الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يبقى شيء، وهو أن كلمة " مع " للقران، قلنا قد تذكر للتأخر كما في قَوْله تَعَالَى:{فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} [الشرح: 5]{إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} [الشرح: 6] الشرح الآية: 6 فحمل عليه بدليل ما ذكرنا من معنى الشرط.
ولو قال: إذا جاء غد فأنت طالق ثنتين، وقال المولى: إذا جاء غد فأنت حرة، فجاء الغد لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره
ــ
[البناية]
فإن قلت: كيف سمى المصنف إضافة الطلاق إلى زمان الإعتاق تعليقًا، والمعلق غير مضاف. قلت: أجيب: بأنه سماها تعليقًا مجازًا لا حقيقة، لأن التعليق توقيف الأمر على أمر بحرف الشرط، فلما وجد توقف الطلاق على العتاق سماه تعليقًا، وإن لم يذكر لحوق الشرط فصار كأنه قال أنت طالق إن أعتق مولاك.
م: (يبقى شيء) ش: أي إشكالًا م: (وهو أن كلمة " مع " للقران) ش: عند أرباب اللسان، حاصل هذا أنه اعتذار عما ورد على كلامه، حيث قال يكون الطلاق متأخرًا عن العتق فورد عليه بأن قال لا نسلم أنه متأخر عنه، لأن كلمة مع للقران والصحبة، فقال: سلمنا ذلك لكن م: (قلنا: قد تذكر) ش: أي لفظ مع م: (للتأخر) ش: مجازًا، م:(كما في قَوْله تَعَالَى: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} [الشرح: 5] {إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} [الشرح: 6] ش: (الشرح: 5، 6) ، لأنه لا يمكن المعية بين العسر واليسر للتضاد بينهما، فيحمل على التأخير، وتحقيقه أن كلمة مع قد تذكر للاقتران في زمان الوجود، وقد تذكر للاقتران في أصل الوجود كما في قَوْله تَعَالَى:{وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ} [النمل: 44](النمل: 44)، وكما في قَوْله تَعَالَى:{إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} [الشرح: 6](الشرح: 6) ، فلو كان المراد هو الأول يحرم حرمة غليظة، ولو كان المراد هو الثاني لا يحرم، والحرمة الغليظة لم تكن ثابتة فلا يثبت بالشك والاحتمال.
فإن قيل: ينقض هذا بما ذكر في " الجامع " بقوله لامرأته أنت طالق مع نكاحك، حيث لم يصح ولم يصر معنى الشرط، فينبغي أن يكون كذلك، كما في قوله مع عتق مولاك - إلى آخره - بأن العدول عن حقيقة معنى القران باعتبار أنه ملك للتطليق تخييرًا تعليقًا، فكان من ضرورة كلامه أن يحمل على معنى الشرط، أما هاهنا لم يملك الطلاق، والطلاق مع النكاح متنافيان، فلا يلزم العدول عن معنى القران، فيلغو ضرورة.
وقال الكاكي: وهذا الجواب لم يتضح لي لأنه تمليك بتعليق الطلاق بالنكاح، فيمكن تصحيح كلامه على اعتبار معنى الشرط فينبغي أن يحمل عليه.
م: (فيحمل عليه) ش: أي إذا كان الأمر كذلك فيحمل لفظ مع على التأخر، كما في الآية الكريمة م:(بدليل ما ذكرنا من معنى الشرط) ش: لضرورة تصحيح الكلام.
[قال الرجل لامرأته الأمة إذا جاء غد فأنت طالق ثنتين]
م: (ولو قال: إذا جاء غد فأنت طالق ثنتين) ش: أي ولو قال الرجل لامرأته الأمة إذا جاء غد فأنت طالق ثنتين م: (وقال المولى: إذا جاء غد فأنت حرة فجاء الغد لم تحل له حتى تنكح زوجًا غيره
وعدتها ثلاث حيض، وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله - وقال محمد رحمه الله: زوجها يملك الرجعة عليها؛ لأن الزوج قرن الإيقاع بإعتاق المولى حيث علقه بالشرط الذي علق به المولى العتق، وإنما ينعقد المعلق سببا عند الشرط والعتق يقارن الإعتاق لأنه علته أصله علته، أصله الاستطاعة مع الفعل فيكون التطليق مقارنا، للعتق ضرورة
ــ
[البناية]
ش: لأنها حرمت عليه حرمة غليظة م: (وعدتها ثلاث حيض) ش: أي عدة الحرائر.
