الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
*
الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
3531 -
[1] عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ وَسَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ أَنَّهُمَا حَدَّثَا أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ وَمُحَيِّصَةَ بْنَ مَسْعُودٍ أَتَيَا خَيْبَرَ،
ــ
وقد يطلق على الجماعة الذين يقسمون، وفي الشرع: عبارة عن أيمان يُقسِمُ بها أولياء الدم على استحقاق دم صاحبهم، أو يقسم بها أهل المحلَّةِ المتَّهَمون على نفي القتل عنهم على اختلاف بين الأئمة؛ فعندنا يقسم أهل المحلة، يتخيرهم الولي: يحلفون باللَّه ما قتَلْنا ولا علِمْنا قاتِلَه؛ للحديث المشهور: (البينة على المدعي واليمين على من أنكر)، وكما دل عليه ظاهر الحديث الآتي في الفصل الثالث من رافع بن خديج، وعند الشافعي وكذا عند أحمد: إن كان بينهم عداوةٌ ولَوْثٌ بأن يغلب الظن على أنهم قتلوه يحلف الأولياء؛ فإن أبوا يحلف المتهمون على ما دل الحديث الأول من رافع بن خديج، وإن لم يكن عداوةٌ ولَوْثٌ؛ فلا يمينَ على الأولياء، ولا يجب في القَسامة قصاصٌ وإن كان الدعوى القتلَ عمدًا، بل الواجب فيه الديةُ عمدًا كان الدعوى أو خطأ، وقال مالك: يقضى بالقود إن كان الدعوى في العمد، وهو القول القديم للشافعي، وتمام مسائل الباب ودلائلها مذكورة في كتب الفقه (1)، وقالوا: كانت القسامة في الجاهلية، فأقرّها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم على ما كانت في الجاهلية، وقضى بها بين ناس من الأنصار في قتلٍ ادَّعَوه على يهود خيبر، رواه مسلم.
الفصل الأول
3531 -
[1](رافع بن خديج) قوله: (رافع بن خديج) بفتح الخاء، (وسهل ابن أبي حثمة) بفتح الحاء المهملة وسكون المثلثة.
(1) انظر: "أوجز المسالك"(15/ 150 - 223)، و"المغني"(8/ 487).
فَتَفَرَّقَا فِي النَّخْلِ، فَقُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ، فَجَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ وَحُوَيِّصَةُ وَمُحَيِّصَةُ ابْنَا مَسْعُودٍ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَتَكَلَّمُوا فِي أَمْرِ صَاحِبِهِمْ، فَبَدَأَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَكَانَ أَصْغَرَ الْقَوْمِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: كَبِّرِ الْكُبْرَ، قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعَدٍ: يَعْنِي لِيَلِيَ الْكَلَامَ الأَكْبَرُ، فَتَكَلَّمُوا فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:"اسْتَحِقُّوا قَتِيلَكُمْ -أَوْ قَالَ: صَاحِبَكُمْ- بِأَيْمَانِ خَمْسِينَ مِنْكُمْ". . . . .
ــ
وقوله: (فجاء عبد الرحمن بن سهل) وهو أخو المقتول، (وحويصة ومحيصة) وهما من أبناء أعمام القتيل، وهما بضم الحاء المهملة وضم الميم وفتح الثانية وكسر التحتانية المشددة وإهمال الصاد، وقيل: بسكون الياء، وكلاهما لغتان مشهورتان، ونقل عن الحافظ السيوطي في حاشية (الموطأ) أن تشديد الياء فيهما أشهر اللغتين كذا ذكروا، والظاهر أن الصاد على تقدير الياء مخففة، وقال في (القاموس) (1): حويصة ومحيصة ابنا مسعود مشددتي الصاد، انتهى. ولا شك أن تشديد الصاد إنما يكون عند سكون الياء.
وقوله: (في أمر صاحبهم) أي: قتيلهم.
وقوله: (كبر الكبر) كبر أمر من التكبير، والكبر بالضم والسكون: أكبر القوم، أي: أعظم منه هو أكبر منك، أي: قدِّمْه في التكلم، وفي رواية:(الكبر الكبر) على الإغراء أو بتقدير قدموا الكبر، والثاني تأكيد.
وقوله: (استحقوا) بلفظ الأمر، (قتيلكم) أي: موجب جناية قتيلكم، وهو الدية عند الأكثرين.
وقوله: (بأيمان خمسين منكم) بتنوين وبغير تنوين، والتنوين أظهر، وههنا
(1)"القاموس المحيط"(ص: 569).
قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَمْرٌ لَمْ نَرَهُ قَالَ: "فَتُبَرِّئُكُمْ. . . . .
