهذا عند أبي حنيفة كشفا لموضع الخلاف، ولكن من حق المسألة أن يصفها في الفصل المتقدم على باب الرقيق؛ لأن ذلك الفصل هو المشتمل على نكاح الذمي.
وقد أراد بالكافر هاهنا الذمي، بدليل ما ذكره في بيان الدليل، وإنما لا يتعرض بهم لذمتهم، والمشرك لا ذمة له، ولأنه قال: إن حرمة نكاح المعتدة مجمع عليه، فكانوا ملتزمين لها، والمشرك لا يلتزم أحكامنا أصلا، فعلم أن المراد من الكافر المذكور في المسألة المذكورة هو الذمي، وكان ينبغي أن يذكره في بابه، لا في باب المشرك الذي لا كتاب له، انتهى.
قلت: فعلى هذا لا مطابقة بين ترجمة هذا الباب وباب نكاح أهل الشرك، وبين المسألة التي صدر بها الكتاب.
م: (وقال زفر: النكاح فاسد في الوجهين) ش: أي في النكاح بغير شهود، وفي النكاح في عدة الكافر م:(إلا أنه لا يتعرض لهم قبل الإسلام، والمرافعة) ش: أي وقبل المرافعة م: (إلى الحكام) ش: إنما يتعرض لهم إعراضا عنهم، لا تقربوا على صنعهم الفاحش القبيح، وترك التعرض لا يدل على الحرمة، كما في عبادة الأوثان والنيران، فإذا أسلموا أو ترافعوا إلينا وجب التفريق دفعا للحرمة القائمة.
وقال أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله - في الوجه الأول كما قال أبو حنيفة رحمه الله، وفي الوجه الثاني: كما قال زفر رحمه الله. له أن الخطابات عامة على ما مر من قبل، فتلزمهم، وإنما لا يتعرض لهم لذمتهم إعراضا، لا تقريرا. فإذا ترافعوا أو أسلموا والحرمة قائمة وجب التفريق. ولهما أن حرمة نكاح المعتدة مجمع عليها، فكانوا ملتزمين لها. وحرمة النكاح بغير شهود مختلف فيها، ولم يلتزموا أحكامنا بجميع الاختلافات. ولأبي حنيفة رحمه الله أن الحرمة لا يمكن إثباتها حقا للشرع؛ لأنهم لا يخاطبون بحقوقه،
ــ
[البناية]
م: (وقال أبو يوسف ومحمد في الوجه الأول) ش: أي في النكاح بغير شهود م: (كما قال أبو حنيفة، وفي الوجه الثاني) ش: أي في النكاح في عدة الكافر م: (كما قال زفر) ش: وبه قال الشافعي وأحمد م: (له) ش: أي لزفر م: (أن الخطابات عامة) ش: مثل قَوْله تَعَالَى: {وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ} [البقرة: 235](البقرة: الآية 235) .
وقَوْله تَعَالَى: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ} [المائدة: 49](المائدة: الآية 49) .
وقوله عليه السلام: «لا نكاح إلا بشهود» م: (على ما مر من قبل) ش: إشارة إلى ما قال في أول الفصل، الذي فيه تزويج النصراني بقوله: وهذا الشرع وقع عاما، فثبت الحكم على العموم، م:(فتلزمهم) ش: أي الخطابات، أي مقتضاها يلزمهم.
م: (وإنما لا يتعرض لهم لذمتهم) ش: أي لأجل كونهم التزموا عقد الذمة م: (إعراضا) ش: عنهم م: (لا تقريرا) ش: على فعلهم الباطل م: (فإذا ترافعوا) ش: إلى الحكام م: (أو أسلموا، والحرمة قائمة) ش: أي ثابتة، والجملة حالية م:(وجب التفريق) ش: بين من كان منهم من الأزواج والزوجات.