وهذه المسألة لا خلاف فيها على رواية أبي سليمان الجرجاني، وفيها الخلاف على رواية أبي حفص الكبير، أشار إليه بقوله م:(وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال محمد زوجها يملك الرجعة) ش: يعني لا تحرم حرمة غليظة. وللشافعي قولان، لكن صورة المسألة عنده في العبد كما ذكرنا م:(لأن الزوج قرن الإيقاع) ش: أي إيقاع الطلاق م: (بإعتاق المولى، حيث علقه بالشرط الذي علق به المولى) ش:، وذلك أن الزوج أضاف الطلاق إلى زمان أضاف إليه المولى الإعتاق وهو مجيء الغد.
م: (وإنما ينعقد المعلق سببًا عند الشرط) ش: يعني المعلق إنما يكون سببًا للإيقاع عند وجود الشرط، فكأنا مقترنين في السببية فحكمه أيضًا كذلك م:(والعتق يقارن الإعتاق لأنه) ش: أي لأن الإعتاق م: (علته) ش: أي علة العتق، والعلة مع المعلول يقترنان عند الجمهور. وعند البعض يتعاقبان في العلة الشرعية، والتصرفات الشرعية بمنزلة الجواهر م:(أصله الاستطاعة مع الفعل) ش: يعني الاستطاعة التي يحصل بها الفعل لا تسبق الفعل، لأن الفعل معلول لها، فيقترنان في الحكم، لأنها لو سبقت لا يخلو إما أن تبقى إلى زمان وجود الفعل أولًا، فيلزم في الأول قيام العرض بالعرض، وفي الثاني يلزم حصول الفعل بلا قدرة، وهو محال، فكذا الإعتاق لا يستبق العتق، لأن العتق معلوله.
م: (فيكون التطليق مقارنًا للعتق ضرورة) ش: لأن الإعتاق أيضًا مقارن بمجيء الغد، لأن المقارن لمقارن الشيء مقارن لذلك الشيء لا محالة، فالطلاق بعد العتق فاسد، لأن الطلاق حكم التطليق لا يتأخر عنه، والتطليق يقارن الإعتاق، والإعتاق يقارن العتق، والطلاق يقارن العتق، كان المقارن للمقارن للشيء مقارن لذلك الشيء، فكيف يقع بعده، انتهى.
وقال الكاكي: لا يتضح قول محمد إلا أن يوصف حكم العلة بتأخر عن العلة كما هو مذهب البعض كما وصفه شمس الأئمة في مسألة أنت طالق مع عتق مولاك إياك
…
إلى آخره.
وقال تاج الشريعة: اختلف المشايخ في جواز تأخير المعلولات عن العلل الشرعية، بعضهم قالوا لا يجوز ذلك، وبعضهم جوزه، لأن العلل الشرعية بمنزلة الجواهر على ما عرف، فمحمد أخذ في الطلاق بجواز التأخر، وفي العتق بالمقارنة.
فتطلق بعد العتق. فصار كالمسألة الأولى، ولهذا تقدر عدتها بثلاث حيض. ولهما أنه علق الطلاق بما علق به المولى العتق، ثم العتق يصادفها وهي أمة، وكذا الطلاق والطلقتان تحرمان الأمة حرمة غليظة، بخلاف المسألة الأولى، لأنه علق التطليق بإعتاق المولى فيقع الطلاق بعد العتق على ما قررناه، بخلاف العدة لأنه
ــ
[البناية]
ووجه ذلك أن الطلاق مختص ببطء الثبوت لتحققه مع المنافي، والإعتاق مختص بسرعة الثبوت، لكنه على وفاق الدليل فيقدم على الطلاق فيصادفها الطلاق وهي حرة، فيملك الرجعة، ولهذا يتأخر الملك في البيع الفاسد عن البيع إلى زمان القبض، بخلاف البيع الصحيح لما ذكرنا أن أحدهما على وفق الدليل، والآخر على خلافه، انتهى.