ــ
إشكالان أحدهما: أنه كيف أمر بتقديم الأكبر مع أن المدَّعيَ كان هو الأصغرَ، أعني عبدَ الرحمن؟ وثانيهما: أنه كيف عرضت اليمين على الثلاثة، والوارث هو عبد الرحمن خاصة؟ أجيب عن الأول بأن المراد كان سماع صورة القضية، فإذا أريد حقيقة الدعوى تكلم المدعي، وبأنه يحتمل أن عبد الرحمن وكَّلَ حويصة وهو الأكبر، وعن الثاني بأنه أورد لفظ الجمع لعدم الالتباس.
وقوله: (أمر لم نره) أي: كيف نحلف وصدور القتل أمر لم نشاهده.
وقوله: (فتبرئكم) من الإبراء، وفي بعض النسخ:(فتبرِّئكم) من التبرئة، أي: يرفعون منكم الظن والتهمةَ منهم، وظاهره أنهم إذا حلفوا ارتفعت الدية عنهم كما هو مذهب الشافعي؛ ولأن اليمين عهدت في الشرع مبرئة للمدعى عليه لا ملزمة كما في سائر الدعاوى، وعندنا يجب الدية مع وجود أيمانهم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بين الدية والقسامة في حديث سهل، وفي حديث زياد بن أبي مريم، كذا في (الهداية)(1).
وذكر في شرحه (2): أنه روي عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل خيبر: أن هذا قتيل وجد بين أظهركم، فما الذي يخرجه عنكم؟ فكتبوا إليه: أن مثل هذه الحادثة وقعت في بني إسرائيل، فأنزل اللَّه تعالى على موسى أمرًا؛ فإن كنت نبيًا فافعل ذلك، فكتب إليهم أن اللَّه تعالى أراني أن أختار [منكم] خمسين رجلًا فيحلفون باللَّه: ما قتَلْنا ولا نعلَمُ له قاتلًا، ثم يؤدُّون الدية، قالوا: لقد أصبتَ.
وروى حفص عن زياد بن أبي مريم أنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني
(1)"الهداية"(4/ 498).
(2)
انظر: "فتح القدير"(9/ 309).
يَهُودُ فِي أَيْمَانِ خَمْسِينَ مِنْهُمْ؟ " قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَوْمٌ كفَّارٌ،
ــ
وجدت أخي قتيلًا في بني فلان، فقال: اختر من شيوخهم خمسين رجلًا، فيحلفون باللَّه ما قتلناه ولا علمنا له قاتلًا، فقال الرجل: ما لي من أخي إلا هذا؟ فقال: نعم، ومئة من الإبل.
وقال في (الهداية)(1): وكذا جمع عمر رضي الله عنه بينهما على وادعة اسم قبيلة من همدان، وقصته: أن قتيلًا وجد بين وادعة وأرحب، وكان إلى وادعة أقرب، فقضى عمر رضي الله عنه عليهم بالقسامة والدية، فقال وادعيٌّ: يا أمير المؤمنين! لا أيماننا تدفع عن أموالنا، ولا أموالنا تدفع عن أيماننا؟ فقال: إنما حقهم دماؤكم لوجود القتل بين أظهركم فأيمانكم أقربكم الدية (2)، هذا وقد طعن الشافعية على الحنفية في هذين المسألتين.
إحداهما: عدم الابتداء بيمين المدعي، وتحليف أهل المحلة.
وثانيتهما: أخذ الدية منهم مع وجود أيمانهم، وهو يخالف الحديث، أما الأول فلأن الروايات الصحيحة كلها متطابقة على أنه صلى الله عليه وسلم بدأ بالمدعين، وأما الثاني أنه قال:(فتبرئكم يهود في أيمان خمسين)، فإيجاب الدية معها يخالف النص ويخالف القياس أيضًا؛ إذ ليس في شيء من الأصول اليمين مع الغرامة، بل إنما شرعت للبراءة والاستحقاق، انتهى.
وقد عرفت الدليل على مذهبنا، وأما الجواب عن دليلهم فهو أن قوله صلى الله عليه وسلم:(تبرئكم اليهود) محمول على الإبراء عن القصاص والحبس، وكذا اليمين مبرئة عما وجب له اليمين، والقسامة ما شرعت لتجب الدية إذا نكلوا، بل شرعت ليظهر القتل والقصاص
(1)"الهداية"(4/ 498).
(2)
كذا في الأصل، وفي "العناية" (9/ 309): فقال: إنما حقنتم دماءكم بأيمانكم، وإنما أغرمكم الدية لوجود القتيل بين أظهركم.