م: (ولهما) ش: أي لأبي يوسف ومحمد م: (أن حرمة نكاح المعتدة مجمع عليها) ش: أي معتدة الغير أجمعوا على حرمتها، سواء كان الغير مسلما أو كافرا م:(فكانوا ملتزمين لها) ش: أي خلافا باطلا في حقهم أيضا؛ لأنهم أتباع لنا، ولكنا لا نتعرض بعقد الذمة، فلما ترافعا، أو أسلما وجب الحكم بما هو حكم الإسلام.
م: (وحرمة النكاح بغير شهود مختلف فيها) ش: بين العلماء؛ فإن مالكا وابن أبي ليلى وعثمان يجوزونه م: (ولم يلتزموا أحكامنا بجميع الاختلافات) ش: ولكن عدم تعرضنا لأجل عقد الذمة م: (ولأبي حنيفة رحمه الله أن الحرمة لا يمكن إثباتها حقا للشرع؛ لأنهم لا يخاطبون بحقوقه) ش: أي بحقوق الشرع، ولهذا لا يتعرض لهم في الخمر والخنزير، بخلاف الربا؛
ولا وجه إلى إيجاب العدة حقا للزوج؛ لأنه لا يعتقده، بخلاف ما إذا كانت تحت مسلم؛ لأنه يعتقده، وإذا صح النكاح فحالة المرافعة، والإسلام حالة البقاء، والشهادة ليست شرطا فيها، وكذا العدة لا تنافيها كالمنكوحة إذا وطئت بشبهة. فإذا تزوج المجوسي أمه، أو ابنته ثم أسلما فرق بينهما؛ لأن نكاح المحارم له حكم البطلان فيما بينهم عندهما كما ذكرنا في المعتدة، ووجب التعرض بالإسلام فيفرقا،
ــ
[البناية]
لأنه مستثنى بقوله عليه السلام: «إلا من أربى، فليس بيننا وبينه عهد» م: (ولا وجه إلى إيجاب العدة حقا للزوج؛ لأنه) ش: أي لأن الزوج م: (لا يعتقده) ش: أي لا يعتقد وجوب العدة م: (بخلاف ما إذا كانت) ش: أي الذمية م: (تحت مسلم لأنه) ش: أي لأن المسلم م: (يعتقده) ش: أي يعتقد وجوب العدة.
م: (وإذا صح النكاح) ش: بينهما م: (فحالة المرافعة) ش: إلى الحاكم م: (والإسلام) ش: وقوله: فحالة المرافعة مرفوع بالابتداء وقوله: م: (حالة البقاء) ش: خبره م: (والشهادة ليست شرطا فيها) ش: أي في حالة البقاء، ولهذا لو مات الشهود لم يبطل النكاح م:(وكذا العدة لا تنافيها) ش: أي لا تنافي حالة البقاء م: (كالمنكوحة إذا وطئت بشبهة) ش: يجب عليها العدة صيانة لحق الوطء، ولا يبطل النكاح القائم.
م: (فإذا تزوج المجوسي أمه، أو ابنته، ثم أسلما فرق بينهما) ش: بإجماع الأئمة الأربعة م: (لأن نكاح المحارم له حكم البطلان فيما بينهم عندهما) ش: أي عند أبي يوسف ومحمد، لأن الخطاب بحرمه هذه الأنكحة شائع في ديارنا، وهم من أهل دارنا، فثبت الخطاب في حقهم، إذ ليس في وسع المتتبع التبليغ إلى الكل، بل في وسعه جعل الخطاب شائعاً، فيجعل شيوع الخطاب كالوصول إليهم، ألا ترى أنهم لا يتوارثون بهذه الأنكحة.
فلو كان صحيحاً في حقهم لتوارثوا م: (كما ذكرنا في المعتدة) ش: أشار إلى ما ذكر في المسألة المتقدمة بقوله: ولهذا أن حرمة نكاح المعتدة مجمع عليها، فكانوا ملتزمين.
م: (ووجب التعرض بالإسلام فيفرقا) ش: لأن الإسلام ينافيه، ولما أسلما دخلا في حكم الإسلام فيفرق بينهما، وفي " العناية " إذا أسلم أحدهما فرق بينهما القاضي سواء وجد الترافع، أو لم يوجد.