وعلل ركن الإسلام القاضي أبو الحسن السعدي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لمحمد رحمه الله أن العتق وإن كان يقارن الإعتاق، لكن العتق لا يزول ما لم يزل الرق مع العتق، لا يجتمعان في محل واحد، فيكون نزول العتق بعد زوال الرق فكان الطلاق بعد الحرية.
وقيل في الجواب أنه يجوز أن يكون مراده بقوله بعد العتق أي معه كما أن مراده بقوله عتق مولاك وإياك، أي بعد عتق مولاك إياك، وقيل المعلق بالشرط كالمرسل عنده فيكون قول المولى عند الشرط عند حرة، وقال الزوج طالق مقترنين في زمان واحد ويتأخر ثنتين عن الحرية ضرورة فيقعان عليها، وهي حرة.
م: (فصار كالمسألة الأولى) ش: وهي قوله أنت طالق ثنتين مع عتق مولاك إياك م: (ولهذا تقدر عدتها بثلاث حيض) ش: هذا إيضاح لقوله م: (لتطلق بعد العتق) ش:، بيانه أن الطلاق صادف الحرية، ولهذا تعتد بثلاث حيض، فلو صادف الأمة لزمها الاعتداد بالحيضتين، هكذا شرحه الأترازي، ثم قال: وعلى هذا الاستدلال الذي أورده صاحب " الهداية " نظر، لأن الاعتداد بثلاث حيض باعتبار أنها حرة زمان وجوب العدة كما في المسألة الأولى، باعتبار أن الطلاق صادف الحرية، انتهى.
قلت: هذا الاستدلال هو الذي ذكره ثم نسبه لصاحب " الهداية " ثم نظر فيه، ولم يذكره صاحب " الهداية " هنا على ما لا يخفى.
م: (ولهما) ش: أي ولأبي حنيفة وأبي يوسف م: (أنه) ش: أي الزوج م: (علق الطلاق بما علق به المولى العتق) ش: وهو مجيء الغد م: (ثم العتق يصادفها وهي أمة) ش: أي والحال أنها أمة م: (وكذا الطلاق) ش: مصادفها وهي أمة م: (والطلقتان تحرمان الأمة حرمة غليظة) ش: فلا يملك الرجعة م: (بخلاف المسألة الأولى، لأنه علق التطليق بإعتاق المولى فيقع الطلاق بعد العتق على ما قررناه) ش: أي في المسألة الأولى، وهو أن الشرط مقدم على المشروط م:(بخلاف العدة لأنه) ش:
يؤخذ فيها بالاحتياط، وكذا الحرمة الغليظة يؤخذ فيها بالاحتياط، ولا وجه إلى ما قال، لأن العتق لو كان يقارن الإعتاق لأنه علته، فالطلاق يقارن التطليق لأنه علته فيقترنان.
ــ
[البناية]
أي لأن الشأن م: (يؤخذ فيها بالاحتياط) ش: صيانة لأمر الدين م: (وكذا الحرمة الغليظة يؤخذ فيها بالاحتياط) .
م: (ولا وجه إلى ما قال) ش: أي محمد م: (لأن العتق لو كان يقارن الإعتاق لأنه علته) ش: أي لأن الإعتاق علة العتق م: (فالطلاق يقارن التطليق، لأنه علته) ش: أي لأن التطليق علة الطلاق م: (فيقترنان) ش: أي الإعتاق والتطليق، يعني كما أن الإعتاق يصادفها، وهي أمة فكذلك التطليق.