وقال محمد: إذا وجد الرفع من أحدهما يفرق، وإلا فلا، على ما يجيء الآن، وفي " المبسوط " لو تزوج الذمي محرمه لا يتعرض له، وإن علم القاضي ما لم يرافعا إليه إلا في
وعنده له حكم الصحة في الصحيح، إلا أن المحرمية تنافي بقاء النكاح فيفرق، بخلاف العدة؛ لأنها لا تنافيه، ثم بإسلام أحدهما يفرق بينهما، وبمرافعة أحدهما لا يفرق عنده، خلافا لهما. والفرق أن استحقاق أحدهما لا يبطل بمرافعة صاحبه، إذ لا يتغير به اعتقاده، أما اعتقاد المصر بالكفر لا يعارض إسلام المسلم، لأن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه،
ــ
[البناية]
قول أبي يوسف الآخر أنه يفرق بينهما إذا علم ذلك، لما روي أن عمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - كتب إلى عماله أن فرقوا بين المجوس ومحارمهم.
قلنا: هذا غير مشهور، وإنما المشهور ما كتب عمر بن عبد العزيز - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - إلى الحسن البصري قال: ما بال الخلفاء الراشدون تركوا أهل الذمة، وما هم عليه من نكاح المحارم، وإفشاء الخمور والخنازير، فكتب إليه إنما بذلوا الجزية ليتركوا ما يعتقدون، وإنما أنت متبع، ولست بمبتدع والسلام، ولأن الولاة والقضاة من ذلك الوقت إلى يومنا هذا لم يشتغل أحد منهم بذلك، مع علمهم بمباشرتهم ذلك، فحل محل الإجماع.
م: (وعنده) ش: أي عند أبي حنيفة رحمه الله م: (له حكم الصحة) ش: أي لنكاح المحارم حكم الصحة م: (في الصحيح) ش: احترز به عن قول مشايخ العراق: إن حكم البطلان في حقهم كقول أبي يوسف ومحمد، فلا يتعرض لهم لعقد الذمة. وجه الصحيح أن الخطاب في حقهم كأنه غير نازل؛ لأنهم يكذبون المبلغ، ويزعمون عدم رسالته، وولاية الإلزام بالسيف والمحاجة، وقد انقطعت بعقد الذمة وقصر حكم الخطاب عنهم، وشيوع الخطاب إليهم إنما يعتبر في حق من يعتقد رسالة المبلغ، فإذا اعتقدها بالإسلام ظهر حكم الخطاب.
م: (إلا أن المحرمية) ش: جواب عن هذا التشكيك، ووجها المحرمية م:(تنافي بقاء النكاح فيفرق) ش: بينهما كما لو اعترضت المحرمية على نكاح المسلمين برضاع أو مصاهرة م: (بخلاف العدة؛ لأنها لا تنافيه) ش: أي لأن العدة لا تنافي بقاء النكاح م: (ثم بإسلام أحدهما يفرق بينهما) ش: بالاتفاق م: (وبمرافعة أحدهما لا يفرق عنده) ش: أي لا يفرق بينهما عند أبي حنيفة م: (خلافا لهما) ش: أي لأبي يوسف ومحمد، وقد مر الكلام فيه عن قريب.
م: (والفرق) ش: يعني بين التفريق بإسلام أحدهما، وعدم التفريق بمرافعة أحدهما م:(أن استحقاق أحدهما) ش: بواجب النكاح وحقوقه م: (لا يبطل بمرافعة صاحبه، إذ لا يتغير به اعتقاده) ش: يعني اعتقاده بمرافعة صاحبه، وهذا المعنى موجود فيما إذا أسلم أحدهما أيضا، لكن يترجح الإسلام، فيفرق بينهما بإسلام أحدهما، وهو معنى قوله: م: (أما اعتقاد المصر) ش: على دينه الباطل م: (لا يعارض إسلام المسلم؛ لأن الإسلام يعلو) ش: على كل شيء م: (ولا يعلى) ش: أي لا يعلى م: (عليه) ش: شيء، فلا يعارضه إصرار الآخر على دينه.